إسرائيل تنتظر موافقة أميركا وأوروبا لتحارب إيران وأعوانها في سورية

سام منسى |
بنيامين نتانياهو (رويترز) حسن روحاني (رويترز) جدار إسرائيلي عند الحدود اللبنانية (رويترز)

بعد عودة رئيس الحكومة سعد الحريري عن استقالته التي أعلنها من الرياض في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، ثم زيارته الرياض ثانية حيث استقبله الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لا يصعب كثيراً استيعاب التطورات الأخيرة على الساحة اللبنانية لجهة اعتبارها انعكاساً للتطورات الإقليمية بعامة وللحرب الدائرة في سورية بخاصة. لكن الحراك السياسي الذي رافق الاستقالة، لا سيما ما وصف بالتعاطف والتضامن مع رئيس الحكومة من قبل الجهات المناهضة له، أدى في نهاية المطاف إلى ذوبان شبه كامل لحركة 14 آذار المتهالكة أصلا وتشتت مكوناتها في شكل أعطى انطــــباعاً أن الغلبة باتت لتيار 8 آذار ومكونها الرئيس حزب الله.

ثمة مؤشرات على أكثر من صعيد ترجح هذا الانطباع، أبرزها الحركة السعودية الأخيرة باتجاه الرئيس سعد الحريري بخاصة ولبنان عموماً والذي عبرت عنه زيارته الأخيرة للمملكة بعد زيارة موفد سعودي التقى خلالها كبار المسؤولين اللبنانيين. إضافة إلى سلسلة المؤتمرات المنوي عقدها والمواقف الدولية التي يتوجها موقف قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال جوزيف فوتيل من لبنان، والذي عبر عنه أمام الكونغرس مستخدماً توصيف «الدفع الى الخلف» و «إعادة العجلة»، ما يشير إلى تغيير مقاربة واشنطن لمشكلة «حزب الله» ودوره في لبنان (من دون أن يعني ذلك تغييراً في موقفها من الحزب وإيران)، واعتبار أن اللبنانيين عاجزون عن مواجهة هذه المشكلة لكونها مشكلة إقليمية لا بد من التعامل معها على هذا الأساس.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الرؤية الأميركية بخاصة والغربية عموماً تجاه لبنان تحديداً، ليست بالجديدة، إذ يجدر التذكير بانسحاب قوات المارينز من لبنان عام 1983 على رؤوس الأصابع بعد حادث تفجير مقرهم قرب مطار بيروت، إضاقة إلى خطاب الرئيس جاك شيراك أمام مجلس النواب اللبناني في 4 أيار (مايو) 1996، أكد فيه أن انسحاب الجيش السوري في لبنان مرتبط بتسوية النزاع العربي الإسرائيلي.

المقصود من هذه السطور هو القول إن محاولة قراءة ما يجري في لبنان عبر هذه العدسة، بمقدار ما يسهل فهم هذه المتغييرات على صعيد الاصطفافات السياسية، بمقدار ما يعبر عن الانتهازية والخفة والسطحية وعدم المسؤولية التي، كلها مجتمعة، توصّف أداء القادة والمسؤولين والزعماء السياسيين في هذا البلد، كما غياب مخيف للرأي العام بل استسلامه لما ترسمه الطبقة السياسية.

وفي المحصلة، أن ما سوف ترسو عليه الأوضاع هو تثبيت حالة الستاتوكو بانتظار تسوية ما أو حدث إقليمي من شأنه تغيير الأوضاع في لبنان.

كل طرف من الأطراف المتنازعة يترقب أن يأتي هذا الحدث أو هذه التسوية لمصلحته، إنما السؤال هو متى وكيف، وهل الحفاظ على الستاتوكو أو الشعار المرادف أي الاستقرار أو السلم الأهلي، يعني أكثر من تمكين الفريق الأقوى على الساحة اللبنانية كما في الإقليم من تثبيت قدميه وجذوره على حساب الأطراف الأخرى.

إن نظرة إلى مسار الأوضاع في المنطقة، لا سيما في الجانب الأقرب والأكثر تأثيراً على لبنان، أي الحرب السورية، يؤشر إلى ما يلي:

أولاً: إن النظام في سورية بدعم روسي وأيراني غير مسبوق، حقق انتصاراً على المعارضة، بشقيها المسلح والمعتدل، في أجزاء واسعة ورئيسة من سورية. بالطبع، لا يجوز أن ننسب الانتصار إلى نظام الأسد إنما للأدوار التي لعبتها روسيا وإيران والميليشيات التابعة لهما معاً، ما يجعل الرئيس السوري ونظامه أسيري الإرادتين الروسية والإيرانية.

ثانياً: أن الرهان على خلاف إيراني روسي في سورية وعلى سورية، هو في نظر غالبية المتابعين والمراقبين أمر مستبعد حتى الآن، لكون المستفيد الأول من هذا الخلاف هو واشنطن، ولحاجة كل طرف الماسة للآخر في سورية، وللمصالح التي تربط كل من روسيا وإيران على مستوى المنطقة والتي تتجاوز النطاق السوري. إن هذا الواقع يثبت الوجود الروسي والإيراني في سورية الواقعة تحت سيطرة الأسد.

ثالثاً: على رغم ضبابية السياسة الأميركية الواضحة تجاه الحرب الدائرة في سورية، إلا أن الوجود الأميركي في هذا البلد تتحكم به عوامل عدة أبرزها:

- محاربة «داعش» واجتثاثه من سورية.

- الولايات المتحدة في منافسة مع إيران و «لكي تنتصر في المعركة لا يمكن لها أن تترك الميدان»، بمعنى أن الولايات المتحدة تواجه استفحال النفوذ الإيراني في المنطقة ولن تترك الساحة للإيرانيين.

- إن الوجود العسكري الأميركي هو في شرق سورية، هذه المنطقة التي تعبر أكثر عن «سورية المفيدة» من التوصيف السابق المعطى للمنطقة التي يسيطر عليها النظام، لكونها تضم المناطق الغنية بالثروات النفطية والزراعية والمائية.

رابعاً: دخول عامل جديد على الحرب السورية الدائرة منذ أكثر من سبع سنوات، وهو العامل الإسرائيلي الذي بقي غائباً عن التأثير المباشر في الحرب السورية، وشعاره هو «إذا سقط الأسد فمن هو البديل». هذا الأمر يؤشر وفي نظر أكثر من مراقب ومتابع، إلى الرغبة الدفينة ببقاء نظام آل الأسد الذي حافظ على هدوء الجبهة السورية الإسرائيلية لأكثر من 38 عاماً، من عام 1973 وحتى اندلاع الثورة السورية عام 2011. إن العامل الإسرائيلي المستجد، إذا صح التعبير، تتحكم به عناصر عدة يمكن اختصارها بالأتي:

- تصميم إيران على تثبيت وجود عسكري لها في سورية مقابل تصميم إسرائيل على منعها من ذلك، ما قد يؤدي إلى صدام بات شبه مؤكد. يبقى السؤال هو متى وأين سيقع؟ والأهم، ما هي النتائج المرتقبة لمثل هكذا حرب جراء الوجود الروسي في سورية؟

- إن إسرائيل تعلم بأماكن وحجم الوجود العسكري الإيراني في سورية، كما أن قوة الردع الإسرائيلية ما تزال أقوى وأكثر فاعلية من قدرة إيران على إلحاق الأذى بإسرائيل على نطاق واسع. إنما تعرف أيضاً أن إحجام إيران عن استفزاز إسرائيل في الوضع الراهن هو سعيها إلى الوصول إلى توازن في الردع ما تزال تعمل على بنائه في سورية ولبنان معاً.

كما أن إسرائيل مستمرة في تطوير قدراتها، ما يعني أن المنطقة في سباق بين رغبة إسرائيل في استمرار تفوق قوة الردع لديها وإيران التـــي تســــعى إلى الوصول إلى قدرة ردع تحـــــقق نوعاً من توازن القوة مع إسرائيل وتمنعها من مهاجمتها في سورية أو في لبنان.

- إن الوجود الروسي في سورية لم يكن كما ما اعتقد الكثيرون من الخبراء عاملاً مطمئناً ومساعداً في الحد من النفوذ الإيراني، وفق ما بات واضحاً من مناخ الإعلام الإسرائيلي، إنه منذ بداية بداية التدخل الروسي ووجوده في سورية، لم تكن إسرائيل راضية أو مطمئنة لهذا الوجود، بل أن زيارات رئيس الحكومة الإسرائيلي المتكررة إلى موسكو لم تكن أكثر من محاولة لاحتواء هذا الوجود، ومحاولة الحد من آثاره السلبية عليها.

- إسرائيل تترقب بالطبع انتهاء الاتفاق النووي بعد حوالي سبع سنوات والذي لا يزال موضع حذر وتردد بالنسبة إلى الإدارة الاميركية الحالية.

- أما العامل الأخير والأكثر أهمية وحيوية بالنسبة إلى إسرائيل، هو أنه على رغم الحرارة التي تتسم بها علاقات واشنطن وتل أبيب منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم تتمكن إسرائيل حتى الساعة من فهم رؤية واشنطن وسياساتها تجاه إيران ووجودها في سورية ولبنان، ويمكن إيجاز الموقف الإسرائيلي من السياسية الأميركية بالمقولة الشهيرة «نهاتفهم من دون أن يجيبوا. وإسرائيل وسط الأوضاع الراهنة في الإقليم، لا سيما السياسة الروسية تجاه سورية بخاصة والمنطقة عموماً، لا تسمح لنفسها بمغامرات من دون دعم أميركي وغربي مضمون ومسبق.

كل ما أسلفنا ذكره بالنسبة إلى العوامل التي تتحكم بالسياسة الإسرائيلية تجاه سورية، لا يعني أنها تسمح بوجود إيراني قابل إلى أن يتحول إلى تهديد وجودي لها. وهذا ما يدعو إلى القلق الشديد من تفلت ما على الجبهات في سورية أو لبنان، يؤدي إلى حرب قد يُعرف كيف تبدأ ولا يُعرف كيف تنتهي ،لانه يصعب أن لا تتدخل الولايات المتحدة بخاصة والدول الغربية بعامة، إذا تعرضت إسرائيل لخطر يهددها جراء نزاع تنجر إليه، نتيجة اشتباكات مع إيران وميليشياتها في سورية ولبنان.

وسط هذا المناخ الاقليمي المأزوم ينتظر لبنان ويراهن على تطورات الخارج وانعكاساتها على الداخل وهذا سلوك بات ملازماً للحياة السياسية في لبنان منذ أكثر من نصف قرن تقريباً، ونتائجه المزيد من الاهتراء والتفكك والانحلال على الصعد كافة. ونعوّل على نتائج انتخابات تشريعية تجرى في وطن يقبع تحت ظل شبه احتلال!

 

 

* إعلامي لبناني