بؤساء هايتي أبطالاً في رواية فيلوكتيت

باريس - أنطوان جوكي |

ما سبب الإهمال الذي ما زال يتعرّض له الكاتب الهايتي رونيه فيلوكتيت (1933- 1995) من النقّاد الفرنسيين، مع أنه أحد أكبر وجوه الأدب الفرنكوفوني في القرن العشرين؟ هل هو لون بشرته، أم انتماؤه العميق إلى بلدٍ لا تبالي فرنسا، والعالم عموماً، بمأساته؟ انتماءٌ يتجلى بقوة في رصد هذا العملاق معظم أعماله الشعرية والمسرحية والروائية للتأمّل في أسباب هذه المأساة، مقدّماً قراءة نقدية بصيرة لتاريخ جزيرة هايتي الحديث ومصوّراً، أفضل من أي كاتبٍ آخر، عذابات أبناء وطنه في ظّل الدكتاتوريات التي تحكّمت لفترة طويلة بمصائرهم.

من هنا، وصف الكاتب ليونيل ترويو مواطنه فيلوكتيت بـ «كاتب ملحمة البــــؤساء». وصفٌ تتبيّن صحّته ودقّته في كلّ أعمــــاله، وخصوصاً في الرواية المجهولة وغير المنشورة التي اكتُشفت أخيراً في أرشيفه وصدرت حديثاً عن دار «زمن الكرز» الباريسية تحت عنوان «بين القديسين». عملٌ رائع على أكثر من صعيد، ومع ذلك لم يحظ بعد بمقالة واحدة في الصحافة الفرنسية!

تدور أحداث هذه الرواية الضخمة (450 صفحة)، التي كتبها فيلوكتيت قبيل وفاته، في عاصمة هايتي، بور أو برينس، عام 1990، وتغطّي بالتالي المرحلة الأخيرة من حكم الجنرال بروسبير أفريل الذي استولى على السلطة في أيلول (سبتمبر) 1988، قبل أن يضطر إلى الاستقالة في آذار (مارس) 1990، إثر التظاهرات الشعبية ضدّه. يُقارب الكاتب إذا مرحلة مفصلية في تاريخ هايتي الحديث راصداً عنفها الشديد من خلال تصوير حياة مجموعة من الشحّاذين، تنشط خلال النهار في شوارع العاصمة، وتنام مع حلول الليل في فناء كنيسة مار يوسف.

كلّ شحّاذ يحضر داخل الرواية مع قصّته وإعاقته الجسدية وغضبه ونقطة ضعفه، وبالتالي جانبه الإنساني: روز المصروعة، سوزيت ديوفو الضريرة، جوزيف سوفال الكسيح، بول إيتان الأبكم والأصمّ، جان لو بوسكيه المصاب بمرض السرطان، وكثيرون غيرهم. جميعهم يحترم طقساً موحّداً للتسوّل خلال ساعات النهار، يقودهم إلى ممارسة «مهنتهم» كل يوم من أيام الأسبوع أمام كنيسة مختلفة، وما أكثر الكنائس في بور أو برينس! وعند المساء، يتقاطرون إلى فناء كنيسة مار يوسف حيث يحتل كلٍّ منهم مكاناً محدداً له يمكنه الاستلقاء فيه وإراحة جسده من عناء النهار.

تدريجاً، يدخل القارئ إلى عالم هؤلاء المتسوّلين السفلي ويتآلف مع قوانين حياتهم وديناميكيتها، مع الصداقة التي تتحكّم غالباً بسلوكهم والمحبة التي تربطهم بعضاً ببعض. وعلى رغم مشاعر الغيرة والاستياء التي تنتابهم من حينٍ إلى آخر، ثمة شعور بالانتماء إلى عائلة واحدة ينتصر فيهم دائماً، كما يظهر ذلك مثلاً في اعتنائهم بالأطفال المتسوّلين الذين يعيشون في كنفهم، ويحتلون موقعاً مركزياً في عملية السرد. أطفال ينجح الكاتب في تقديمهم بكل تعقيدهم، فيظهرون لنا طفوليين وفي الوقت نفسه ناضجين بشكلٍ رهيب، لأن الحياة لم تترك لهم خياراً آخر، طائشين وبصيرين، سعداء ويائسين، متسوّلين وفي غاية الكرم.

هكذا نرى الطفلة جونيز، ابنة الثماني سنوات، التي تعيش تحت قناطر مبنى البنك المركزي، في حماية الشارع الذي تبنّاها، وتحلم كل يوم بقطعة نقود رنّانة كي تتناسى عوارض الحمّى التي تنتابها من حينٍ إلى حين وتشعل جسدها الهزيل، قبل أن تخطف أنفاسها في إحدى الليالي، على رغم رعاية المومس جيزيل لها ومحاولتها عبثاً إنقاذها. هكذا نرى أيضاً الطفلين تروفاي ومولون اللذين تجمعهما قصة حب كبيرة وجميلة تلوّن نصّ فيلوكتيت وتبثّ فيه نوراً رقيقاً وأخّاذاً. تروفاي لم يعرف والده قطّ، وتركته أمّه روز على الشاطئ حين استقلّت مركباً متوجّهاً إلى ميامي، ولذلك نجده على طول الرواية يحلم بالسفر إلى هذه المدينة ويسعى جاهداً إلى تحقيق ذلك. مولون تكسب قوتها من تنظيفها كل صباح حديقة دير من روث الكلاب، وتحاول عبثاً ثني حبيبها عن السفر وإثارة اهتمامه بقضية البؤساء في بلدهما التي تتبنّاها بحماسة، قبل أن تصرعها رصاصة طائشة في نهاية الرواية.

وبعيون تروفاي ومولون وجونيز وسائر المستوّلين، نتعرّف إلى مدينة بور أو برينس ونغوص في متاهة شوارعها البائسة. مدينة تشكّل القمامة التي تغطّي أرصفتها سريراً لبؤسائها وملجأ وطعاماً لآلاف الجرذان والكلاب الضالّة التي تنشط في الليل داخلها. مدينة يصوّر فيلوكتيت بألمٍ بشاعتها، جانبها المعتم والسديمي، روائحها الكريهة، ويجعلنا نصغي إلى صخبها وإيقاعها المحموم داخل جُمَله بالذات: «الفجر في بور أو برينس عفونة مدَمْدِمة، باكية، زاحفة، مستجدية ونتنة. الشاحنات الصغيرة تلفّ وتدور في الشوارع، الأسواق تغلي، عتّالو المرفأ ينشطون، سائر العمّال يتوجّهون بخطوات سريعة إلى عملهم والتلاميذ بخطوات ناعسة إلى مدارسهم، بينما يرتفع صياح البائعين الجوّالين للترويج لبضائعهم». صخبٌ ينحسر مع حلول الغسق ويحلّ مكانه خوفٌ يشلّ الحركة طوال الليل ويتسلّط على البيوت والقلوب. وعند الفجر، «يقيس الناس انفعالاتهم على ضوء عدد الجثث التي يعثرون عليها في الشوارع».

وبالتالي، مثل البؤس الذي ينخرها، يبدو العنف حاضراً في بور أو برينس على طول الرواية. نجتسّه، نعانقه، نلعنه، أو نخافه ونختبئ منه، ولكن لا يمكننا تجاهله، خلال حكم الجنرال أفريل الذي يتربّص جنوده بجميع سكان هايتي ولا يترددون في إطلاق النار حتى على الأطفال «المختبئين في تهويدات أمّهاتهم». وإذ يمعن فيلوكتيت في كشـــف واقع مدينته الفظيع خلال تلك المرحلة، لا يستسلم لخطابٍ بؤسوي، بل يسعى إلى منحنا- في مرآة هذا الواقع- صورةً دقيقة ومؤثّرة عن إنسانية شخصياته المُعدَمة.

رواية نابضة بالحياة إذاً، تكمن قيمتها في مقدرة فيلوكتيت على تصوير مشاعر إنسانية رائعة لدى أشخاص لا ترتبط صـــورتهم عادةً بما هو جميل وعظيم. تكمن أيضاً في قدرته على إعادة خلق عالم المحتاجين والمحرومين بدقّة وأمانة، وفي توفيــــــره فرصة فريدة للاختلاط بأولئك الرجال والنساء والأطفال الذين يعيشون ويموتون في الشوارع من دون أن يكترث لهم أحد.

وكما في كل رواياته السابقة، يفتننا الكاتب مرةً أخرى بمهاراته السردية المدهشة ولغته الشعرية، الطريفة والساخرة تارةً والجدّية تارةً أخرى، وخصوصاً بتلك الصور القاسية أو الرقيقة الغزيرة التي يسيّرها داخل نصّه وتبعد كل البعد من الكليشيهات الصحافية الباردة حول موضوع البؤساء عموماً، وبؤساء هايتي تحديداً.