«شم النسيم» عيد مصري جامع ... فوق الانقسامات السياسية والدينية

القاهرة – أمينة خيري |

شعور قوي بدا واضحاً هذا العام بأنه آخر ما تبقى لدى المصريين من مناسبات لم يشقها إقحام الدين أو تفسدها أيديولوجيا ذات اليمين أو ذات اليسار. صحيح أن الطقوس المصاحبة والروائح المتفجرة تزعج البعض من الممسكين بتلابيبه، لكن لا هذه نالت من فرحتهم به، ولا تلك أثرت على إحيائه صوب شمال الشرقي في دهب أو في عمق الساحل الشمالي على طول الخط من غرب الإسكندرية إلى مرسى مطروح.

مرسى مطروح وغيره من شواطئ الشرق الأوسط، وجنوب سيناء ومدنها الساحلية التي تئن منذ سقوط الطائرة الروسية في وسط سيناء، وخط البحر الأحمر المتوجه جنوباً من الغردقة وسهل حشيش إلى الجونة ومرسى علم، ضجت بعدد هائل من شباب وشابات لم يعوا قيمة «شم النسيم» إلا بعد أحداث جسام مرت بمصر على مدار السنوات الثماني الماضية. فمن اعتباره طقساً «تحرص عليه ماما» ببيض ملوّن لا يعني لهم الكثير وروائح تزكم أنوفهم، لكن «يطير لها عقل بابا وقت الغداء»، إلى توقف لتفكير منذ هبط على رأس البلاد حكم جماعة دينية وأبناء عمومها من القادمين من شتى أرجاء طيف التطرف والتشدد وزرع الفتنة، وأخيراً إلى نظرة هادئة لما تعنيه إجازة مدتها أربعة أيام في وسط عام دراسي ثقيل أو في وطأة عمل يومي رتيب شهد «شم النسيم» هذا العام إقبالاً شبابياً معتبراً.

اعتبرت إيمان (26 عاماً) شم النسيم هذا العام مناسبة للم شمل الأسرة المبعثرة في تجمعات عمرانية ناشئة على أطراف القاهرة، من «6 أكتوبر» و «الشيخ زايد» إلى «التجمع والرحاب» ومنهما إلى «مدينتي» و «الشروق». وجهت دعوة عبر مجموعة العائلة الممتدة من الخالات والأخوال وأبنائهم وبناتهم إلى لالتقاء في «العين السخنة» القريبة من القاهرة. وهناك جهزت قسماً أمامياً للشباب والشابات حيث الموسيقى والبرغر والسندوتشات الـ «كولد كاتس» والمياه الغازية، وآخر خلفياً حيث «الجريمة مكتملة الأركان» لكبار السن حيث جيل الآباء والأجداد.

الأجداد المصريون الذين ابتكروا الأسماك المملحة المتروكة لشهور حتى تٌدخن (وفي أقوال أخرى تتعفن) قبل نحو 4700 عام، لهم كل الحق في أن يقفوا في العام الـ18 من الألفية الثالثة مزهوين بأنفسهم، فخورين بأصلهم. فمع بدء الاحتفال بـ «عيد الحصاد» أو «حصاد النبات» مع نهاية عصر الأسرة الثالثة وبداية عصر الأسرة الرابعة (مع وجود آثار للاحتفال به قبل هذا الوقت أيضاً) بدا واضحاً أن المصري القديم لم يكن غارقاً حتى أذنيه في الدين، كارهاً للحياة. فقد اعتبر المصري القديم عيد «شم النسيم»– وثيق الصلة بالربيع وبدء موسم الخير والحصاد وما يستدعيه ذلك من بهجة واحتفال- بعثاً متجدداً للحياة.

الحياة في مصر القديمة في عيد شم النسيم– وكما يبدو من جدران المعابد- عكست زهوراً وقمحاً وخضرة، بالإضافة إلى «الجريمة الكاملة الأركان» حيث بيض وسمك مملح وخس وترمس.

إيمان التي أحيت وأسرتها الممتدة «شم النسيم» هذا العام في شكل واضح وصريح، تقول إنها لم تذق الأسماك المملحة من «ملوحة» و «فسيخ» و «رنجة» طيلة حياتها. «رائحتها تصيبني بالغثيان، لكن والدي ووالدتي وأخوالي وأعمامي يعشقونها. وأعتقد أن هذا العام كانت هناك رغبة جماعية في الاحتفال بشم النسيم– ولو بأنوف مسدودة- وكأنه رمز بأن مصر قادرة على الخروج من هوة التطرف والتشدد والعودة إلى ما كانت عليه قبل سنوات طويلة جداً، قبل أن يدس الجميع أنفه في معتقدات الجميع».

الأنوف المزكومة بروائح الأسماك المدخنة والمملحة أمضت عقوداً طويلة مدسوسة أو بالأحرى تم الدفع بها إلى الاندساس في شؤون الناس. مصطفى (20 عاماً) يقول إنه نشأ في بيته على «كراهية» شم النسيم، فوالده يرى أن الاحتفال بشم النسيم حرام، والتهنئة به حرام، وفي حال تلقي تهنئة به فعليه ألا يردها. يقول مصطفى إنه ظل على قناعة بما لقنه إياه والده نقلاً عن مشايخ عدة على رأسهم الشيخ أبو إسحاق الحويني. يقول: «دأب والدي على تشغيل شرائط يقول مشايخها أن شم النسيم عيد وثني، وأن المسلم لا يحتفل سوى بعيدين الفطر والأضحى». ويشير مصطفى إلى أنه في العامين الأخيرين وجد كل من حوله تقريباً يحتفل بشم النسيم من دون أن يكون في مظاهر الاحتفال ما يغضب الله أو يخالف الدين. ويشير ضاحكاً: «صحيح أن رائحة الأسماك يعتبرها البعض بالغة السوء، لكن الغالبية تحبها. كما أن ارتباطها بمظاهر احتفالية وبهجة الناس في الحدائق تشفع للرائحة العفنة». لكن مصطفى يعترف بأن مشاركته مع أصدقائه في الاحتفال بشم النسيم ما زالت أمراً سرياً لا يصارح بها والده.

الاحتفال بعيد شم النسيم– الذي يعد الاحتفال المصري الصميم الوحيد البعيد عن الانتصارات العسكرية وذكرى الثورات والعقائد– اتخذ هذا العام شكلاً شعبياً جماعياً وكأن المصريين يردون إليه الاعتبار المفقود. زينة فتح الله (22 عاماً طالبة جامعية) تقول إنها سافرت مع مجموعة من الصديقات إلى مدينة دهب في جنوب سيناء في مناسبة عطلة شم النسيم. تقول: «على رغم أننا لم نسافر بغرض الاحتفال بشم النسيم نفسه، لكن القائمين على أمر المعسكر الذي كنا فيه فاجأونا بإفطار رائع يوم شم النسيم. بيض ملون، بصل أخضر، وعلبة مغلقة فيها رنجة». وتضيف: «على رغم أنني لم ألون البيض منذ كنت طفلة، إلا أنني وصديقاتي سعدنا جداً بمأدبة الإفطار المصري الأصيلة. وزاد من حجم البهجة أن الأجانب الموجودين انبهروا من شكل البيض مع الخضرة. صحيح أن علبة الرنجة ما أن فٌتٍحت حتى انتشرت رائحة قوية، إلا أن البعض أكل منها وأكد إنها رائعة المذاق».

ومع روعة المذاق على رغم رهبة الرائحة تفجرت عشرات النكات و «الكوميكس» الساخرة التي لخصت الحال في شم النسيم. الغالبية تبدي انزعاجها من رائحة الأسماك النفاذة، لكن الغالبية نفسها تسرف في أكل هذه الأسماك. ليس هذا فقط، بل أن العديد من العائلات المصرية المحتفلة بشم النسيم هذا العام أدخلت «الأسماك المملحة» ذات الرائحة غير الذكية باعتبارها «مشهيات» تسبق الطبق الرئيس. تقول هانيا عبدالجواد (19 عاماً) ضاحكة: «هناك هانيا ما قبل شم النسيم وهانيا أخرى بعد شم النسيم هذا العام. لم أجرؤ على وضع هذه الأسماك في فمي طيلة سنوات عمري، لكن هذا العام وجدت كل أفراد العائلة يأكلون فسيخاً ورنجة فسددت أنفي وأكلت، وليتني ما أكلت. فطعمها فعلاً لذيذ».

وتظل اللذة الحقيقية في إعادة اكتشاف عيد مصري أصيل لا يفرق بين مصري وآخر، أو تتفاوت مكونات موائده من طبقة لأخرى، أو تختلف آثاره الجانبية من عسر هضم أو غثيان أو دوار.