زوكربرغ بين منصات الافتراضي الاحتفائية ومنابر الاستجواب الحقيقية

أمينة خيري |

للحظة امتدت سنوات طويلة، بدت اليد الافتراضية الطويلة لـ «فايسبوك» ممسكة تماماً بالكرة الأرضية، بل بدا العالم بأسره طوع بنان الموقع الأشهر والأضخم في الـ «سوشال ميديا». أين صارت تلك اللحظة؟

الأرجح أن ذلك السؤال راود عيون وعقول جمهور واسع راقب وتابع، بمشاعر مختلفة ومتضاربة أحياناً، تلك المحاكمات المديدة لمارك زوكربرغ، مؤسس «فايسبوك» ورئيسه. في أيام قليلة، تغيّرت صور جرى الظن طويلاً أنها راسخة. ومع تنقل زوكربرغ من منصة الاستجواب في البرلمان البريطاني، إلى منصتين مماثلتين جلس عليهما مضطرباً لعشر ساعات ثقيلة، انهارت صور وردية طويلة عن «فايسبوك».

وفي دنيا العرب الفعلية والافتراضية سويَّة، أنزلت منصات الاستجواب الحقيقية ستارة الختام على أيام كان الكبار يحسدون فيها الصغار (على رغم اللوم والعتب) على تمضيتهم ساعات في كتابة التدوينات على صفحات «فايسبوك»، وأخرى يخصصونها للنقر على زر «الإعجاب» («لايك») والمشاركة («شير»).

وظهر بوضوح ذلك الفارق بين أوقات الماضي السعيد (ربما «الزمن الجميل» في عيون زوكربرغ)، وبين حاضر المحاكمات القاسية. في منصات الزمن الجميل، وقف النابغة الخجول زوكربرغ على منصات عالمية فعليّة متحدثاً عن «فايسبوك» بصفته من أبرز إنجازات القرن 21، والمنصة الرقمية الأبرز في التواصل الاجتماعي. في الحاضر القاسي، مر الزمن تعيساً على ذلك الرجل- الظاهرة وهو يجهد في الدفاع عن نفسه على منصات الاستجواب التي لا تخلو من اتهامات ثقيلة.

وخلال قرابة 15 سنة أعقبت ظهور «فايسبوك»، رأت أعين الجمهور الإلكتروني ومضات كثيرة في مساره، لكنها كانت فائقة التناقض دوماً.

في العام 2004، أسّس طالب في جامعة هارفارد المصنفة في طليعة جامعات العالم، منصة «فايسبوك»، فنجحتْ حيث أخفق آخرون، فكانت ومضة تألق مبهر. هناك ومضة لم يتوقف الجدل في شأنها حدثت في أوطاننا العربية في العام 2011، مع ما بدا كأنه «ربيع» قبل أن تنهار أموره ويفقد دلالته بالنسبة لـ «فايسبوك».

 

نحو صورة أكثر سلبية

بعد شهور قليلة من صعود «فايسبوك» أيقونة للحراك الذي اجتاح العالم العربي في 2011، اتضحت ماهية رياح التغيير، وما كان تألقاً أيقونياً، تبدل إلى كونه مأخذاً ومساحة سلبية، في الصورة العربية عن ذلك الموقع.

وغير بعيد عن أجواء ذلك التبدّل السلبي، وقف زوكربرغ أمام الكونغرس الأميركي لساعات طويلة حبس خلالها العالم أنفاسه مستمعاً لأيقونة الأمس مدافعاً تارة ومعتذراً تارة ومراوغاً دائماً حول ما فعله «فايسبوك» بجمهوره الممتد عبر الكوكب الأزرق. الأرجح أن لا دولة في الأرض أفلتت من التمدد الأسطوري لـ «فايسبوك»، بل عانت من وقوعها في قبضته وإن بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة ومتبدلة. وعلى رغم أنه أمر لم يحدث بين ليلة وضحاها، إلا أن وقوع الولايات المتحدة تحت وطأة اليد الثقيلة لـ «فايسبوك»، جعل العالم بأسره يقف متابعاً، بل متظاهراً بكونه متفاجئاً بالآثار السلبية لتلك الشركة التي يديرها زوكربرغ.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، بدت قبضة «فايسبوك» واضحة تماماً في الدورة الـ17 لـ «منتدى دبي للإعلام- 2018». إذ تضمن عدداً من الجلسات وورش العمل النقاشية التي تأرجح خلالها «فايسبوك» بين حافة الاعتذار وحافة التأكيد على التطمين بأن «كُله تمام».

وجاءت نبرة التطمين واضحة في كلام السيدة نشوى علي، وهي مديرة السياسات العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان في «فايسبوك»، عن ممارسات ذلك الموقع في ما يختص بنشر ومشاركة الأخبار الكاذبة. وبكلمات ربما استغربها بعض الحضور، ذكّرت بأنَّ «فايسبوك» منصة للتواصل الاجتماعي وشركة من شركات التقنية التي لا تنتج محتوى، بل هي منصة ناقلة له. ولم تتردد في القول أن «نشر الأخبار الكاذبة والمفبركة أمر مزعج لكل من المستخدمين والشركة نفسها... و «الميليشيات الإلكترونية» باتت أمراً مقلقاً»، إلا أنها شدَّدت على أن المحتوى الإعلامي ليس مسؤولية المنصة. وعلى رغم ذلك، عمدت نشوى علي إلى القول أن شبكة «فايسبوك» تبذل قصارى الجهد للنهوض بمسؤوليتها تجاه المستخدمين، والتأكد من أنهم يتلقون أخباراً صحيحة، وذلك عبر إجراءات تصحيحية متنوعة. وأثار كلامها نقاشات واسعة.

 

بين «منتدى دبي» ونقاشات الكونغرس

المفارقة أن ذلك الكلام المحمل بأنواع من التطمين الذي سمعه «منتدى دبي للإعلام»، جاء قبل أيام من إجابات زوكربرغ في جلسة استماع تاريخية أمام الكونغرس، التي تأرجح فيها بين الاعتذار والانتظار والإجابات التي تسير في دوائر مفرغة.

وكذلك اعتذر زوكربرغ في شأن تسريب معلومات عن عشرات الملايين من المستخدمين إلى شركة «كامبرديج آناليتكيا». وبكل ذكاء وحنكة، أرضى زوكربرغ ثقافة الغرب التي تُقدِّر مبدأ الاعتذار، بمعنى أنها تقي المعتذر شرور الفضح والشماتة وسوء المنقلب!

وبكل وضوح، قال زوكربرغ: «من الواضح أننا لم نقم بما يكفي لمنع تلك الأدوات (كتلك التي استعملت في الوصول إلى بيانات 50 مليون مستخدم لـ «فايسبوك») من استخدامها للضرر. وينطبق ذلك على ظاهرة الأخبار الكاذبة، والتدخل الإلكتروني في انتخابات الدول، وخطابات الكراهية، إضافة إلى مسائل تتعلق بالبرمجيات والخصوصية والبيانات».

وإذ سعى إلى دغدغة مشاعر كثيرين، أضاف: «لم نقم بمسؤوليتنا بالشكل الكافي، وكان ذلك خطأً كبيراً، وأنا آسف. لقد أسّست موقع «فايسبوك»، وأديره، وأنا مسؤول عمّا يحصل فيه».

مع الاعتذار، جاءت محاولات الانتظار والتسويف في الإجابة مع قليل من المراوغة. إذ تحدث عن قدرة الشبكة العنكبوتية على تتبع نشاط المستخدم بعد خروجه من «فايسبوك»، والوقت المطلوب لمحو بيانات المستخدم بعد إلغاء صفحته على ذلك الموقع، والإجراءات «التصحيحية» الموعودة في شأن الخصوصية، وحجم سيطرة المستخدم على بياناته الشخصية وغيرها.

وبذا، انفتح المجال أمام زوكربرغ للمراوغة عبر التأرجح بين القول أنه ليس على يقين من الإجابة ويتوجب عليه الرجوع إلى زملائه المختصين من جهة، والإكثار من إعطاء إجابات مبهمة من الجهة الثانية.

والأرجح أن سعي زوكربرغ للإيهام بأنه شخصياً كان ضحية عبر الإشارة إلى أن ملفه الشخصي كان ضمن ملايين الملفات التي وصلت إلى «كامبردج آناليتكا»، لم يبهر غالبية مستمعيه. وفيما انخرط في عملية تبييض لسمعته، بينت كلماته أن سيطرة جمهور «فايسبوك» على بياناتهم الشخصية على ذلك الموقع، وقدرتهم على التحكم فيها، تكاد تساوي صفراً.