موسوعة «تراث الإنسان» في 12 مجلّداً

وليد نويهض |

أنجز إبراهيم العريس موسوعته «تراث الإنسان» التي أصدرها مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث في البحرين. وتتألّف من 12 مجلّداً تتناول موضوعات مختلفة تشمل السينما (تاريخها في مئة فيلم)، الأوبرا، الفكر السياسي، الفن التشكيلي، الفلسفة، الموسيقى، الرواية، المسرح، الشعر، الأدب، التراث، والعمران.

الكثير من الكلام يمكن البوح به في شأن هذا الجهد الفردي الذي قام به العريس طوال فترة عمله في صحيفة «الحياة». فالعمل نتاج تراكم معرفة امتدت على أكثر من ربع قرن من الكتابة اليومية، ما أتاح فرصة إعادة إصدار المواد في مجلدات تمّ تصنيفها في موضوعات تدرّجت وُفق منهج زمني ينتهي في الألف الثاني (نهاية القرن العشرين). فالموسوعة «الألفية» تتحدث عن إنجازات الإنسان، وكل مجلّد يحتوي تقريباً 96 عنواناً في 400 صفحة من القطع الكبير يشمل أهم ما صدر من إنجازات وأعمال خلال الألف عام الأخير. وتتضمّن الموسوعة أكثر من 1152 مادة وهي مصنّفة على حقول معرفية (فنية، فلسفية، أدبية، موسيقية، عمرانية، وسينمائية)، جرى ترتيبها لتكون متجانسة في موضوعاتها.

وساهمت عملية الترتيب في توليف معرفة تتدرّج في عناوين مختلفة، ولكنها متتابعة ومتكاملة في ترسيمها المحطات الزمنية التي مرّت بها المعرفة الإنسانية خلال ألف سنة من تراث الإنسان. تحتاج الموسوعة إلى مراجعة شاملة، لكننا سنقتصر على قراءة الجزء الحادي عشر (قبل الأخير) الذي يتناول موضوعات شتى من «التراث» تبدأ من أسطورة «ألف ليلة وليلة» وتنتهي عند كتاب «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» الذي أصدره قبل هزيمة حزيران (يونيو) 1967 للكاتب المغربي عبدالله العروي. فالجزء يعطي فكرة عن الكل في اعتباره يشكّل عيّنة عن مختلف الموضوعات التي احتوتها المجلّدات.

يبدأ الجزء من حكايات شهرزاد للملك شهريار، وينتقل إلى «رسالة الغفران» التي كتبها أبو العلاء المعرّي حين بلغ الستّين من عمره، ثمّ «المقابسات» الذي يضم 106 مقابسة مع مقدّمة وخاتمة كتبَها أبو حيّان التوحيدي وكشف فيها عن خريطة بغداد الفكرية في عصره، ثم كتاب «السياسة المدنية» الذي شرح فيه أبو النصر الفارابي فلسفته السياسية إلى جانب كتابَيه «آراء أهل المدينة الفاضلة» و «الجمع بين رأيَي الحكيمَين»، ثم «السياسة» الذي يوضح فيه ابن سينا رؤيته لكيفيّة تشكّل جمهورية متخيّلة على النمط الأفلاطوني، ثم «المنقذ من الضلال» الذي أوضح فيه أبو حامد الغزالي رحلته الفكرية من الشك إلى اليقين، وهي الرحلة التي أنهت مسيرته الفلسفية بعد أن خاض سجالات عميقة واستثنائية في «مقاصد الفلاسفة» و «تهافت الفلاسفة»، وكيف ردّ عليه ابن رشد لاحقاً في كتابه الشهير «تهافت التهافت».

بعد هذه الجولة يعود العريس إلى موسوعة الجاحظ عن «الحيوان» الذي جمع بين الأسلوب الأدبي وضروب التجريب العلمي، وموسوعة «الأغاني» لأبي فرج الأصفهاني التي احتوت على سجّل تاريخ العرب من خلال الشعر والموسيقى، ثمّ كتاب «المناظر» لابن الهيثم الذي درس فيه نظرية الضوء وانعكاسها على البصر إلى أن تمكن من استخلاص قوانين المناظر الهندسية، ثم ذكريات الطفولة والشباب التي سجّلها ابن حزم في «طوق الحمامة» ليكشف عن عادات وتقاليد أهله في الأندلس، ثم رواية ابن طُفيل الفلسفية التي شرح فيها تطوّر المعرفة الإنسانية من خلال التجربة العمليّة في إطار رمزي حملَ عنوان «حي بن يقظان». جاء عمل ابن طفيل ليكشف مدى التطور الذي وصلت إليه الأندلس، إلى درجة أنها أخذت تنافس الحضارة الإسلامية في المشرق، وهذا ما تجلى في موسوعة «العقد الفريد» لابن عبد ربّه التي تكاد تغطي معظم معارف الإنسان في تلك العصور.

يتوقف العريس قليلاً ليعود إلى بغداد ويتحدث عن «فهرست» ابن النديم الذي تجاوز فيه مهمّة الإحصاء والتصنيف ليسهب ويحلّل ويؤرّخ لطبيعة الكثير من المدارس الفكرية التي كانت تتصارع في عصره. فهذا الغنى الذي كشف ابن النديم خيوطه العنكبوتية هو مجرد امتداد لعالم تقدّمت به النهضة حتى ارتفعت إلى مستوى «منطق الطير» لفريد الدين العطار، وهو منطق عرفاني- صوفي يكشف خفايا رؤية ترى العالم من أعلى إلى أدنى كما جاء في «رسالة الطير» لكل من ابن سينا والغزالي.

ومن «منطق الطير» الأدبية ينتقل العريس إلى «عجائب المخلوقات» للقزويني الذي جمع بين الطابع العلمي والثقافي في موسوعته، و «تحقيق ما للهند من مقولة» للبيروني حين زارها مرافقاً السلطان محمد الغزنوي في غزواته فتعلّم لغتها ودرس عاداتها وتقاليدها ونقل ما شاهده واختبره ليجري بعدها تلك المقارنة بين ثقافتَين. وهذا ما حاول ابن بطوطة في رحلاته العجائبية (29 سنة) من طنجة إلى السند والهند والصين وغيرها من أمم أن يشير إليه حين سجّل ذكرياته ورأيه في ثقافات الشعوب، وهو ليس بالضرورة صحيحاً لكنه على الأقل ساهم من حيث لا يدري في تأسيس منهج في حقل المقارنات. وكما كانت حال ابن بطوطة في جولاته التسع جاء كتاب رشيد الدين طبيب ليرسم خريطة تاريخ المغول حين رافقهم في غزواتهم المضادة لتدمير حضارة المسلمين في بغداد وهي الجريمة الكبرى التي لم يأتِ على ذكرها في «جامع التواريخ».

بعدها ينتقل العريس إلى كتب التراث التي تحدثت عن دساتير الدولة وقوانينها وأنظمتها وعلاقة الحاكم برعيّته كما هي حال «الأحكام السلطانية» للماوردي، ثم «رباعيات» عمر الخيام التي ترصد حالات القلق شعراً وفلسفة بين هاجس الشك وهاجس التوبة وطلب المغفرة، وصولاً إلى رحلة عبد اللطيف البغدادي إلى مصر ووصفه الأهرامات والنيل وكارثة القحط. فالمجلد شامل يحتوي على الكثير من عناوين مقالات تأتي على ذكر التاريخ، كما تجلى في أعمال تقي الدين المقريزي الذي حاول تطبيق نظرية «العمران» الخلدونية في كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمّة»، أو حقل الطب الذي برع في تطويره ابن النفيس حين اكتشف الدورة الدموية في كتابه «شرح التشريح»، أو في مجال الموسوعات الجغرافية- البشرية الذي ارتقى إلى قمّة البحث والتنقيب في «معجم البلدان» لياقوت الحموي، لتأتي بعده رحلة ليون الأفريقي إلى الفاتيكان وذكرياته وانطباعاته عن ثقافة الآخر في كتابه «وصف أفريقيا» وهو عمل يحاكي رحلة «ابن فضلان» المبكرة إلى بلاد الروس والاسكندناف.

كانت الأمور تسير جنباً إلى جنب في تلك الفترة المزدهرة، لذلك جاءت الكتابات في تلك المرحلة تشمل مختلف النواحي من رسوم الواسطي إلى مقامات الحريري، إلى مقامات الهمذاني، وصورة الأرض (المسالك والممالك) الجغرافية لابن حوقل، ورحلة ابن جبير من الأندلس إلى مكة، وتاريخ المسعودي (مروج الذهب) عن الإسلام والحضارات التي سبقته، ورسائل «إخوان الصفا» وهي أشبه بخليط فكري يجمع التعارضات من مختلف المدارس الفلسفية والمذاهب والفِرق الإسلامية، وكتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ الذي يحكي عن تاريخ غزوات الفرنجة وحال القدس في أيامه.

لا يكتفي العريس بسرد الوقائع وإنما يقرأ التطورات السياسية والمحطات الفكرية بناء على منهجية معرفية تحاول قدر الإمكان ربط حلقات السلسلة في سياقات تأخذ في الاعتبار التحولات والانتكاسات التي كانت تطرأ على العالم الإسلامي. وبحكم امتداد الحقبات واتساع المساحات الجغرافية اهتم العريس بأدب الرحلات ووصف البلدان التي وردت في كتابات المسعودي والحموي وابن حوقل وابن بطوطة والإدريسي، وأيضاً المقدسي (أحمد بن محمد) الذي كتب «أحسن التقاسيم» بعد أن تجوّل في البلدان والتقى العلماء ووصف الدول وسلطاتها وحروبها واهتم بالتفاصيل الصغيرة في حياة الشعوب مازجاً بين الجغرافي والتاريخي والاجتماعي.

بعد المقدسي ينتقل إلى ابن خلدون ومقدمته التي أسّس فيها قواعد علم العمران وعلم التاريخ واهتم بتحليل الظواهر الاجتماعية في مرحلة انهيار من حياته «وكأنه يريد أن يشبّه صعوده وانهياره بصعود الأمم وانهيارها». (ص 192)، وهذا ما ظهر في «التعريف» الذي يعتبر فريداً من نوعه في مجال كتابة السيرة، لأنه يجعلنا نقف على أحداث الزمن الذي عاش فيه وارتباطها بطموحاته الشخصية واتصاله بتيمورلنك في فترة حصاره دمشق.

وينتقل العريس إلى عصر آخر لكون صاحب «المقدمة» يشكّل زمنيّاً ذاك الفاصل بين محطة الازدهار ومحطة بدء التراجع والانهيار، وصولاً إلى غزوة نابليون بونابرت واقتحام قواته جامع الأزهر في القاهرة. آنذاك شاهد الجبرتي التحولات وكتب عنها في «عجائب الآثار» بمنهج هادئ وموضوعي. فالجبرتي الذي تتلمذ وأشرف على تربيته صاحب الموسوعة اللغوية «تاج العروس» المؤرخ محمد مرتضى الزبيدي سجّل وقائع عصره بطريقة محايدة أثارت لاحقاً غضب محمد علي حين رفض أن يكتب عنه، فعاقبه وأمَرَ بمصادرة كتبه ومنع تداولها إلى أن رفع عنها الحظر لاحقاً الخديوي توفيق. آنذاك اختلفت الظروف ولم يعد العالم الإسلامي كما كان في مرحلة الازدهار، إذ بات يشهد نموّ نخبة تطالب بالأخذ من الفرنجة والاستفادة من تجاربهم وعلومهم لإعادة إحياء الأمة كما ظهر الأمر في كتابَي «تلخيص الابريز» و «المرشد الأمين للبنات والبنين» للطهطاوي، و «الخطط التوفيقية» لعلي مبارك الذي جمع فيه بين التاريخ والجغرافيا والدعوة إلى نهضة مصر على غرار ما حاول فعله سابقاً خير الدين التونسي في كتابه «أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك».

عند هذا الحد الفاصل ينتقل العريس إلى الضفة المعاصرة من التاريخ الحديث فيأتي على ذكر «مذكرات أحمد عرابي» وثورته في عام 1881- 1882، وصحيفة «العروة الوثقى» ومجلة «المنار»، و «خطط الشام» لمحمد كردعلي، والمراسلة بين تولستوي ومحمد عبده، و «تاريخ الإسلام» لجرجي زيدان، و «الدين والعلم والمال» لفرح أنطون، و «موليير مصر» ليعقوب صنوع، و «القضية المصرية» للمنفلوطي، و «أم القرى» للكواكبي، و«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، و «العبقريات» للعقاد، و «على هامش السيرة» و «مستقبل الثقافة في مصر» و «تجديد ذكرى أبي العلاء» لطه حسين، و «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام» و «ظهر الإسلام» و «حياتي» لأحمد أمين، و «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للطاهر الحداد، وأمين الريحاني في «قلب العراق»، وجبران خليل جبران في كتاب «النبي»، وكتاب ميخائيل نعيمة عن «جبران خليل جبران»، و «يقظة الأمة العربية» لنجيب العازوري، و«قصة حياتي» لأحمد لطفي السيّد، و «الحديث ذو شجون» لزكي مبارك، و «عودة الروح» و «شهرزاد» و «أهل الكهف» لتوفيق الحكيم، و «الوعي القومي» لقسطنطين زريق، و «الأطلال» لإبراهيم ناجي، و«نداء المجهول» لمحمود تيمور، و «إعادة بناء الفكر الديني» لمحمد إقبال، و «الفكر العربي في عصر النهضة» لألبرت حوراني، و «شخصية مصر» لجمال حمدان، و «زينب» لمحمد حسين هيكل، و «صح النوم» ليحيى حقّي، و «أخي إبراهيم» لفدوى طوقان، و «رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ» لنجيب سرور. سيرة كتب تُعتبر مجرد عناوين كبرى كانت شاهدة على حضارة مرّت في أطيافها حالات من الصعود والهبوط وأخيراً محاولات للنهوض.

 

 

* كاتب لبناني