لسبب ما، في خضمّ كتاباته العديدة والتي تنوعت تنوّع حياته، خصّ أنطوني بيرجس ماليزيا بالعديد من النصوص التاي تعتبر أهمها تلك الثلاثية الروائية المعروفة باسم «الثلاثية الماليزية». ناهيك بأنه كتب أيضاً على هامش ذلك العمل الروائي اللافت، عدة...

«دفاتر السفر» لبيرجس: هكذا تغيّرت ماليزيا

ابراهيم العريس |

لسبب ما، في خضمّ كتاباته العديدة والتي تنوعت تنوّع حياته، خصّ أنطوني بيرجس ماليزيا بالعديد من النصوص التاي تعتبر أهمها تلك الثلاثية الروائية المعروفة باسم «الثلاثية الماليزية». ناهيك بأنه كتب أيضاً على هامش ذلك العمل الروائي اللافت، عدة نصوص في أدب الرحلات وفي مجال اليوميات من المؤكد أنها ساهمت في تعريف العالم الآنغلوفوني على ذلك البلد الآسيوي الذي كان شبه مجهول في ذلك الحين. ويعترف بيرجس بأنه لئن كان قد عاش وتنقل بين عدد كبير من البلدان في حياته مرات ككاتب ولكن مرات أخرى كـ «موظف» يعمل لحساب وزارة الخارجية البريطانية، فإن ذكرياته وتنقلاته الماليزية تبقى الأجمل والأغنى بالنسبة إليه. وهو كان يبتسم إذ يذكر هذا الأمر، ويقول: «هذا رغم اضطراري الادعاء باعتناقي الإسلام وهو دين أجلّه كثيراً على أية حال ويبقى عبئاً على ضميري أنني اضطررت للكذب على معارفي من معتنقيه لـ «ضرورات مهنية»...».

> والحقيقة أن بيرجس عاد عند بدايات سنوات الثمانين إلى ماليزيا بعد سنوات طويلة من مبارحته إياها هو الذي عرف فيها باسم الشيخ عبدالله، ليرصد ما الذي تغيّر في تلك المنطقة من العالم التي عرفها جيدا أيام الاستعمار البريطاني لها. ولئن كان قد خيّم على نصه الجديد والذي استعاد فيه ذكريات شبابه، نوع من حنين غامض إلى الحقبة الاستعمارية، فإنه لم يتورع في صفحات عديدة من التهكم على تلك الحقبة الاستعمارية، والسخرية من اليقينات التي كان هو، وغيره من الإنكليز، يحملونها حول مسألة التحضّر و?«تخليص البلدان الهمجية من توحشّها لإدخالها العصور الحديثة ولو بالخداع... ولو أيضاً بالقوة».

> وفي هذا السياق يفتتح بيرجس نصّه الجديد بالقول: لقد عشت في الاتحاد الماليزي القديم من العام 1954 إلى 1959 ثم عدت إليه في العام 1980 وتمكنت من ملاحظة أن الأمور تبدلت كثيراً. فماليزيا الجديدة كل الجدة والتي ولدت في العام 1963، تحررت كلياً من الوصاية البريطانية، لكن الأعراق المختلفة التي تشكل شعبها- الماليزي والصيني والهندي-، لا تعيش في تفاهم تام، ما يدفعها بالطبع للحديث عن «مخلفات الاستعمار». غير أن العناصر الجديدة في نظري كانت وفرة المرابع الليلية واندفاعة الإلكترونيات، ووجود جماعات من المسلمين الأصوليين الذين يحركهم عدد من آيات الله.

> ويرى بيرجس أن من الصعب العثور على ماليزيا الحقيقية، ماليزيا العميقة، أي ماليزيا الماليزيين، في المدن... «بل عليك أن تذهب إلى ماليزيا الأرياف لكي تكتشف حقيقة هذا الشعب الودود الكاره للعراك، والذي يحذر المدينة وفسادها ويشعر بالراحة في دياره الخاصة. حيث يغوص في سعادة صنعت من زراعة الأرزّ وصيد السمك وزراعة الموز وجني التوابل ولعب الشطرنج وقرض الشعر والغناء والرقص التقليديين(...)». لكن بيرجس يستطرد هنا قائلاً أن ما يذكره إنما ينطبق فقط على الجيل القديم الذي يتميز بـ «لطفه الغامر وصوته السري العميق الغامض وكرم ضيافته وعلوّ أخلاقه. ولكن ثمة الآن في ماليزيا كما في أي مكان في العالم، جيل أجدّ استطاب مذاق المسرات الاستهلاكية، فشعر أن المدينة تجذبه إليها». بالنسبة إلى بيرجس «تغيرت ماليزيا كثيراً، لكن ماليزيا التي عرفتها لا تزال موجودة في كل مكان، وأحياناً كما عرفتها بالضبط، وعلى الأقل في المدينتين الكبيرتين كوالا كانغسار في البيراك وكوتا بارو في كيلانطان».

> وفي عودة منا إلى أنطوني بيرجس نفسه لا بد من التذكير بأن من بين الأفلام السينمائية التي جرى التعارف على اعتبارها من أهم ما حققه فن السينما في تاريخه، يرد دائماً اسم فيلم «البرتقال الآلي» للمخرج الأميركي ستانلي كوبريك، وهو الفيلم الذي «انفجر» كالقنبلة في وجه العالم أوائل سنوات السبعين ليتحدث، في شكل مسبق عن العنف والآلة والتدجين القسري وطاغوت اللغة، في عالم نهايات القرن العشرين. كان فيلماً قاسياً «البرتقال الآلي» ومذهلا في كشفه للإنسان المعاصر عن عريه أمام ذاته. ولئن كان ذلك الفيلم الذي لا تزال له جدته وقسوته حتى الآن، قد أعاد إلى الواجهة اسم ستانلي كوبريك مؤكداً على كونه واحداً من كبار مبدعي فن السينما في زمننا هذا، فإنه- أي الفيلم- وضع في الواجهة، كذلك، اسم ذلك المبدع الآخر البريطاني أنطوني بيرجس مؤلف الرواية التي اقتبس الفيلم عنها.

> صحيح أن بيرجس لم يكن يومها جديداً على عالم الكتابة، لكنه لم يكن قد بلغ من الشهرة ما يخرج به عن نطاق اهتمام قارئي الإنكليزية. وهكذا خرج مع فيلم كوبريك إلى فضاء العالمية وراحت روايته، ثم كتبه الأخرى، تترجم إلى شتى اللغات، ثم اكتشف العالم، أن حكاية مدرس الموسيقى الذي يغتصب الشبان العنيفون زوجته أمامه في الفيلم على أنغام السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، هي مع بعض التحوير حكاية الكاتب نفسه. وهكذا راح الاهتمام به يتزايد ليكتشف القراء أن مأساته لا تقف عند ذلك الحد، بل تتجاوزه بكثير، وأن خلف كتابته العنيفة لا توجد قصة اغتصاب امرأته وحدها، بل خاصة قصة «موته». إذ في العام 1960 قرر الأطباء أن أنطوني بيرجس مصاب بالسرطان وأنه سيموت بعد عام. وانطلاقاً من ذلك القرار المميت عكف بيرجس على الكتابة يطفئ فيها مخاوفه ويقاوم بها الموت المقبل. لكن العام صار عامين ثم خمسة ثم تكررت السنوات. وكانت النتيجة أن عاش بعد إعلان موته المحتم ثلث قرن، لأنه في الواقع لم يرحل عن عالمنا إلا في العام 1993.

> ولكن لئن كان بيرجس قد أفلت من الموت فإنه لم يفلت من هاجس الموت، الموت الذي ظل يطارده وظل يكتب في ظله، الموت الذي كانت روايته «البرتقال الآلي» التي كتبها في 1962 باكورة تصديه له، لكنها لم تكن باكورة كتابته. فبيرجس الذي ولد في 1917 انتظر أواسط سنوات الخمسين حتى يشق لنفسه طريقاً في عالم الأدب، هو الذي حكمت حياته وتوجهاته منذ البداية أحاسيسه باللاإنتماء، حيث نعرف أنه ولد في مانشستر من أسرة كاثوليكية وسط بحر من العوالم البروتستانتية. وكان يتطلع منذ بداية صباه لأن يصبح موسيقياً، ولئن كان قد فشل لاحقاً في أن يكون موسيقياً كبيراً، فإن الموسيقى لم تغب عن عمله، حيث نجد بيتهوفن يتجاور لديه مع فاغنر وهايدن مع موزار، وحيث صاغ معظم كتبه صياغة تدين للموسيقى بالكثير، ولا ننسين هنا أن مشهد الاغتصاب في «البرتقال الآلي» يدور كله على خلفية سيمفونية بيتهوفن.

> مهما يكن فإن توجه بيرجس الحقيقي كان، منذ الخمسينات توجهاً أدبياً، حيث كتب أولاً، وهو يعمل كمدرس في المدارس الاستعمارية الإنكليزية في بورنيو وماليزيا، تلك الروايات الثلاث التي شكلت ما سمي بـ «الثلاثية الماليزية» (1956- 1959) وهي الثلاثية التي كتبها خلال عمله مع دوائر المخابرات البريطانية، عملاً قاده لادعاء اعتناق الإسلام في ماليزيا لفترة سمي خلالها بـ «الحاج عبدالله»، كما أشرنا. بيد أن «الثلاثية الماليزية» لم تُكتشف حقاً وتُقرأ على نطاق واسع إلا اعتباراً من العام 1972 يوم بلغت شهرة بيرجس آفاقها. وهو لئن كان قد كشف في «البرتقال الآلي» عن كل العنف الذي كان يتآكله، فإن تلك الرواية أتت، بعد كل شيء، أشبه بتعويذة، لأنه هدأ بعدها وراح يتأمل موته المقبل في شكل بطيء، ولقد قاده ذلك التأمل إلى الاهتمام بشخصيتين لم تبرحا ذهنه: السيد المسيح، ونابوليون بونابرت، فهو كان يراهما معا رمزين للبشرية جمعاء، وكل منهما في اتجاه. وهو بالفعل وضع عن كل منهما عملاً أدبياً كبيراً، ومن المعروف أن عمله عن «يسوع الناصري» قد نقل إلى مسلسل تلفزيوني شهير حققه الإيطالي فرانكو زيفريللي، أما عمله عن «سيمفونية نابوليون» فيشكل محور الحلم الذي يداعب مخيلة المخرج ستانلي كوبريك وفحواه فيلم استثنائي عن الأمبراطور الفرنسي. فيلم ينطلق (والموسيقى دائماً وأبداً) من الموسيقى التي وضعها بيتهوفن عن نابوليون.

> لقد حقق أنطوني بيرجس طوال سنوات موته الطويل كل أحلامه الكتابية، وكذلك تمكن من تحقيق بعض طموحاته الموسيقية، وهو لم يتوقف عن الكتابة حتى شهور حياته الأخيرة، وكان من أبرز كتبه الأخيرة «عازف البيانو» و «آخر أخبار العالم» وسيرة لشكسبير وكتاب نقد لأعمال جويس وسيناريوات عديدة أخرى. غير أن الحلم الذي داعب خياله طويلاً ولم يتمكن أبداً من تحقيقه كان تلك الأوبرا التي أراد كتابتها وتلحينها حول حياة فرويد وأعماله والتي لم يقيّض له أن ينجزها أبداً.