قبل سنوات عرض في إحدى دورات مهرجان كان السينمائي فيلم فرنسي أثار الكثير من التعليق، وبدءاً من تلك العبارة التي حملها ملصقه والتي جاء فيها: «الإرهابي بالنسبة إليك قد يكون بطلاً بالنسبة إلى غيرك». والحال أن هذه العبارة جاءت يومها صادمة...

«حكاية ميخائيل كولهاس» لفون كليست: سلاح المظلوم

ابراهيم العريس |

قبل سنوات عرض في إحدى دورات مهرجان كان السينمائي فيلم فرنسي أثار الكثير من التعليق، وبدءاً من تلك العبارة التي حملها ملصقه والتي جاء فيها: «الإرهابي بالنسبة إليك قد يكون بطلاً بالنسبة إلى غيرك». والحال أن هذه العبارة جاءت يومها صادمة لكثير من العقول التي كانت قد استسلمت أمام «ميتافيزيقية» الإرهاب معتبرة إياه آتياً من اللامكان متجاهلة تماماً أن له أسبابه ومسبباته كما حال أي أمر في هذا العالم.

إذاً جاء ذلك الفيلم الذي أراد أن يوثّق لحياة ونشاط المحامي الفرنسي جاك فرجيس المعروف بدفاعه في المحاكم وعلى أعمدة الصحف، عن الذين «لا يُدافَع عنهم» من مرتكبي الجرائم الإرهابية، على الضد من الرأي السائد الذي يقول إن الإرهاب والتطرف دائماً مجانيان، ويجب أن يكون الحكم مبرماً ضدهما. والحقيقة أن ما أتى به فرجيس لم يكن جديداً، وحسب المرء أن يقلب في بعض أمهات الإبداعات الفنية والأدبية الأوروبية تحديداً ليعثر على مواقف وفتاوى قد تفوق ما يأتي به فرجيس من «تبرير» للتطرف والإرهاب. ولنأخذ هنا مثلاً لنا نصاً أدبياً لواحد من أساطين المسرح والأدب الألمان، فون كليست الذي لا بأس أن نذكر أن دورة تالية للمهرجان السينمائي الفرنسي نفسه، عرضت فيلماً روائياً مقتبساً عن نصّه ذاك، لكنه، ويا للغرابة، لم يثر أي سجال مع أنه لم يقل أقل مما قاله فرجيس في «تبرير» الإرهاب!

> إذاً يتعلق الأمر بالنسبة إلينا هنا بالرواية التي اقتبس عنها هذا الفيلم الأخير وبالعنوان نفسه، «ميخائيل كولهاس». فلئن كان كثر من الأوروبيين، الشماليين خصوصاً، يعرفون هذه الرواية، بل إن كثراً منهم يدرسونها منذ الصفوف الابتدائية، فإنها تبدو غير ذات شهرة كبيرة في أنحاء أخرى من العالم، حتى وإن كان مؤلف الرواية معروفاً في العالم بصفته واحداً من الأسماء المرموقة في الآداب الكلاسيكية الأوروبية: هينريش فون كليست. أما السؤال هنا والذي لا شك سيطرحه كثر على أنفسهم لمناسبة استعادة السينما الفرنسية نصَّ «ميكائيل كولهاس» فسؤال مشروع... ناهيك بأنه يشكل، تزامناً مع الفيلم، مناسبة للعودة إلى هذه الرواية وكاتبها، وربما لتحري الأسباب التي تجعل من نصّ فون كليست نصّاً تكتشفه السينما وتكتشف راهنيته ما يشكّل جواباً ما على السؤال الذي يمكن طرحه.

> «في ثلاث صفحات فقط من قصته القصيرة «متسولة لوكانو» حكى فون كليست حكاية كان كاتب مواطن له هو هوفمان، مثلاً، في حاجة إلى مئتي صفحة ليحكيها». هذه العبارة التي تناول بها ناقد من القرن العشرين، أسلوب فون كليست في الكتابة، يمكن اعتبارها أفضل وصف لأسلوب هذا الكاتب ودقة تعابيره، وحسّ الاختزال العالي لديه، أكثر من اعتبارها مجرد مدح له. والحال أن معظم الذين كتبوا عن فون كليست توقفوا عند ذينك الاختصار والدقة لديه، وربطوهما، غالباً، بكونه متحدراً من أسرة عسكرية، ما يعني نزعة الدقة واختيار الدروب الأسهل والأقصر التي ميّزت العسكريين دائماً، لا سيما في بروسيا، التي ينتمي فون كليست إليها. ومع هذا لا بد من أن نلاحظ أن فون كليست، سليل أسرة العسكريين، لم ينجح أبداً في حياة عسكرية أُلحق بها باكراً وأوصلته إلى رتبة ملازم. فترك الجندية ليتحول إلى الكتابة حيث حقق نجاحاً هائلاً، وحيث لم يفت واحداً من كاتبي سيرته أن يذكر كيف أن معظم كتاباته كان يبدو دقيقاً دقة التقارير العسكرية.

> لكن هذا لم يكن الميزة الوحيدة التي تميز أدب فون كليست. فالميزة الحقيقية التي يمكننا أن نقول هنا إنها تميّز أدبه، أعمق من هذا بكثير: كان صاحب العمل الذي نحن في صدده هنا، كاتباً انتفض ضد الظلم، منتصراً للعدالة والبراءة في كتاباته. وهذا كان لديه وفي جميع كتاباته أمراً يعبر عنه في أسلوب وسياق علنيين واضحين. غير أنه ومن طرف خفي- من ناحية أخرى- فإن كليست تعمّد في الكثير من كتاباته أن يعبّر عن تمسكه بالمبادئ والقيم التي أرساها مؤسس البروتستانتية مارتن لوثر. ولئن كان ثمة من بين أعمال فون كليست عمل يجمع بكل وضوح هذه العناصر كلها، فإن هذا العمل هو روايته القصيرة «ميخائيل كولهاس» التي تعتبر في وطنه، الأكثر شهرة بين أعماله إلى جانب «أمير هامبورغ» و «الجرة المكسورة». وإضافة إلى هذا فإن قصة «ميخائيل كولهاس» وهي أهم نص غير مسرحي كتبه خلال حياته القصيرة، إضافة إلى أنها كانت من آخر ما كتب فون كليست من نصوص قبل انتحاره في عام 1811 عن عمر لا يزيد على 34 سنة، فهي كتبت ونشرت في عام 1810.

> في شكلها الخارجي تبدو «ميخائيل كولهاس» رواية مغامرات. ولا بد أن نذكر هنا أن جورج لوكاتش، الناقد المجري الكبير صاحب كتاب «الرواية التاريخية»، تحدّث كثيراً في هذا الكتاب كما في دراسات كثيرة أخرى له عن هذه الرواية بصفتها نموذجاً للرواية التاريخية. غير أن هذا لا يمنع من اعتبارها، وفي الدرجة الأولى، رواية سياسية. وهو أمر سنتلمسه في السطور التالية ويشكل بالتأكيد لبّ راهنية الرواية وعودتها «الحتمية» إلى الواجهة اليوم من خلال الفن السابع...

> بطل الرواية ميخائيل كولهاس، هو في الأصل بورجوازي مزدهر ومتنور يمتلك مزرعة للخيول ويعيش حياة مطمئنة وادعة. ولكن، ذات يوم يحدث أن الإقطاعي الحاكم في إقليم ساكس وهو في الوقت ذاته ناخب من ناخبي الإمبراطور، يسمح لواحد من رجاله بأن يسرق حصانين مميزين من أحصنة كولهاس ويؤذي حارسهما في شكل صارخ. فتكون النتيجة أن يغضب ميخائيل غضباً شديداً، لكنه يؤثر أول الأمر أن يكتفي بأن يشكو ما حدث أمام المحاكم الساكسونية، لعل العدالة تعيد إليه الحصانين وتقتصّ من الجاني. لكن المحكمة ترفض دعواه تحت ضغط حاكم الإقليم. فيسعى ميخائيل مسعى آخر: إنه يرسل زوجته لتشكو الأمر أمام أمير براندنبورغ. لكن حراس هذا الأخير يعاملونها في شكل سيّئ وباحتقار، ما يقتلها ما إن تعود إلى زوجها راوية ما حدث. هنا، يقرر ميخائيل أنه سيحقق العدالة بيده طالما أن السلطات ظالمة.

> هكذا، يشكل صاحبنا عصابة من مناصريه. وإذ يصبح على رأس تلك العصابة يبدأ بالتحول من رجل يريد الانتقام لزوجته والحصول على حصانيه، إلى زعيم يسعى إلى محاربة القهر ونشر العدالة. هكذا، يتحول الخاص إلى عام، وينشر ميخائيل ورجاله العنف والحرائق في بيوت أعدائه في المنطقة... ولكن، من دون أن يظلم بريئاً... وهو أمر سنتبينه بوضوح من خلال مشهد رائع يزور خلاله ميخائيل المصلح الديني البروتستانتي مارتن لوثر في مقره، حيث يدور حوار بين الاثنين حول العدالة والقيم، ما يعطي الرواية أبعاداً جديدة... سياسية خالصة هذه المرة، إذ إن لوثر كان في ذلك الحين يخوض معركته الإصلاحية ضد الكنيسة الرومانية وضد الحكّام في آن واحد. والحال أن هذا المشهد يكشف بروتستانتية ميخائيل كولهاس وبروتستانتية كليست بالتالي، ويحوّل الرواية إلى بحث فائق الجاذبية والجمال والقوة، حول الأخلاق والعدالة، ثم بخاصة حول التنابذ والترابط- وفق وجهة النظر- بين العدالة والعنف، موضحاً موقف البطل الذي حوّله الظلم من طالب عدالة مسالم، إلى ثائر عنيف.

> ومن الواضح أن هذا البعد في الرواية هو البعد الأهمّ، بالنسبة إلى دارسي أعمال كليست وحياته، خصوصاً أن السؤال الأساس الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: إذا كان ميخائيل ثار لأسباب شخصية، لماذا وكيف تراه تمكّن من استقطاب المئات من حوله فشاركوه ثورته مضحّين بوقتهم وحياتهم الهادئة؟ من هم هؤلاء؟ إنهم في رأي كليست «الرعاع الذين حررتهم معاهدة السلام مع بولندا- في ذلك الحين- من خوفهم». لكن هذا الجواب لا يبدو واضحاً أو مقنعاً، إذ علينا ألا ننسى هنا أن أحداث الرواية تدور في القرن الخامس عشر حين كانت ألمانيا تعيش ثورات اجتماعية ودينية لا تهدأ. وكان فكر مارتن لوثر يشق طريقه الإصلاحية الثائرة.

> ونعرف على أية حال أن هنريش فون كليست (1777-1811) وضع معظم أعماله، القصصية والمسرحية في خدمة فكرة العدالة والثورة على الظلم، هو الذي كتب خلال حياة قصيرة عدداً لا بأس به من مسرحيات لا يزال معظمها حياً ويمثل حتى اليوم، ومنها: «أمير هامبورغ» و «الجرة المكسورة»، إضافة إلى قصص مثل «مركيزة أو.» أو «كاترين».