قد تصبح قضية فلسطين ذات يوم «أم القضايا» في مجال إلحاق الهزيمة بالنفس، نتيجة انزلاق القوى والفصائل الفلسطينية إلى صراعات أصبح «انتصار» كل منها على الآخر فيها، لفظياً أو ميدانياً، هدفاً لا يرى غيره.الأحداث المتعلقة بالصراعات والمناكفات...

هل يُسدل الستار على قضية فلسطين؟

وحيد_عبد_المجيد |

قد تصبح قضية فلسطين ذات يوم «أم القضايا» في مجال إلحاق الهزيمة بالنفس، نتيجة انزلاق القوى والفصائل الفلسطينية إلى صراعات أصبح «انتصار» كل منها على الآخر فيها، لفظياً أو ميدانياً، هدفاً لا يرى غيره.

الأحداث المتعلقة بالصراعات والمناكفات بين هذه الفصائل تفوق وقائع نضالها من أجل قضية فلسطين. لم تتوقف هذه الصراعات منذ ما قبل النكبة. ظل خطها البياني في صعود على مدى عقود فقدت خلالها القضية معظم أوراقها. ويزداد الآن انغماس أكبرها (فتح وحماس) في صراع متصاعد كانت محاولة اغتيال رئيس «الحكومة» الفلسطينية رامي الحمدالله في غزة، وطريقة تعاطي الطرفين معها، آخر مؤشر حتى الآن إلى أنه صار صراعاً صفرياً، أو كاد.

حال انفصام مدهشة. اتفاق كامل تقريباً على أن القضية الفلسطينية مهددة بـ «تصفية» نهائية تُسدل الستار عليها، وانغماس تام تقريباً في صراعات تُفاقم هذا التهديد بمقدار ما تُقوّض ما بقي من مقومات للصمود ظهر آخرها في مسيرات ذكرى «يوم الأرض» أخيراً.

ولا يثير استغراباً، والحال هكذا، أن تصبح دعوة المجلس الوطني الفلسطيني، المرفوع من الخدمة منذ دورته الأخيرة في 1996، إلى اجتماع في نهاية الشهر الجاري موضوعاً جديداً للصراع، في وقت تشتد حاجة المتصارعين إلى أي إطار للحوار حول كيفية التعاطي مع خطة سلام أميركية متوقعة تثير مخاوفهم.

لم تتبين ملامح هذه الخطة بعد. ولكن يمكن استنتاج بعضها من واقع سياسة إدارة الرئيس ترامب تجاه قضيتي القدس واللاجئين. أما اتجاهها العام فقد يمكن فهمه في ضوء توجهات من يُعدونها في دهاليز البيت الأبيض بعيداً عن مؤسسات صنع السياسة الخارجية.

كانت هناك أربع قضايا أساسية معلقة أُطلق عليها قضايا التسوية النهائية. قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس يشي بمآل إحداها. وحديث ترامب عن عدم وجود ضرورة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، وقراره تقليص الدعم الأميركي السنوي لها، يدلان على اتجاه سلبي تجاه الثانية. وربما تُشجع مؤشرات يُعتد بها عن انخفاض أعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتضاؤل عدد من بقي من نظرائهم في سورية، أصحاب الخطة على المضي في هذا الاتجاه.

وإذا صحت هذه المؤشرات، تصبح كتلة اللاجئين الفلسطينيين الكبيرة الوحيدة الباقية هي الموجودة في الأردن، الأمر الذي قد يشجع معدي خطة السلام المنتظرة على السعي إلى توطين بعضهم وتوزيع بعض آخر منهم على عدد من الدول الأوروبية والعربية.

وفي هذه الحال، تبقى قضيتا الحدود والمستوطنات، وهما متداخلتان. والمتوقع أن يتعامل معهما معدو الخطة بطريقة لا تختلف كثيراً عن تلك التي يُرجح اعتمادها في شأن قضيتي القدس واللاجئين. وقد يعني هذا عملياً ضم الكتل الاستيطانية الكبرى ومنطقة غور الأردن إلى إسرائيل، في مقابل اعترافها بدولة فلسطينية ذات «سيادة»، ولكنها منزوعة السلاح وغير متواصلة جغرافياً ليس بين الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، بل بين أجزاء الضفة أيضاً حيث تقطع الكتل الاستيطانية تواصلها، على نحو يجعلها قريبة الشبه من جلد النمر.

وقد لا يكون سهلاً تمرير خطة هذه ملامحها على رغم أن صراعات الفصائل وأطماعها أضعفت قدرة الفلسطينيين على الصمود، ولم تترك لهم هامشاً يُعتد به للمناورة بعد أن أضاعوا فرصاً عدة حين رفضوا مشاريع للسلام يبدو بعضها اليوم حلماً بعيد المنال، مثل المشروع الذي طرحته إدارة بيل كلينتون في نهاية تسعينات القرن الماضي. ربما يمتنع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن توقيع اتفاق على مثل تلك الخطة. وقد لا يبقى في منصبه إلى أن تُطرح إذا فضل أن يهرب، وينقل القيادة إلى آخر، أو ثلاثة آخرين، في اجتماع المجلس الوطني أو بُعيده، في حال عقده.

غير أن السؤال عن قدرة الفلسطينيين على الصمود يظل مثاراً، في ظل ضغوط ستكون غير مسبوقة في حدتها، كما في عدم أخلاقيتها، بعد أن باتت أوضاعهم شديدة الهشاشة. يعيش معظم الفلسطينيين على مساعدات خارجية. بعضها يحصلون عليه عن طريق «الأونروا»، وأكثرها يُقدم إلى السلطة في رام الله. وقف المساعدات الأميركية سيمثل ضغطاً قوياً عليهم.

سيجد الفلسطينيون تعاطفاً واسعاً في العالم. ولكنه سيظل كله، أو أكثره، لفظياً لا يُغني من جوع. ولنا في نتيجة مؤتمر الدول المانحة الذي عُقد في روما في 15 آذار (مارس) الماضي مؤشر لا تخفى دلالته. لم تتعهد الدول التي حضرته سوى بدفع مئة مليون دولار، أي أقل من ثلث المبلغ الذي أوقفته إدارة ترامب، وأقل من ربع العجز المالي في موازنة الوكالة.

لم تضغط واشنطن بعد لوقف المساعدات التي يعيش عليها الفلسطينيون. ولكن المتوقع أن تفعل إذا رفض الفلسطينيون خطتها، وبعد أن توقف كل المساعدات التي تقدمها سواء إلى «الأونروا»، أو إلى السلطة الفلسطينية.

وليس متوقعاً أن يتحول أي تعاطف دولي مع الفلسطينيين إلى دعم حقيقي، يعينهم على الصمود في وضع سيكون صعباً على الكثيرين منهم تحمله، وبخاصة الطبقة الوسطى في الضفة الغربية، والتي تعودت على نمط حياة مريحة تصعب العودة عنه.

وحتى إذا صمدوا حتى نهاية فترة رئاسة ترامب، وراهنوا على أن يكون هناك رئيس آخر في البيت الأبيض في مطلع 2021، أو في موعد أقرب، فقد لا يكون ممكناً تغيير الأمر الواقع الذي تفرضه سياسة إدارته الآن، والاتجاه العام لخطتها.

وهكذا يزداد خطر إسدال الستار على القضية الفلسطينية، فيما الفصائل منغمسة في صراعاتها ومنصرفة عن مهمة يفترض أن تكرس نفسها من أجلها، وهي الســـعي إلى إبقاء القضية حية في صورة جديدة ترتبط بالواقع الجاري فرضه في الأراضي المحتلة حتى لو أُرجئت الخطة الأميركية، وهي مهمة النضال ضد شـــــكل جديد من أشكال الفصل العنصري الناعم الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي، ويعتزم المضي قدماً فيه تحت غطاء هذه الخطة، وتحايلاً عليها، أو بذريعة رفض الفلسطينيين إياها عند طرحها في حال تمكنوا من الصمود إزاء ضغوط قد يتعذر الآن تصور المدى الذي يمكن أن تبلغه.


الأكثر قراءة في
المزيد من