... في بلاد الرئيس 

فيصل جلول |

> الاستقبال الفظيع في مطار الرئيس لا يستحق العناية في نظر العسكري الأول الذي التقيته من بين عسكريي مجلس قيادة الثورة، ولعله تمالك نفسه عندما لاحت على وجهه ابتسامة مقطوعة طواها بعبارة "ليس مهماً ما حصل معك. المهم انك هنا"!!

تمرين الأسئلة والأجوبة مع العقيد كان في غاية الصعوبة فهو "ثوري" لا يتحمل محاوراً حيادياً، لذا ما فتئ يعلق على كل سؤال بالقول: "انت مع من؟ ما رأيك أنت، هذا ما يقوله أعداؤنا؟"، ولعله استنتج في سره في خاتمة اللقاء أن استقبالي الفظيع في المطار كان له ما يبرره، وعليه، صرفنا من مكتبه وهو مكفهّر الوجه. فظننت أن الأمور لن تنتهي على خير، وأن للخوف جمهورية في هذا البلد، لا تظهر كما يجب أن تظهر في الخارج، وان احتراف الترهيب فيها ليس استثناء أو سوء تفاهم كالذي مرّ بالأمس.

في شوارع العاصمة العربية الافريقية البديعة، يسير الناس ببطء شديد يُشبه ما قال المتنبي في وصف مشية الأسد وتربصه "... كأنه آسٍ يجسُّ عليلا". فحرارة الشمس الرهيبة في هذا المكان تسقط عمودياً على الرؤوس وتثقل الحركة في الأطراف ولا يستعيد الناس خفة حركتهم وسرعتها إلا في ساعات الغروب وما بعدها. وعندما يتظاهر السكان، كما شاهدتُ في ذلك اليوم، يمشون بهدوء تظن معه أنهم يتنقلون على رؤوس أصابعهم فيما أيديهم الطويلة والنحيلة تلوح إلى الأمام وإلى الوراء بطريقة تظهر معها أنها ستنفصل عن الأجساد أو ترتبط بها بخيط رفيع. لكن هنا فاتهم في تلك التظاهرة كانت تعكس الكثير من العنف المستبطن والحقد المتراكم على جارهم العربي الكبير، وبما أن المتظاهرين الآلاف تجمعوا لتأييد العراق خلال أزمة الخليج الثانية، فإنهم طلبوا من الرئيس العراقي أن يشفي غليلهم وأن يثأر لهم من جارهم، إذ قالوا بصوت هادر: "أضرب. اضرب يا صدام ... يا صدام". في تلك اللحظة شعرت بأن الجنون إذا ما توفرت له قيادة مناسبة يمكن أن يحرق الأرض وما عليها وأن الحريق لا يطول الامبريالية وإسرائيل وإنما يبدأ في المحيط ويبقى فيه.

جنون الصباح والظهيرة سيقابله مساء، ضرب من الشجاعة المجنونة. فقد قررت أن أزور سيدة معارضة في منزلها ومارستُ كل أنواع الضغوط الظريفة على العاقل الوحيد في هذه المدينة، كي يرافقني إلى حيث تقيم، فعلق المحبوب قائلاً: "... ولمَ لا؟! فنحن ديموقراطيون وإلا كيف يبقى معارضون في البلاد". كنا مساء نطرق باب منزلها مع حسن الذي يعمل في صحيفة ناطقة بالانكليزية.

استقبلتنا السيدة بتهذيب استغرق دقائق وحرصت على أن نجلس في باحة المنزل ثم سألتني عن السبب الذي يجعلني أرافق ممثلين لنظام ديكتاتوري. بدا سؤالها استفزازياً لكن صيغته محببة وتفصح عن معرفة حميمة بالشابين. وإذ رفض حسن ادعاء تمثيل النظام، بدا على المحبوب، حرج هائل، فأطلق عبارتين بلهجة محلية ينمان عن رفض مزدوج لصفة الديكتاتورية عن نفسه وهي لا تليق به فعلاً، وعن الثورة التي يمثلها.

بدت السيدة المعارضة وكأنها تنتظر مثل هذه الفرصة بفارغ الصبر، ثم أطلقت العنان لصوتها الذي ارتفع حتى وصل إلى الشوارع المحاذية للمنزل، وتراءى لي أنها تريد أن يسمع الرئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة عباراتها اللاذعة وأوصافها النارية للحكم والحاكمين. ولعلها اعتقدت أن وجودي في المكان حصانة لها، غير أن مصدر الحصانة سيضطر لقاء "ليلة بيضاء" أخرى على ما يقول الفرنسيون، وسيتخيل لساعات نوع التفكير العبثي لأهل الحكم الذين لا يميزون بين الصحافي وموضوع اتصالاته، وسيتخيل شكل وهوية مقتحمي غرفته وسيل من الأسئلة عن التواطؤ مع السيدة المعارضة وجماعتها، ولن يرتاح من ضغط الهواجس إلا عندما يغلبه نعاس اجباري ثقيل في ساعات الفجر الأولى. عندما اكتشفت أن أحداً لم يتعرض لها بعد شتائم الأمس، رغبت السيدة المعارضة أن تستفيد من وجودي في عاصمة بلادها إلى أقصى حد، مرة كدرع بشري معنوي، وأخرى كوسيلة لنقل رسالة سرية لرفاقها في الخارج، فجاءتني إلى الفندق مع نجلها وخاطبتني قائلة: "... أنت لا يفتشونك عندما ستخرج من المطار، فهل تنقل لي رسالة مهمة معك؟". وماذا لو فتشوني؟ تدعي بأن شخصاً لا تعرفه وضعها باسمك في الفندق فأنت أجنبي ثم "يمكنك أن تخبئها في مكان سري ذلك ان جماعتنا غير محترفين ويمكن خداعهم". لم أفصح عن هول الاقتراح الذي تقدمت به، ولا أدري كيف ومن أين جاءتني القدرة على ضبط انفعالاتي. ثم رويت لها ما حل بيّ وتفاصيل دقيقة عن الاستقبال الفظيع الذي جرى لي في المطار، واجتهدت في اقناعها بأنني معّرض للتفتيش والمساءلة كأي شخص آخر وربما أكثر من أي مواطن عادي، فاستبدلت حديث الرسالة السرية، برسالة عادية لقريب لها في باريس. وافقت على مضض وحملت الرسالة إلى غرفتي وفي ظني أنها رسالة "مفخخة" لا أدري كيف ومتى تنفجر، وقررت في كل الحالات ان انفجارها أفضل بكثير من فتحها والاطلاع على مضمونها وان الخوف يجب ألا يحولني إلى لص تافه يعبث بخطاب شخصي.

في المساء كان مشهد الناس المحتشدين في باحة الفندق الذي بنته دولة اشتراكية في عهد نظام سابق موالٍ للكتلة السوفياتية، كان مشهداً يبعث على اليأس والقلق. عشرات الناس ينتظرون دورهم للحصول على مكالمة هاتفية مع قريب في الخارج. فالثورة عندما حلت قبل عام في هذا البلد فشلت في إدارة الاتصالات الدولية وفي تحمل أكلافها، وعليه لم يجد المواطنون بداً من الاستعانة بخطوط هاتف محدودة، وخاضعة للرقابة "الثورية" من بينهم شخصيات سابقة ومهمة في الدولة، وزير ومدير ونائب وزير وأستاذ جامعي وغيرهم. وكان للمتحدثين أسباب كثيرة للشعور بالاهانة، ليس فقط بفعل الانتظار ساعات للحصول على مكالمة هاتفية لدقائق، وإنما أيضاً لاضطرارهم التكلم بصوت مرتفع على مسمع المحتشدين في القاعة.

في جناح الفندق، وهرباً من الاحساس بالضيق والاختناق، استبحرتُ بالتلفزيون الثوري، فكان مشهد آخر للعدم. حلقة ذلك المساء كانت تدور حول التباري الشعري. شبّان تطلب منهم هيئة من المحكمين الكبار السن، استعادة ابيات شعرية قديمة كانوا يرددونها انطلاقاً من القوافي خلال ما يقارب الساعتين، لينتهي الأمر بفائز أثنى على ذاكرته المحكمون، وسط ديكور رديء وطريقة في التصوير والتقديم لا تقل رداءة. هل يحظى كل هذا العدم بجمهور من المشاهدين، وهل يمكن لثورة تنتج كل هذه الضحالة أن تعيش وتدوم فعلاً؟ لم أرَ، ولم أقرأ، ولم أعرف ثورة واحدة لا تعبأ بالحلم والاحلام قدر هذه الثورة... قلت حينذاك ان الشيء الوحيد الذي يسمح بانبثاق هذا العدم، هو وجود عدم آخر قبله!!

في اليوم التالي كنا في حضرة المرشد الروحي للثورة، الذي كان يعيش قيد الاقامة الجبرية، لكنه يلتقي من يريد وساعة يريد، وهذه المفارقة ليست الوحيدة التي تصدم زائر هذا البلد. الرجل النحيل والرشيق، يتمتع بذكاء رهيب، وعلى قدر هائل من الاحتراف السياسي. يمتلك معرفة متنوعة المصادر. لا ينظر في عينيك عندما يخاطبك وتشعر أنه يعرف كل اسئلتك، وأنه يمارس تمريناً سهلاً في الاجابة ينم عن خبرة طويلة في استخدام وسائل التعبير. وأحياناً تعتقد أنه يقول كلاماً كنت تود ذات يوم أن تقوله. وينتهي الأمر بأن تستسلم تماماً عندما تخرج من منزله وأنت تتساءل عما إذا كانت هذه العبقرية الحقيقية نتيجة أم سبباً لكل هذا الفراغ السائد في المكان.

قبل الغروب اتصل بيّ حسن، الذي كان يدرك مدى الانقباض الذي يتملكني، وأكد لي أنني سأكون ضيفاً في حفلة خاصة هذه الليلة، وبعد أقل من ثلاث ساعات كنّا على شرفة منزل بورجوازي، نشرب عصيراً محلياً ونستمع إلى فرقة موسيقية تعزف ألحاناً محلية وغربية صاخبة، وكان بين المدعوين ديبلوماسي أميركي ترافقه زوجته التي حاولت أن تتحدث إليّ بوصفي الغريب الوحيد بين الحضور. فشعرت بارتياب أكبر عندما انضم زوجها إلينا، خصوصاً عندما سألني عن موقفي من أزمة الخليج الثانية. في هذه اللحظة تراءى لي أن الثوريين الذين يتجمعون في المكان سيكون لديهم موضوع ينقلونه إلى رؤسائهم وأن هذا الموضوع التافه عن محادثة بين صحافي وديبلوماسي أميركي يرمز إلى الامبريالية قد يكون موضوع الساعة في مكان يعمه الفراغ المخيف... وتخيلت مرة أخرى ان متاعبي لن تنتهي قريباً وأن هذه الفسحة البورجوازية الممتعة ضاعت تماماً بفعل صدفة غريبة وانني كنت احتاج إلى شيء آخر غير القبول الاجباري الذي تحتمه اللياقة، بالاستماع إلى أقوال وعبارات ممثل الامبريالية الرسمي في بلد يحمل يومياً على الامبريالية... سامحك الله يا حسن، قلت لمرافقي. ألم يكن بوسعك اختيار مكان آخر لا يرتاده ديبلوماسيون أميركيون. قهقه حسن بصوت عالٍ ثم واصل القهقهة حتى باحة الفندق فودعني متمنياً لي نوماً هادئاً وممتعاً!!

عندما قررت أن أغادر بلاد الرئيس، وحسمت أمري بصورة جدية، ضارباً عرض الحائط بالموعد المنتظر مع صاحب القصر، جاء أحد مساعديه بعد ظهر ذلك اليوم ليعتذر عن انشغال فخامته وعن كثر مواعيده واضطراره للسفر المفاجئ إلى إحدى المحافظات. واعتذر عن الاستقبال الفظيع الذي تم في المطار، وتمنى عليه أن أزور بلاده في مناسبة أخرى، وفي ظروف أفضل وأن دعوتي مفتوحة ابتداء من هذه اللحظة. في اليوم التالي كنت في طريقي إلى مطار الرئيس وكنت استمع إلى عبارات حسن الذي طمأنني بأنه سيرافقني إلى الطائرة للحؤول دون وقوع "سوء تفاهم" وبالتالي توديعي بفظاعة كما استقبلت. غير أن الفظاعة كانت حاضرة أيضاً خلال المغادرة، بشخص المسؤول الأمني نفسه، الذي صافحني بحرارة مصطنعة مخاطباً حسن: "... لقد أتعبنا صاحبك وغلبنا. لكننا الآن نرحب به ساعة يشاء فبلادنا بلاده"، ثم توجه إليّ قائلاً: "... المعذرة يا استاذ"، فاكتفيت بحواب بارد وفضلت كتم مشاعري الحقيقية.

في الطائرة التابعة لشركة طيران عربية، شعرت برغبة دفينة بالاستسلام للنوم، وانتظرت الاقلاع الذي ترافق مع سقوط عازل داخلي في المؤخرة وعلى مقربة من مقعدي. لم يثر سقوطه الركاب القلائل في هذا القسم من الطائرة، وعندما عبّرت عن ذهولي، رد طاقم المضيفين بقهقهة عالية فهمت من خلالها أن ما حدث مألوف لديهم، وأن عليّ أن لا استعجل في طلب الراحة والنوم، وأن الاطمئنان الحقيقي لن يتم إلا في الطائرة المقبلة التي سأستقلها في مطار الدولة العربية المجاورة باتجاه باريس.

كان عليّ في هذا المطار الجديد أن اتحمل نتائج زيارتي لبلاد الرئيس، وأن أُمنع من الخروج من المطار، فالظروف المتوترة خلال أزمة الخليج استدعت اجراءات استثنائية مفاجئة قضت بأن أمضي ليلتي في فندق قاعة الترانزيت، وأن أكون شاهداً على حوار عدائي بين نادل المطعم ونزيل ينتمي إلى ما سيصبح في ما بعد "دول الضد". فقد لقنه "النادل" درساً في التحضر وآداب المائدة لأنه طلب "بصلة" واستنتج ان النزيل متخلف كرئيس بلاده وأنه ينتمي إلى شعب منحط، فرضح النزيل ولاحت على وجهه علامات "التوعد"، واندلعت الحرب بعد أقل من ثلاثة أشهر فكانت في أحد وجوهها ضرباً من ضروب "التوعد" المتراكمة.

زرت بلاد الرئيس أكثر من مرة منذ ذلك التاريخ، وفي كل مرة كنت على موعد مع اشكال جديدة من الخوف والرعب وهو أمر لا ينطبق أبداً على أبناء هذه البلاد الهادئين والطيبين واللطفاء والذين يحتاجون إلى أشياء أخرى غير قصر الاشباح وصبحة فرانكشتاين.

أواخر عام 1990