بغداد والبصرة ونجد في كتاب من أواسط القرن التاسع عشر . تعلموا الهندسة والحساب والزراعة واللغات الى جانب الفقه 

رشيد الخيون |

الكتاب: عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد

المؤلف: ابراهيم بن السيد صبغة الله الحيدري البغدادي توفي 1882م

الناشر: دار الحكمة، لندن، 1998

يصعب تصنيف ابراهيم فصيح بن صبغة اله الحيدري البغدادي 1820 - 1881 في كتابه "عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد" مؤرخاً فقط، اذ لمّ في كتابه المحتفى به، وكتبه الأخرى في مجالات متعددة، منها الأدب والفقه والتصوف والمنطق واللغة، الى جانب التاريخ. ولعله كان من القلائل، إن لم يكن الوحيد بين مجايليه، دعا الفقهاء الى الإلمام بالعلوم الدنيوية الى جانب العلوم الدينية بقوله: "فإن العالم بالفقه اذا خلا من معرفة هذه العلوم لم يوثق بفقاهته لقصوره عن درك العبارات الدقيقة، من كتب الفقه، بل يستحيل ان يدرك معاني القرآن والحديث، والمأمور بإدارة محل إذا كان جاهلاً مطلقاً أو عارياً عن أكثر هذه العلوم كانت سياسته ناقصة". وهذه العلوم التي دعا الحيدري الفقهاء والولاة الى الإلمام بها هي معرفة طرق حفر الانهار، وطرق حراثة الأرض، الى جانب علوم الحكمة، والعلوم اللغوية، والهندسة والحساب، اضافة الى تعلم لغات أجنبية. وفي وقت مبكر - سنة تأليف الكتاب 1869م - دعا المؤلف ايضاً الى تنشيط الصنائع المحلية لسد حاجة الناس "بحيث لا يحتاجون الى صنائع الدول الاجنبية". ويزيد على ذلك دعوته، المبكرة ايضاً، الى الانتقال الى المدنية، والاستيقاظ من سبات القرون الوسطى بقوله: "جلب القبائل والعشائر التي في البادية الى المدن، وترغيبهم الى الحرث، وتعلم الصناعة، والمعارف".

كتب الحيدري كتابه "عنوان المجد..." على طريقة المؤرخين الجغرافيين وعلماء المجتمع، فمن غير الرواية المقتبسة من كتب التاريخ فإن روايته، كشاهد عيان، وردت بوصف للمكان والمناخ، وما يرافق ذلك من ذكر مؤثرات الاقتصاد والاجتماع والدين والمذهب. ألف كتابه المذكور بعد رحلة جاب فيها الآفاق المحيطة بالعراق، وأقطاراً من الدولة العثمانية، وأشار الى ذلك بقوله: "وإني قبل هذا سافرت من بلدي مدينة السلام بغداد الى دار الخلافة القسطنطينية، حماها عن كل سيئ رب البرية، ومنها الى مصر، والحجاز، وعدت اليها ثانية لأستوفي الوقوف على بدائعها بالحقيقة لا بالمجاز، ثم خرجت منها الى البلاد السورية، وبعض البلاد الأناضولية".

قبل الحديث عن مكنونات الكتاب من الفائدة ان نطلع على حياة صاحبه ولو بشيء من الإيجاز.

ينتمي الحيدري الى أسرة الوالي العراقي داود باشا، الذي وصل الى الحكم بطلب من العراقيين في بغداد وكردستان، بعد التمرد على سعيد باشا الذي استخف بامور البلاد والعباد عندما تعشق غلاماً يدعى حمادي، كان ذلك وراء مصائب كثيرة، وانتهى الامر باعدام الباشا وغلامه.

ويذكر المؤرخ عباس العزاوي الاسرة الحيدرية في "تاريخ العراق بين احتلالين" بقوله: "من بيوت العلم والمعرفة في بغداد، وقد عرفنا ابراهيم فصيح الحيدري انه ذهب الى ما وراء النهر، وعاش هناك" لم يذكر المؤلف ذلك عند الحديث عن رحلاته، ولا غيره من مترجمي سيرته. وعن والد المؤلف قال العزاوي: "صبغة الله الحيدري، كن مفتي الشافعية في بغداد، كتابه "المسألة الايقانية في الاجوبة على الاسئلة الايرانية". كذلك يذكر العزاوي من مؤلفات الحيدري الابن الادبية "شرح سقط الزند"، ذاكراً انه يحتفظ بمخطوطته في مكتبته الخاصة، اضافة الى كتب اخرى منها كتاب "عنوان المجد…". لكن العزاوي في نهاية المطاف يصف مؤلفنا بقوله: "غير متعمق في مؤلفاته". كذلك ورد في "هدية العارفين" لاسماعيل باشا البغدادي، ان الحيدري كان شافعي المذهب، ومن موالي الحرمين، اشارة الى اصله الكردي. ومن غير كتاب "عنوان المجد…" يذكر المؤلف لنفسه كتباً عديدة، في الفقه كتاب "حاشية تحفة المحتاج لأبي حجر المكي في فقه الشافعية"، و"حاشية على الاشباه والنظائر الفقهية للسيوطي"، وفي التفسير له "فصيح البيان في تفسير القرآن"، وفي التاريخ من غير "عنوان المجد"، "الحسب والنسب"، وفي اللغة "حاشية على كتاب سيبويه"، و"حاشية على ألفية ابن مالك"، و"فك الاشتباك شرح تشريح الافلاك"، وفي التصوف "شرح منظومة آداب البحث والسنوحات في التصوف"، و"شرح رسالة خالد النقشبندي"، وفي الأدب "شر ح ديوان ابي تمام"، و"شرح ديوان ابي العلاء المعري"، و"شرح مقامات الحريري" وغيرها. لم ينسب المؤلف لنفسه بعض ما نسبه له البغدادي في "هدية العارفين"، والعزاوي في "تاريخ العراق بين احتلالين" من كتب ورسائل وحواش، ولعلّه ألّفها بعد كتابه الذي بين ايدينا. ما طبع من مؤلفاته، كما ورد في "معجم المؤلفين العراقيين" خلال 1800 - 1969 لكوركيس عواد، كان: "احوال البصرة"، و"تطبيق الهيئة الجديدة"، و"المجد التالد في مناقب الشيخ خالد"، اضافة الى "عنوان المجد".

حول الكتاب الذي نحن بصدده جاء في مجلة "لغة العرب" كانون الثاني 1914 قبل طباعته، ضمن ما كتب عن تواريخ بغداد: "تاريخ جزيل الفوائد سامي المباحث، يشتمل على اخبار ووقائع شتى، يوجد منه نسخة خطية في خزانة كتب دير مبعث الآباء الكرمليين المرسلين، ومنه نسخ اخرى في بعض مكاتب دار السلام، وقد صنفه صاحبه الفاضل في البصرة، وانجزه في شهر رمضان 1286هـ - 1869م. صدر بطبعته الاولى العام 1962 عن دار منشورات البصري في بغداد، وفقاً للمخطوطة الاصلية المحققة من قبل الشيخ ياسين باش اعيان.

أرّخ الكتاب لحقبة قلقة من تاريخ العراق والجزيرة العربية، حيث الصراعات وتبادل المواقع بين الدولة العثمانية والدولة الايرانية، وخصوصاً في منطقتي جنوب العراق وشماله الشرقي، وكانت نجد آنذاك مقسمة الى إمارات. وأهم ما جاء في فصل "احوال نجد" ما شهده وسمعه المؤلف عن شخصية الشيخ محمد بن عبدالوهاب والحركة السلفية، فقد التقى بقريب الشيخ، وسمع عنه تفاصيل لا تحتويها تواريخ المنطقة والحركة. وفي فصلي احوال بغداد والبصرة وردت معلومات ترد على شطحات الآراء التي تنفي وجود العراق ككيان سياسي واجتماعي محدد، قبل قيام النظام الملكي، حده الشمالي الموصل والجنوبي عبادان. فكثيراً ما يرد في الكتاب اسم بغداد عاصمة للعراق في حدوده المذكورة. كذلك يرد الكتاب على نافي وجود المصطلح العراقي كما وردت في دراسات نشرت هنا وهناك، كانت تفتقر الى الموضوعية، وعدم احاطتها بمثل هذا المصدر، على رغم انه صدر بطبعته الاولى العام 1962 في بغداد.

أورد المؤلف بصريح العبارة اسماء ادباء وعلماء وفقهاء عراقيين، منهم الاكراد والعرب والتركمان، مثل قوله: "وأخذ عنه أحد علماء عصره جميع علماء العراق ممن عاصره، وهو شيخ مشايخ العراق". في رأي يكاد يكون غريباً اعتبر المؤلف قومه الاكراد من اشراف العرب، والغرابة في الأمر ليس مسألة الشرف او الوضاعة، لكن هذا التصريح جاء في ظل العهد العثماني، الذي يثني عليه المؤلف ويبتهل له كلما ورد ذكره، بمعنى انه لم يكن مضطراً الى تجريد قومه من تاريخهم القومي في حال من الاحوال. قال الحيدري في ذلك: "وأما ما ذكره بعضهم من انهم ليسوا من العرب، فهو من قبيل التعصب، وكفى بصاحب القاموس تصحيحاً وشهادة، فهم الأكراد على ما ذكره المجد من قحطان من العرب العاربة نسباً، لأن المزيقا على ما ذكره علماء النسب من بني قطحان". أما عن اختلاف لغتهم عن العربية فيبرره بما هو اكثر غرابة من الرأي الاول بقوله: "والله اعلم، وتبدل لسانهم لقارب منازلهم من العجم، فلسان الكرد محرف لسان الفرس".

ولعل الأمر لا يزيد على كونه عاطفة جميلة تجاه العرب، وربط بين الاسلام والعنصر العربي، في وقت كان الأكراد يوصفون فيه بالعصاة من قبل الأتراك.

الأمر الآخر الذي يكشف عنه الكتاب، وما زال قيد البحث والاختلاف، هو زمن تشيع العشائر العراقية في الوسط والجنوب. ويذكر ان البصرة وما يحاذيها من المناطق الجنوبية كانت عثمانية نسبة الى الخليفة عثمان بن عفان طيلة العهدين الأموي والعباسي، ظهر ذلك حتى بين المتكلمين من فرقة واحدة، فمعتزلة البصرة ظلوا على القول بأفضلية الخليفة عثمان، بينما تحول فرعهم في بغداد الى الجانب الآخر، وما زال جنوب البصرة على الفقه السني، فأهل الزبير حنابلة، والمناطق الأخرى بين شافعية وحنفية. ويرى المؤلف ان أصل الفقه في جنوب العراق هو الفقه السنّي، ويعزو التحول الى التشييع مرة لعدم وجود العلماء من المذاهب الاربعة، واخرى ان الشيعة ليسوا بعراقيين. يقطع بذلك قائلاً: "كل بصري الاصل سنّي، وكذا كل جنوبي سنّي". واذا تجاوزنا تعصب المؤلف على مواطنية الشيعة في تسميتهم بالروافض، والغاء مواطنتهم، فانه قال جميل الكلام عن اهل الجنوب كافة، مما يجعل التسامح بين ابناء الوطن الواحد سيد الموقف: "وبالجملة، ان اهل الجنوب من اهل البصرة من اكرم الناس، ومن ذوي الطبائع السليمة، والاخلاق السهلة الانيسة، الغريب لديهم مكرم، والنزيل عندهم محترم". كذلك قال عن البصرة رغم غالبيتها الشيعية: "واني قد رأيت اكثر البلاد كمصر والشام وسائر البلاد العربية والرومية، فلم أر بلدة مثل البصرة، ويا لها من بلدة يتحير الناظر من عجائب ما فيها من البساتين والانهار". ثم يذكر المؤلف العشائر العراقية التي تشيعت بحدود القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

ويصف بعض العشائر من الذين يعيشون على نهر الدغارة فرع من الفرات بقوله: "اهل تعصب في الرفض، لا يخرجون عن طاعة امرهم".

رسم المؤلف خريطة متكاملة لبغداد والبصرة، وما فيهما من محال وانهار ومساجد، واسواق، وبيوتات وعشائر، وحالات سياسية، وأطنب في مدح بغداد كثيراً، معبراً عن زهوه بمدينته على رغم ان الاشراقة العباسية غابت عنها منذ زمن طويل، واخذ الطاعون والضيم يسلبانها حسنها يوماً بعد آخر. فالى جانب مدحه لها، وكأنه يعبّر على لسان ابي حيان التوحيدي وعاطفته تجاه بغداد، كان يذكر مأساتها ويندب حظها العاثر، من جفاف انهارها الى جثث المطعونين.

في "احوال نجد" تابع المؤلف حوادث الدرعية والعينية كذلك تابع تاريخ حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. وينقل عن والده السيد صبغة الله الحيدري بأن الشيخ قدم الى بغداد، ودرس فيها على يد جدّ المؤلف اسعد الحيدري. وروى ان اسعد الحيدري مرّ على طريق الدرعية عائداً من مكة، ونزل ضيفاً على الشيخ. وقال: "انه اجتمع به في الدرعية، واحترم جدي المذكور غاية الاحترام، وأعزّه واكرمه سعود ابن عبدالعزيز بن محمد بن سعود اكراماً لائقاً، وجلس جدي في الدرعية مقدار ثلاثة اشهر، ثم حملوه بالاحترام والاكرام الى البصرة".

وورد في الكتاب النص الكامل لرسائل تركي بن عبدالله آل سعود الى اهل نجد، والمسلمين عموماً، ونص رسالة فيصل بن تركي الى اهل نجد والمسلمين ايضاً. وفي سياق ذلك يذكر الحيدري فتوى لفيصل بن تركي تفيذ بتحريم شرب الدخان، ورد ذلك بقوله: "واما منع فيصل شرب التتن فهو مبني على ما ذهب اليه بعض الفقهاء من التحريم". لعل الفقهاء المشار اليهم وردت فتاواهم بشأن الدخان في رسائل مخطوطة، ترقى الى القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، منها: "رسالة تخليص الانسان من ظلمات الدخان" و"تحريم الدخان" و"نصيحة عباد الله وأمة الرسول" و"رفع الاشتباك عن تناول التنباك" المكتبة البريطانية، د717. ينتهي الكتاب بخاتمة شاملة وضع فيها المؤلف ما استدرك من معلومات وتفسيرات، يعود فيها الى ما بدأه في التوطئة، من عوامل ازدهار الدولة وانحطاطها، وما يتعلق من ذلك بأخلاق الحاكم وسياسته.