سيرة جديدة لجبران خليل جبران ... من كتاب "النبي" وإليه 

نامق كامل |

الكتاب: "النبي - عصر وحياة جبران خليل جبران"

المؤلف: روبين ووترفيلد

الناشر: مطبعة بنكوين - لندن 1998.

في غضون الأيام القليلة المقبلة ستصدر بيبلوغرافيا جديدة بالانكليزية عن جبران خليل جبران من تأليف روبين ووترفيلد. وهذا الكاتب الانكليزي كلاسيكي محترف، مترجم وكاتب مقالات أكاديمي. وهو أيضاً أستاذ جامعي سابق في الاغريقيات ومتخصص في الفلسفة.

يتزامن صدور هذا الكتاب مع حلول الذكرى الخامسة والسبعين لكتاب جبران المعروف "النبي" الذي بلغت مبيعاته آنذاك وفي أميركا الشمالية فقط أكثر من تسعة ملايين نسخة عدا السوق البريطانية والمنطقة العربية أو اللغات الاثنتين والعشرين التي تُرجم اليها، وباتفاق آراء الكثير من نقاد ذلك الوقت أُعتبر الكتاب فاتحة عصر أدبي جديد. وكما يشير عنوان الكتاب فإن ووترفيلد يحاول أن يبحث في الاشكال المركزي لحياة رجل طالما وصف بالبراءة والاخلاص والصراحة، وفي واحد من أكثر كتاب المهجر شهرة ممن تناولتهم الأقلام بالكتابات التي اتسمت في غالب الأحيان بعدم الدقة والتقصي الموضوعي. لهذا كان على ووترفيلد - كما يؤكد - ان يتحول الى ما يشبه المخبر لكي يتوصل الى أدق التفاصيل صحة ووثوقاً.

لا يخفى ان لجبران شعبية واسعة وهائلة، خصوصاً في أميركا الشمالية حيث عاش، وكذلك في عموم العالم الغربي. فمنذ ان احتل كتابه "النبي" ميدان النشر في أميركا وانكلترا ظلت السوق تستقبل باستمرار ما بين أربع وخمس طبعات منه لا يقل عددها عن 15 ألف نسخة في كل عام تصدرها دار نشر أركانا. يقول ووترفيلد "ان كتاب "النبي" كتاب ثمين. كان جبران دائماً معجباً بشخصية المسيح التي شكلت تعاليمه الأساسية قاعدة أفكار جبران الفلسفية. كثير من الناس يرون جبران انساناً صوفياً، بينما الحقيقة انه تربى كمسيحي ماروني".

يعود موضوع هذه البيبلوغرافيا الجديدة الى العام 1995 عندما أعد ووترفيلد انطولوجيا عن أعمال جبران الكاملة فأثارت انتباه بيتر كارسون مدير "دار نشر بنكوين" الذي كلفه في ما بعد بكتابة بيبلوغرافيا شاملة عن جبران. يقول ووترفيلد: "لقد أطلعت على جميع السير الأخرى التي تناولت خليل جبران من ضمنها السيرة الرئيسية التي كتبها قريباه جين وخليل جبران اضافة الى اثنين قبلهما ولم أجد أياً منها مقنعاً". لهذا قرر ووترفيلد ان يكتب بيبلوغرافيا جديدة، موثوقاً بها، تليق بشاعر ومفكر مثل خليل جبران، وقد أمضى في سبيل ذلك سنتين من البحث والكتابة والاعتكاف في مراكز ارشيفات المدن ومكتباتها خصوصاً في لبنان موطن الشاعر الأصلي.

كان أول تعامل لووترفيلد مع جبران من خلال كتاب "النبي"، وذلك في أواخر الستينات. يقول ووترفيلد: "أصبح كتاب "النبي" من تلك الكتب التي دائماً ما كنت أود الرجوع اليها... وحين دخلت أعمال جبران ميدان سوق النشر بات من المناسب لي كناشر أيضاً اصدار طبعات جديدة عن الكتاب بمقدمات أساسية وخصبة". ويبدو أن ووترفيلد يعلم جيداً متطلبات سوف النشر وما يريد قراء اللغة الانكليزية معرفته عن خليل جبران والوقوف على المزيد من مؤلفاته ومنتجاته التي تستهويهم فيها الحكم والأقوال المأثورة التي دائماً ما يصاحبها جبران برسوماته وتخطيطاته القيمة والأنيقة.

كان جبران في بداية الأمر يعد نفسه شاعراً، غير أنه عندما انتقل الى نيويورك أخذ يتغير باتجاه رجل دين. ومع ذلك بقي شاعراً ممن ينتمون الى الشعر الكلاسيكي العربي الحديث. ومثله مثل زملائه شعراء المهجر تفتح على الثقافة الغربية وأخذ ينهل من معنها ويعتاد ذائقها حتى منحته في الأخير حرية غير اعتيادية في ابداء وجهات نظره في ميادين الثقافة والسياسة والدين. يقول ووترفيلد: "ان موهبة جبران كشاعر عربي هي، بلا ريب، موهبة ليست استثنائية. لكن الذي يميزها عن غيرها هو تقبلها من الغرب كما من الشرق على حد سواء. لذلك فهو شاعر مرغوب من قبل الغرب بخلاف غيره من الشعراء العرب الآخرين. قد لا يكون جبران يمتلك تلك التقنية الشعرية العالية إلا أنه يضع قلبه وروحه في عمله فيما غيره من الشعراء يبدون أكثر صناعة وحرفة".

يثبت كتاب ووترفيلد للمرة الأولى جبران باعتباره الأب الباحث عن أدب العصر الحديث. ومعروف ان دور جبران كان على الدوام مناقشة تقبل رموز جوهر رسالة الرومانتيكيين والباحثين في ما وراء الواقع ممن تأثر بهم أمثال بليك ونيتشه وروسو وكاربنتر واميرسون ووايتمان وترجمتهم بشكل يسهل استيعابهم وفهمهم من قبل الأجيال القادمة. يقول ووترفيلد في هذا الصدد "في كتاب جبران "النبي" تكمن كل الأفكار العظيمة للعصر الحديث".

لذلك يمكن اعتبار كتاب ووترفيلد هذا أكثر من كونه كتاب بيبلوغرافي يتحدث عن شخصية أدبية معروفة. انه في الواقع يعكس مغزى التاريخ الاجتماعي ويستحضر اجواء عصر جبران بحيوية وروح دافئة، ويسبغ عليها طابع الاستمرارية والحضور بصور ورسومات لجبران لم تشاهد من قبل. ثم يقدم روايات ومشاهد تتسم بالصدق عن ظاهرة أكثر الكتب مبيعاً "النبي" وشخصية من أهم الشخصيات التاريخية، ويخاطب الاشكالية التاريخية للرجل ويوصل كلا جانبي التوثيق: ما كتبه البيبلوغرافيون من قبل وما فعله جبران حقاً: دوره كمعلم روحي، شوقه الى بلده لبنان، تراثه، الهامه، اعترافاته في استنتاجاته الجديدة.