اسحق نقاش يروي قصة كتابه "شيعة العراق" : فرصة للشيعة العراقيين كي ينظروا في المرآة ... وفرصة لي أيضاً 

إسحق نقاش |

ينبع اهتمامي بالكتابة عن العراق الى حد كبير من خلفيتي اليهودية العراقية. ذلك اني رغم ولادتي في اسرائيل وقضائي معظم حياتي فيها شعرت دوماً بالحاجة الى المزيد من المعرفة بمسقط رأس والديّ، اللذين ينتميان الى جالية عاشت في العراق من 586 قبل الميلاد، اي بعد حملة نبوخذ نصر التي احتل فيها مملكة يهودا ودمر القدس، الى 1949 - 1951 عندما غادر معظم اليهود العراق الى دولة اسرائيل. ولما كانت الظروف السياسية تحول دون زيارتي العراق، فقد كان عليّ استكشافه من خلال كتاباتي. ونتج قراري التركيز على الشيعة عن الحرب العراقية - الايرانية ما بين 1980 و1988، عندما استغربت، مثل غيري من المراقبين، قتال الشيعة العراقيين ضد نظرائهم الايرانيين.

الطبعة الأولى من كتابي "شيعة العراق" صدرت في نيسان ابريل 1994 عن مطبعة جامعة برنستون الأميركية. ولقي الكتاب ترحيباً من الأوساط الأكاديمية في الولايات المتحدة واوروبا، فيما اصبحت الطبعة الشعبية منه كتابا مقرراً في حقول التاريخ والاجتماع في الجامعات.

مقولتا الكتاب

يقدم الكتاب مقولتين رئيسيتين. الأولى هي ما يبيّنه الكتاب من ان شيعة العراق، عكس الرأي السائد، لم يشكلوا غالبية السكان منذ العصور الاسلامية الأولى، بل انهم في الدرجة الأولى تحولوا الى المذهب في القرن الماضي، عندما توطن معظم القبائل العربية الرحل واشتغلوا في الزراعة. وتشترك هذه الاقوام القبلية مع نظيرتها التي بقيت على البداوة والمذهب السني، في التقاليد الاجتماعية والسمات الثقافية. ويشير هذا الى ان الصراع على السلطة بين الشيعة والسنة في العراق الحديث يدور بين طائفتين متشابهتين تماماً في الواقع، وان التوتر الذي يغذي المشكلة الطائفية هو في الدرجة الأولى سياسي وليس اثنيا أو ثقافيا.

المقولة الثانية التي يقوم عليها الكتاب هي ان التشيع العراقي يختلف جذرياً عن الايراني، ليس من حيث المعتقدات بل في السمات الاجتماعية والثقافية والأبعاد السياسية والاقتصادية. هذه الفروق تفسر عدم اندفاع غالبية شيعة العراق وراء الثورة الاسلامية في ايران خلال السنين الـپ18 التي مرت على حدوثها.

ولا بد لكتاب كهذا أن يتناول القضايا الحساسة التي يناقشها السنة والشيعة منذ تأسيس العراق الحديث في 1921- من دون ان أقصد ان يحصل ذلك بالشكل الذي ظهر عليه - أي، اسئلة مثل: من هو العراقي؟ ومن الذي يمثل روح العراق العربية الحقيقية؟ ذلك ان التشابه بين المجموعتين يضعف ادعاء الأقلية السنية بأنها "أكثر عروبة" من الشيعة، ويشكك بحقها في الحكم وحدها وفي تحديد معنى القومية العربية والعراقية. وفي الوقت نفسه، يدعم الطابع العــــربي لشــــيعة العراق تأكــــــيدهم بأنهم ليسوا أقل قومية من السنة، ويعطي صدقية لدعوتهم الى اعادة توزيع للسلطة تؤدي على الأرجح الى انهاء حكم الأقلية السنية. لكن اقتصار نشر الكتاب على الانكليزية أبعده عن الجدل حول القضية بين الشيعة وحكومة البعث السنية.

شيوعيون وبعثيون

في أيلول سبتمبر 1994 تسلمت مكالمة هاتفية من عراقي قال انه من مجلس تحرير "دار المدى"، المعروفة بقربها من الحزب الشيوعي العراقي وتتخذ من دمشق مقراً لها، وان الدار تريد ترجمة الكتاب الى العربية. كما سأل اذا كنت راغباً في كتابة مقدمة للطبعة العربية. وقادت المكالمة الى اتصالات اضافية مع مدير الدار. النتيجة كانت تسلم دار المدى إذناً رسمياً من مطبعة جامعة برنستون بنشر الطبعة العربية للكتاب، فيما كتبت مـــقدمة خاصة للــترجمة.

يمكن بسهولة إدراك دوافع الشيوعيين العراقيين للقيام بالمشروع. فقد كان الحزب الشيوعي في ذروته في الخمسينات، قبل بروز حزب البعث، الحزب الأقوى في العراق، وشكل الشيعة غالبية مؤيديه. وبعد وصولهم الى السلطة صور قادة البعث الشيوعيين بأنهم "حصان طروادة"، وركزوا على علاقة الحزب الشيوعي العراقي بنظيره الايراني باعتــــبارها برهاناً على ان الشيوعيين العراقيين ليسوا عرباً حقيقيين. من هنا كان من مصلحة الشيوعيين ترجمة كتاب يبين الأصل العربي للشيعة.

لكن من الصعب فهم السبب في سماح الحكومة السورية بترجمة ونشر عمل باحث اسرائيلي. واعتقد ان ذلك كان بفعل عناصر تجاوزت القيمة البحثية للكتاب، أو الحرية الثقافية النسبية في سورية التسعينات، أو سعي دار المدى لتحقيق ما أمكن من الربح. فمن المنظور السوري يسمح نشر كتاب يتناول المذهب الشيعي الاثني عشري بالتأكيد على ان العلويين جزء من التيار الشيعي الرئيسي، وان معتقدهم الديني المخالف لا ينال من مصداقيتهم كعرب. وربما كان السماح بالترجمة يعكس رغبة البعث السوري في مضايقة نظيره العراقي وازعاج الاقلية التكريتية التي تحكم العراق.

توقيت المبادرة ربما كان أيضاً مثيراً للاهتمام. فقد تزامن اتصال دار المدى معي في أواخر 1994 مع الاجتماعات بين سفيري سورية واسرائيل في منطقة قريبة من واشنطن.

صدرت الترجمة العربية للكتاب في كانون الثاني يناير 1996 وشمل التوزيع سورية ولبنان ومصر، ووصل بعد فترة قصيرة الى أوروبا حيث تقيم جاليات كبيرة من العراقيين. ولم تظهر في الصحف العربية سوى مراجعتين عابرتين للكتاب، رغم انه بقي طيلة أسابيع من صيف تلك السنة على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً التي تنشرها الصحف العربية الصادرة في لندن. مع ذلك فقد تسلمت عدداً من المكالمات والرسائل الشخصية المشجعة والمؤثرة من عراقيين، رغم ان انطباعي كان أنها لا تمثل سوى ردود فعل فردية من أشخاص قليلين.

سمعت بعد ذلك ان عبدالاله النعيمي مترجم الكتاب تعرض للضرب في براغ من قبل عراقيين مؤيدين لصدام حسين، الذين اعتبروا عمله نوعاً من الخيانة والتعاون مع اسرائيل. استنتجت من الحادث ان العراقيين لم يتخذوا موقف اللامبالاة من الكتاب كما بدا لي أولاً، وان كثيرين منهم كانوا ايجابيين تجاهه، فيما أثار انزعاج آخرين. وانعكست الضجة التي اثارها الكتاب في المراجعات له في الصحف العربية في لندن في النصف الأول من 1997، وأبرزت المراجعات، اضافة الى اللقاءات في بريطانيا وأميركا خلال السنة الماضية مع عراقيين من ذوي خلفيات متفاوتة، ليس فقط الطريقة التي واجه بها عراقيو المنفى الكتاب ومؤلفه بل ايضا تاريخهم ومأزقهم.

أسئلة ثلاثة

أبدى العراقيون اهتماماً كبيراً بخلفيتي الشخصية ودوافعي أو "هدفي الخفي" لتأليف الكتاب. وأثار تناولي للمشكلة الطائفية في العراق الكثير من النقاش، فيما بدا ان ما يجمع بين معارضي الكتاب ومؤيديه كان اسئلة ثلاثة: ما مدى صحة وفائدة الاستنتاجات الرئيسية في الكتاب بالنسبة للوضع الاجتماعي والسياسي للعراق الحديث؟ وما مدى موثوقية وصف المؤلف للطبيعة الخاصة للتشيع العراقي؟ وما هي علاقة تاريخ العراق كما يقدمه الكتاب بالمشاكل والمآزق التي يواجهها العراقيون في المنفى اليوم؟

في أواخر شباط فبراير 1997 نشرت صحيفة "القدس العربي" التي تصدر في لندن مراجعة مطولة للكتاب، اتخذت شكل هجوم غاضب، كتبها علاء اللامي، وهو من الملتزمين المتشددين بخط ماو تسي تونغ، ويكشف اسمه انه من عشيرة بني لام العراقية الشيعية. ووصف اللامي كتاب "شيعة العراق" بأنه أشمل تزييف لتاريخ العراق الحديث، وان هدفه دعم الطائفية وتدمير مستقبل العراق.

نشرت الصحيفة بعد ذلك عدداً من الرسائل التي علقت على المراجعة، وأصبح كوني اسرائيلياً ويهودياً عراقي الأصل وحاملاً للجنسية الأميركية مدار نقاش وتعليق. واعتبرت هذه الصفات برهاناً على أن الكتاب وليد مؤامرة صهيونية تخدم الامبريالية الغربية.

توقيت كل هذا لا يخلو من مغزى. فقد كان على العراقيين بحلول 1997 ان يدركوا ان صدام حسين أقوى من أي وقت منذ حرب الخليج. وكان المؤشر الواضح الأول على ذلك هجومه الناجح في الشمال الكردي في آب أغسطس 1996. فقد تمكن بحركة بسيطة واحدة من تدمير البنية التحتية للعملية التي كانت "سي آي إي" تديرها ضده. وتبين للجميع ان صدام سيبقى، وبدأ عراقيون من مختلف الاتجاهات السياسية بمحاولة التقرب من بغداد، وهو ما تبينه مراجعة اللامي.

في تشرين الثاني نوفمبر 1997 عاد صدام حسين لتذكير العراقيين بسعة حيلته عندما تحدى ادارة بيل كلينتون وفرض عليها اللجوء الى الروس لايجاد حل ينقذ ماء الوجه أي السماح بعودة المفتشين الدوليين وتجنب مواجهة خطيرة مع بغداد.

تصرف صدام وتأثيره

كان لتصرف صدام الحاذق وقدرته على البقاء تأثيره السلبي على العراقيين. وعاد حاجز الخوف، الذي انكسر الى حد ما أثناء الانتفاضة الشيعية والكردية ضده اثر حرب الخليج في 1991، الى أقوى مما كان سابقا، حتى بين العراقيين في الخارج، وعاد يؤثر على العلاقات بين العراقيين أينما كانوا ونظام بغداد.

هذا ما تبرزه القصة التالية، التي حذفت منها التفاصيل التي قد تدل على هوية الاشخاص المعنيين: تناولت العشاء، أثناء زيارة الى لندن أوائل 1997، مع عدد من شيعة العراق الاسلاميين. وصافحني واحد منهم بعد التعارف وقال: "أنا مدين اليك باعتذار". عند السؤال عن السبب أجاب: "ربما تذكر مراجعة لكتابك نشرتها صحيفة عربية في لندن قبل فترة". عندما قلت انني أذكر المراجعة أوضح لي: "أنا كاتبها، لكن للأسف لم اتمكن من جعلها ايجابية لأنني لو فعلت ذلك لا تهمني الناس هنا والحكومة في بغداد بالدعوة الى الطائفية".

تزامنت عودة صدام الى تأكيد سلطته مع انهيار اتفاق اوسلو للسلام وما اعقبه من تدهور في العلاقات العربية - الاسرائيلية. واتاح ذلك الفرصة لمعارضي عملية السلام، الذين تواروا عن الانظار حتى 1997، للعودة الى الأضواء ومهاجمة الكتاب ومؤلفه. كما برزت مجدداً تلك التعابير والتشبيهات التي امتلأ بها قاموس الصراع العربي - الاسرائيلي قبل اوسلو: أي القول أن ليس لذلك الاسرائيلي مكان بيننا، ولا يحق للغريب دراسة تاريخنا، والحديث عن التسلل اليهودي - الصهيوني - الامبريالي الى الثقافة العربية والحضارة الاسلامية.

لكن الحقيقة ليست بالسوء الذي يشير اليه هذا السرد، بل انها أفضل بكثير. الصورة بكليتها بالغة التعقيد، وهي تكشف عما يكمن خلف الظاهر السياسي العربي وما يجول في اذهان العراقيين في الخارج على اختلاف توجهاتهم السياسية والاجتماعية.

أزمة الشيوعيين العراقيين

ذلك ان رياحا جديدة تهب داخل الحزب الشيوعي العراقي، اذ يعاني قادته ومثقفوه من التمزق بين الاعتبارات الأيديولوجية والعملية، ويبحثون عن الخط المطلوب بعد حرب الخليج، حيث دار الكثير من الكلام عن "النظام العالمي الجديد" الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة. وواجه الشيوعيون العراقيون أزمة أيديولوجية رئيسية، برزت في شكل رسالة مفتوحة وجهها الى القيادة الشيوعية هادي العلوي، وهو شيوعي من الخط الماوي يسكن دمشق، ومن شيعة العراق.

نشرت الرسالة في كانون الثاني 1996 صحيفة "طريق الشعب" الناطقة بلسان الحزب، وتزامن النشر مع صدور كتابي "شيعة العراق". وقال العلوي في الرسالة، محذرا من تطور مثير للقلق داخل الحزب: "شطب مثقفو الحزب الذين يتولون تحرير منشوراته الحزب امبريالية من أدبياته ليحل محلها النظام العالمي الجديد والمجتمع الدولي وهيئة الأمم في مسعى لدفع الجماهير نحو هذه الساحة لكي تطلب الخلاص من المستعمرين، وبالغائهم مبادئ الوطنية من مفرداتهم عادوا يفسرون تاريخنا الحديث في ضوء المقولات البريطانية والأميركية. وتحت الطبع في دار النهج المدى كتاب عن شيعة العراق يصور تاريخ العراق الحديث على انه تاريخ النزاع بين الشيعة والسنة وليس النضال ضد الاستعمار البريطاني".

وتكشف رسالة علوي عن المأزق الحاد الذي واجهه الشيوعيون العراقيون في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي:

هل عليهم الاستمرار على خطهم التقليدي ام محاولة تغيير أنفسهم واقامة اتصالات جديدة مع الغرب؟ ودار الكثير من محادثاتي مع الشيوعيين العراقيين خلال 1997، وكذلك المراجعة لكتابي التي نشرها شيوعي عراقي في صحيفة "الحياة"، على هذا السؤال.

ردود فعل شيعية

ردود الفعل في الدوائر الدينية الشيعية كانت مختلفة. فقد عكس التحمس للكتاب الذي أبداه بعض الشيعة المطلعين، والتردد والتحفظ من قبل الآخرين، النقاش القديم بين الاصلاحيين والمحافظين في صفوف الشيعة.

وكنت بحثت في كتابي بعض نواحي النقاش، كما برز في الصراع في النجف خلال الثلاثينات عن مستقبل المدرسة الشيعية في الفترة التي تلت اقامة الدول الحديثة في الشرق الأوسط. واذ حاول الاصلاحيون الشيعة فصل التعليم الشيعي عن تأثيرات الماضي واعادة صياغته ليتلاءم مع الوضع الحديث، فقد اصر المحافظون على الحفاظ على مناهج وأساليب التعليم المتوارثة.

ومع نهاية القرن نجد نقاشا مشابهاً بين المطلعين من الشيعة، لكن لمحتواه تفرعات اوسع بكثير من ذلك الذي جرى في الثلاثينات نظراً لتنامي المآزق والمتطلبات للجيل الشاب من الشيعة، الذي يشكل افراده غالبية الأربعة ملايين عراقي الموجودين في الخارج.

ويركز النقاش اليوم على ما يجب ان يكون عليه المذهب الشيعي في القرن الواحد والعشرين، وهل يبقى مجموعة من القيم الدينية التي لا يغيرها مرور الزمـــن وما يأتي به من تأثيرات تخترق الحواجز الوطنية والاثنية والثقافية، ام هل يتطور ليصبح هوية مرنة تصوغها الظروف والبيئة التي يعيش فيها الشيعة؟ وركز الكثير من المتحاورين على الفرق بين شيعة العراق وايران الذي أشرت اليه في كتابي، وهو ما لم أتوقعه أو أهدف إليه أثناء عملي علىه.

الجيل الشاب من الشيعة، مثل جيل الآباء والأجداد، يستمر في البحث عن هوية. وقد أوضح لي صحافي شيعي عراقي شاب ثاقب النظرة، القضية التي تشغل أذهان الكثير من الشبيبة العراقيين، وليس فقط الناشطين السياسيين على اختلاف ميولهم بل الاشخاص العاديين:

"لدينا من جهة العلمانيون المتشددون، الشيوعيون منهم والبعثيون، الذين ينكرون وجود مشكلة طائفية أو ان هناك شيئاً اسمه الهوية الشيعية، ويؤكدون بدل ذلك على اننا كلنا عرب. من الجهة الثانية يؤكد لنا علماؤنا ان العراق مهد التشيع، وان الاسلام الشيعي لكل زمان ومكان، وانه يعود الى زمن الرسول. كتابك ذو أهمية كبيرة لأشخاص مثلي. ان الفكرة القائلة بأننا لم نتشيع الا أخيرا، وان هناك فرقاً في طبيعة التشيع بين العراق وايران، يملأ فجوة كبيرة بين الموقفين المتشددين ويسلط ضوءاً جديداً على ماضينا، ويمكننا من مقاربة تاريخنا وأصلنا الشيعي العراقي وهويتنا من زاوية مختلفة تماماً".

الأزمة العراقية - الأميركية

ليس من يعلم ما يحمله المستقبل الى العراقيين. وكانت الأزمة بين بغداد وواشنطن في شباط الماضي أبرزت بوضوح عزلة الولايات المتحدة، حتى عن أقرب حلفائها - العزلة التي تعود في جزء منها الى افتقار واشنطن الى سياسة متماسكة تجاه العراق.

وارتاحت الولايات المتحدة، مهما كان موقفها الظاهري، من نجاح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في اللحظة الأخيرة في عقد صفقة مع صدام حسين جنبت الطرفين حربا جديدة.

الواضح اثناء الأزمة ان المبادرة كانت في يد صدام حسين، الذي نجح في دق أسفين بين الولايات المتحدة وروسيا فيما واصل تصميمه على الحصول على جدول زمني من الأمم المتحدة لإنهاء التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل، وبالتالي رفع العقوبات الدولية عن العراق.

أثناء كتابتي هذا المقال أواسط آب أغسطس أوقفت حكومة صدام حسين التعاون مع المفتشين الدوليين، ورد مجلس الأمن على ذلك بإدانة ضعيفة، فيما كان رد الفعل الأميركي باهتاً الى درجة تثير الاستغراب. لقد خسر صدام حسين حرب الخليج لكنه يبدو حتى الآن وكأنه يربح "ام المعارك" الأخرى، أي بقاءه وبقاء نظام البعث.

والمرجح ان صدام حسين ونظام الرعب الذي اقامه في العراق سيصمد خلال السنة، بل السنين، المقبلة، متحدياً تمنيات الادارة الأميركية منذ حرب الخليج باطاحته على يد عسكري سني "مناسب".

وسيحتاج العراقيون العاديون زمناً طويلاً للتغلب على كارثتهم واستعادة السيطرة على مصيرهم، مثلما حاولوا في 1991 عندما ثاروا على صدام حسين بعد التشجيع من قبل ادارة الرئيس جورج بوش. ويؤكد صحافيون زاروا العراق ان الطبقة الوسطى وصلت الى حال لا سابق لها من الادقاع، ولا يُعرف الكثير عن وضع الطبقات الفقيرة، لكنه بالتأكيد أسوأ. وليس أمام غالبية العراقيين سوى التفتيش عما يكفي من الغذاء لأنفسهم وأطفالهم.

من هنا فإن كفاحهم لفترة ما سيكون من أجل البقاء وليس ضد صدام حسين. أما العراقيون المحظوظون في الخارج فيواجهون مشاكل من نوع آخر، تتعلق ببدء حياة جديدة في مجتمعات أجنبية لا تبدي احيانا كثيرة ترحيباً بهم.

عراق جديد

يحلم العراقيون الذين اتيحت لي مقابلتهم بعراق جديد يمكن فيه للجميع التعبير عن آرائهم والنقاش عن المجتمع والسياسة من دون خوف على حياتهم. ورأيتهم يحاولون استيعاب تاريخهم في الوقت الذي يتطلعون فيه الى مستقبل أفضل. وحوّل موقفهم تجاه كتابي وتجاهي عملية تأليف "شيعة العراق" من جهد اكاديمي الى تجربة شخصية مؤثرة وغنية.

وعندما أفكر بالتجربة أجد أنها كانت فرصة فريدة سمحت للمؤلف والقراء الاعتراف المتبادل بوجودهم. ووجدت في هذا ما عوّض عن انعدام موقف اكاديمي عراقي من الكتاب - وهو في أية حال ما لا تسمح به ظروف الشرق الأوسط الحالية. اتسمت اللقاءات مع القراء في حالات كثيرة بالخلو من الرسميات والتكلف، وكنت أخاطب الشيعة العراقيين بلهجتي العراقية اليهودية، وهو ما لم يكن يحـــصل في الماضي عندما كان يهود الـــعراق يحـــرصون على مخاطبة غير اليهود بلهجة المسلمين.

وكانت هناك لحظات اثناء اللقاءات سمحت فيها لنفسي باطلاق العنان لعواطفي. لكن روحيتي كمؤرخ جعلتني في الوقت نفسه أحرص على السيطرة على الذات والحفاظ على الموضوعية، سواء خلال مراحل تأليف الكتاب أو أثناء اللقاءات التي تلت نشره.

وفي النهاية، فأكثر ما وجدته مؤثراً في التجربة كان ان كتابي أتاح للعراقيين الشيعة فرصة للنظر في المرآة، ومن خلال ذلك الاعتراف بوجودي، ما جعل الكتاب ليس فقط رحلتهم الى الماضي، بل رحلتي أنا أيضاً.

- أستاذ تاريخ في جامعة برانديز الأميركية، وعضو مدرسة الدراسات التاريخية في معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستون الأميركية