موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 19:28 GMT - 2008/05/09

حال الطقس في 101 مدينة







تحليل اقتصادي - التوازن المطلوب بين التضخم والنمو

ميشال مرقص     الحياة     - 24/03/08//

يُشكّل التضخم أحد أهم مكوّنات الأزمة الاقتصادية العالمية. يرتبط بها كسببٍ يُثيرُ هلع المشرفين على سياسة النقد، في المصارف المركزية. والتضخم هو الوجه السلبي للنمو، وإن كان نتيجةً له بوجه ما. لذا تختارُ المصارف المركزية إمّا أن تفعّل النمو أو تلجم التضخم. ويكون خفضُ الفوائد الرئيسة عاملاً مساعداً للنمو، فيخفف العبء على الاستثمار ويُتيح تحركًا لرؤوس الأموال خارج نطاق القطاعات الاقتصادية التقليدية. لكن اعتماد فائدة قياسية فضلى مرتفعة، يجذب السيولة من الأسواق فتلجم الإنفاق المرتفع وتقلّص تمدّد التضخم وارتفاع معدلاته.

فالتضخم ينهش معدلات النمو الإسمية، وتطرح معدلاته من معدلات النمو بهدف بلوغ المعدّل الفعلي للأخير. لذا، يقضي على مفاعيل تحقيق نمو فعلي ويسقطُ الاقتصاد في ثقبٍ أسود يتآكل من داخل.

ولا يُعْزى التضخم إلى أسبابٍ داخلية فقط، بل هو «معولم»، تمتدُ أسبابه إلى جذورٍ خارجية وينتقلُ مثل الوباء. فالتبادل التجاري العالمي ينطوي على نتائج التضخم في الدول المنتجة والمصدّرة إلى البلدان المستوردة والمستهلكة. وأيّ تضخمٍ يحدثُ في بلدٍ منتج ومصدّر ينعكس على البلد المستورد. هذا الارتباط يدفع راهنًا إلى تغيير المعادلات التي ارتكز عليها الاقتصاد العالمي خلال اعوامٍ ماضية. خصوصًا أن مساحة انعكاسات الأزمة تُقارن بأهم الأزمات التي عرفها القرن العشرون، وبل تفوقها.

تغييرُ المعادلة يبدأ من الدول الناشئة. فقد استفادت سابقًا، الصينُ ودولٌ آسيوية من معدّل صرف عملتها بأقل من قيمتها الواقعية، بهدف حفز طلبٍ خارجيٍّ على منتجاتها وتنمية حركة التصدير. والدافعُ الأساس خاص باستخدام قوى العمل الوطني لديها، ومن أجل أن تُخفي عدم كفاية الطلب الداخلي. وسمحت هذه السياسة الإرادية ببلوغ نمو اقتصادي قوي من دون أن يكون لديها إلزام لتحقيق إصلاحاتٍ بنيوية داخلية، تُترجم بتطوير القطاع المالي أو قطاع الخدمة الاجتماعية. ومع اندماجها عميقًا في الاقتصاد العالمي، صدّرت آسيا الانكماش (على مستوى التضخم)، بفعل انخفاض أثمان منتجاتها الصنّاعية، وهو انخفاضٌ ارتبط بنمو الإنتاج وثبات معدلات الصرف تجاه الدولار. وتجاهلت البلدان الآسيوية الناشئة، الخصائص الدورية للنمو الاقتصادي. وتعوّد العالم المتلقي منتجاتٍ آسيوية، أهمها من الصين والهند، على النمط الاقتصادي الجديد، وتحوّلت منشآتٌ متعددة الجنسية لتستثمر في البلدان الآسيوية أو روسيا وأوروبا الشرقية، وبمئات الآلاف. واعتقد الأميركيون والأوروبيون بأن العالم دخل في نظامٍ اقتصاديٍّ جديد. وهم ضغطوا على السلطات الصينية من أجل أن تعيد تقويم اليوان أمام عملاتها.

أدى هذا النمط الاقتصادي الجديد، إلى ثبات معدلات التضخم في البلدان الغربية، باستثناء حصول ارتفاع طفيف في الأجور، وحقّقَ استقرارًا في بعض البلدان. لكن على الضفّةِ الثانية، تسبب بخسارة المنشآت الوطنية حصة من السوق، وأغلق بعض مواقع الإنتاج، ما عزّز موقع قوّة المستثمرين تجاه الأجراء. وفي النتيجة، سمح مستوى التضخم الضعيف الناتج من اندماج البلدان الناشئة في التجارة العالمية بعمق، بالاحتفاظ بالقدرة الشرائية، وساعد الأجراء أيضاً، على ان يتحمّلوا ما كان يُعرّف على أنه التوازن الجديد للإقتصاد. لكن ارتفاع أسعار المواد الأولية، ونمو الكتلة النقدية، أخلّ بهذا التوازن. فبعد 5 سنوات من نمو يزيد على 7 و 10 في المئة على التوالي، شهدت الهند والصين، تزايدًا في استهلاكهما للمواد الأولية، فبات يشكل ربع الاستهلاك العالمي. وارتفع الترابط – على سبيل المثال - بين الإنتاج الصناعي الصيني وسعر البترول، إلى 2 بدلاً من 0.8 في عام ألفين. وزيد إلى عامل التضخم، ارتفاع أسعار منتجات الغذاء، بعضها ظرفي مرتبط بعوامل مناخية أو صحية. والأثر المقرون بمنابع التضخم، في سياق النمو القوي للكتلة النقدية، يخيف من ضغوطٍ طويلة على الأسعار والأجور وثمن تكلفة الإنتاج.(ماتيلد لو موان – عضو الهيئة الاقتصادية الوطنية في فرنسا)

من الآن ستبدأ حركة رفع الأجور، في الصين، وزيد الأجر في المتوسط 30 في المئة في 2007، علمًا أنه لم يرتفع، وسطياً، في الأعوام الخمسة الماضية أكثر من 17 في المئة. ويمكن حركة زيادة الأجور ان تتوسع بسبب طلبات الأجراء، التي تتضمن تحسينات وتقديمات خاصة. ففي الأول من كانون الثاني (يناير) الماضي، بوشر بتنفيذ عقد عمل ينص على دفع أجور ساعات العمل الإضافية وتطبيق تغطية اجتماعية.

وخلال ندوة عقدها بنك فرنسا، في 7 آذار (مارس) الجاري، أعلن نائب حاكم البنك الشعبي الصيني يي غانغ، أن هذه الضغوط تلاحظ في سوق عمل المهرة والإختصاصيين، ويمكن أن تستمر لغاية 2010. ونتيجةً الارتفاع الأسعار، وتكاليف الإنتاج ، سترغم سلطات البلدان الناشئة على تركيز سياساتها الاقتصادية لامتصاص الضغوط التضخمية. وأعلن رئيس الوزراء الصيني وين جياباو انه سيترك اليوان يقوّم ذاته في شكل أسرع، مع الاستمرار في زيادة معدل الفائدة ورفع معدل الاحتياط الإلزامي. فإذا ارتد التضخم إلى الوراء، تردُّ أسعار التصدير الاعتبار لنفسها.

باتت البلدان الناشئة تصدّر التضخم، وأي انكماشٍ في معدّلاته يجب أن يأتي منها. ما لم تستعد اقتصادات البلدان المتقدمة عافيتها. مثل هذا التطور، وإن كان ظرفياً، يوجبُ إعادة استثمار طارئة، وأن تساعد البلدان المتقدمة القطاعات التي تحاول أن تستعيدها وتهيّئ لها إماكانات تحقيق القدرة التنافسية وتدعم إنتاجيتها بالاستثمار. ولأن الوضع الجديد يدفع بصورة مستمرة أسعار المواد الاستهلاكية إلى الارتفاع، يجب تسريع وضع سياسات صناعية أفقية، وهي سياساتٌ تقضي بدعم الابتكار وتأهيل الأجراء، وتنمية البنية التحتية للمنشآت المتوسطة والصغرى.

فهل يستطيع العالم أن يُعيد التوازن إلى اقتصاده؟











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group