وزارة الثقافة تحتج على القرار وتستنجد بالداخلية للتراجع عنه ... لبنان: الأمن العام يمنع فيلماً عن إيران
إبراهيم العريس الحياة - 27/03/08//
ما حاولته السلطات «الثقافية» الإيرانية العام الماضي خلال انعقاد مهرجان «كان» السينمائي، وفشلت فيه، نجح في لبنان، من دون أن نعرف إذا كان نجاحه تلقائياً، أو بتحريض من هذه السلطات. والموضوع هو فيلم «برسبوليس» للكاتبة والرسامة الإيرانية المقيمة في فرنسا مرجان ساترابي. ففي «كان» وما إن أعلن عن عرض الفيلم، يومها، حتى راحت السلطات الإيرانية تسعى لمنعه. ثم حين لاحت آفاق فوزه بجائزة من الجوائز، زادت حدة الانزعاج الرسمي الإيراني لينفجر هذا الانزعاج يوم إعلان فوز الفيلم – وعن جدارة كما أكد أهل السينما جميعاً – بثاني أكبر جوائز المهرجان. يومها ثارت ثائرة الإيرانيين فهددوا وتوعدوا ثم... هدأوا، فيما أكمل الفيلم طريقه، من بلد الى آخر، ومن مهرجان الى آخر، ومن نجاح الى نجاح، حتى كاد أن يحط رحاله أخيراً في بيروت، المدينة التي لم تعتد في الآونة الأخيرة أن تمنع أفلاماً أو كتباً أو أي إنتاج ثقافي. لكن حظ «برسبوليس» معها تبدى سيئاً، إذ أصدر الأمن العام قرار المنع في شكل مفاجئ ومن دون مقدمات، حيث أن مسؤولاً في وزارة الداخلية اللبنانية أعلن لوكالة «فرانس برس» منع عرض الفيلم، من دون أن يحدد سبب المنع. وأضافت الوكالة ان مصدراً حكومياً طلب عدم كشف عن اسمه قال لها إن الفيلم لم يرق للمدير العام للأمن العام اللواء وفيق جزيني القريب الى «حزب الله».
وأضاف المصدر «ان المدير العام للأمن العام معروف بعلاقته الوثيقة بـ «حزب الله» ولا يهمه أن يعرض عمل من هذا النوع لأن الفيلم يعطي صورة توحي بأن إيران ما بعد الشاه قد تكون أسوأ مما كانت عليه خلال عهد الشاه».
في المقابل ذكرت الوكالة ان بسام عيد مدير الإنتاج في شركة «أمبير» التي كان يفترض أن توزع هذا الفيلم، انتقد بشدة قرار الأمن العام. وقال: «إنه قرار سخيف، خصوصاً أن في الإمكان العثور في لبنان، خصوصاً في الضاحية الجنوبية لبيروت على نسخ لهذا الفيلم تباع بدولارين النسخة». وأضاف: «اشتريت نسختين من الضاحية الجنوبية ومن مخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين (قرب الضاحية الجنوبية) وسلمت إحداهما لوزير الثقافة طارق متري».
ودان وزير الثقافة اللبناني طارق متري منع الفيلم من العرض. وقال إنه أثار هذا الموضوع خلال جلسة مجلس الوزراء مساء أول من أمس، وطلب من وزير الداخلية حسن السبع المسؤول عن جهاز الأمن العام العمل على السماح بعرض الفيلم. وقال متري في تصريح لوكالة «فرانس برس»: «في العالم المعاصر لا يجوز منع عرض الأفلام ما لم يكن هناك سبب وجيه جداً لذلك». واعتبر أن «الأسباب الموجبة للرقابة في القانون هي عادة إثارة النعرات الطائفية والمس بالأخلاق العامة أو بهيبة الدولة أو الترويج الدعائي للعدو الصهيوني، وهذا ما لا ينطبق أبداً على الفيلم».
خطورة الأمر أن ليس في «برسبوليس» ما يبرر منعه، إذا أخذنا قوانين الرقابة اللبنانية في الاعتبار، فهو يخلو من الجنس، ومن الشؤون الدينية، بل حتى من السياسة المباشرة. انه يروي تجربة إنسانية لكاتبة وفنانة إيرانية عايشت ثورة الإمام الخميني وهي بعد طفلة فتحمست لها كما تحمس كثر في حينه، داخل إيران حيث كانت تعيش مع والديها المثقفين الليبراليين. ولكن عندما راحت الثورة تشتد وتقسو، وتولى بعض غلاتها زمام الامور، وبدأت تصفية الليبراليين واليساريين، هرّب والدا مرجان طفلتهما الى أوروبا حيث عاشت ودرست، لتحكي لاحقاً قصة حياتها في أربعة كتب بالشرائط المصورة، أثار صدورها ضجة قبل سنوات. وها هي تثير الآن ضجة بعد أن تحولت فيلماً بالرسوم المتحركة.
الفيلم إنتاج فرنسي، جيد الصنع يتميز بتقنية عالية وبروح خفيفة وحبكة مشغولة بذكاء، من دون مغالاة في التبرير أو الإدانة. ويغلب عليه طابع التجربة الإنسانية. وربما لأن مثل هذا التغليب يشكل خطراً ما بعده من خطر، حاولت السلطات الإيرانية وتحاول محاصرته في كل مكان. نعرف أن محاولاتها فشلت في بلدان عدة... لكننا بتنا نعرف اليوم ان هذه السلطات تمكنت أخيراً من أن تضرب الفيلم، هنا حيث يمكن أن تكون الضربة موجعة وحساسة، في لبنان، ومنع معرضه في عاصمته.
|