الاضطراب السياسي يهيمن على المشهد الثقافي العربي بين عام ينصرم وسنة مقبلة ... دمشق عاصمة للسنة 2008: طموحات المنظمين تعارض هواجس المثقفين
دمشق – ابراهيم حاج عبدي الحياة - 23/12/07//
من يقرأ التصريحات الصادرة عن منظمي احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008 يتولد لديه انطباع بأن دمشق، في هذه السنة، ستتحول إلى «سوق عكاظ» يتبارى في ساحاتها ومراكزها الثقافية وأزقتها، ليس فقط الشعراء، بل الكتّاب والنقاد والسينمائيون والمسرحيون والموسيقيون والروائيون والرسامون والنحاتون... الذين سيقدمون إبداعاتهم على الملأ لتغدو هذه السنة «استثنائية» على الصعيد الثقافي بحسب قول أمين عام الاحتفالية حنان قصاب حسن. فالهدف الأساس للاحتفالية، وفق المنظمين، هو «جعل الثقافة عاملاً أساسياً في استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لسورية». ولئن تساءل أحدهم أين هي المراكز والبنى التحتية التي يمكن أن تستوعب هذا الفيض الثقافي الموعود؟ فإن الجواب جاهز لدى منظمي الاحتفالية الذين عملوا على تأهيل فضاءات ثقافية جديدة بعد إطلاق مفهوم «الأمكنة البديلة». حتى أحد معامل «الكونسروة»، وسط دمشق، سيحتضن الأنشطة، ناهيك عن الملاجئ والحدائق والأنفاق... في محاولة لجعل الثقافة «قطوفا دانية» في متناول الجمهور العريض قبل النخبة.
 |
| قلب دمشق وفي الاطار شعار السنة الثقافية |
سيكون سهلاً على المثقف السوري أن يصدق مثل هذا الكلام، لو صاحبت هذه الحماسة مساع موازية يقوم بها المنظمون للإفراج عن أحد أهم مثقفي سورية القابع خلف القضبان ونقصد ميشيل كيلو كمثال ورمز لأقرانه وزملائه الآخرين. ذلك أن مبادرة من هذا النوع هي التي يمكن أن تمنح الاحتفالية «طابعاً استثنائياً تاريخياً»، في بلاد خلت من «مفاجآت ثقافية سارة»، ما خلا الأحاديث المنمقة الجميلة في وسائل الإعلام... بل أن أماني المثقف السوري تذهب أبعد من ذلك حين يتساءل: ماذا لو تمت «مصالحة ثقافية» عبر دعوة مثقفين سوريين منفيين مثل سليم بركات، صبحي حديدي، بشار العيسى وسواهم ممن رفعوا لواء الثقافة السورية، عالياً، من دون انتظار «العطايا والهبات» التي تغدق على «المثقفين الرسميين»، بدلاً من دعوة إيزابيل الليندي ونعوم تشومسكي وديبورا وورنر... وغيرهم ممن سيساهمون في إعطاء الاحتفالية زخماً، بلا شك. غير أن الاستنتاج سيكون قاسياً ومريراً إذا عقدنا، على محمل بريء، المقارنة التالية: لماذا نحتفي بمن يعارض سياسة بلاده (نعوم تشومسكي)، بينما، في بلادنا، نعتقل وننفي من لم يفعل أبعد مما فعله الأخير؟
إن هواجس مثل هذه تبدد الكثير من الآمال، والواقع أن الجهات الرسمية المعنية لم تتأخر في تأكيد هذه المخاوف. فمع أن برنامج الاحتفالية يقول بالحرف: «تشكل دمشق، وسورية كلها، حالة استثنائية في العالم بسبب التنوع العرقي والديني على أرضها. وستعمل احتفالية دمشق على أن تبرز هذه الخصوصية وتجلياتها على المستوى الثقافي من خلال فعاليات تبيّن تضافر الفنون العربية والشركسية والأرمنية والكردية...». إلا أن القرار الحكومي الذي صدر أخيراً، والقاضي بتعريب أسماء المحال والفنادق والمطاعم والمؤسسات السياحية جاء ليقوّض، منذ البداية، هذا الهدف، ويكرس ثقافة ذات لون واحد باهت، لا سيما ان أصحاب القرار برروا هذا الإجراء استناداً إلى أن دمشق ستكون عاصمة للثقافة العربية، واعتبار أن «العربية هي اللغة الرسمية لسورية»، والغاية «إظهار مدينة دمشق بحلتها العربية الأصيلة». وذكّر القرار القائمين على المدارس الأميركية والفرنسية والباكستانية بضرورة التقيد بقانون سابق يقضي بوجوب تدريس أربع مواد تتناول التاريخ والجغرافيا واللغة العربية و»التربية الوطنية» للسوريين المسجلين في هذه المدارس. وإذا عدنا إلى الوراء سنكتشف أن ثمة قراراً يرجع إلى العام 1964 تمنع وزارة الثقافة بموجبه حاملي الجنسية السورية دون السن الثامنة عشرة تعلم اللغات الأجنبية في المراكز الثقافية الأجنبية.
ملاحظات وانتقادات
لعل ما سبق لا يعدو كونه ترجمة لما يدور في أذهان المثقفين السوريين من ملاحظات وانتقادات لواقع الثقافة السورية طالما عبروا عنها في كتاباتهم. الصحافي والروائي خليل صويلح لا يرى في هذه الاحتفالية «حدثاً طارئاً، ونادراً»، فقد سبقت دمشق، التي ستسلم «راية الثقافة السنوية» إلى القدس في مطلع عام 2009، عواصم عربية بينها القاهرة والرياض وبيروت والكويت والجزائر... لذلك «ينبغي ألا نحمّل الحدث أكثر مما يحتمل، إذ لم يبق من هذه النشاطات سوى شعاري الافتتاح والاختتام».
ويعترض صويلح على هذا «الاحتفاء العابر بالثقافة»، معرباً عن أمانيه في أن تلغي هذه الاحتفالية «مفهوم ثقافة المواسم، وتؤسس بنية تحتية للثقافة السورية بعد أن اهترأ كل شيء، وان تستقطب ثقافة سورية مختلفة تدير ظهرها لثقافة الماضي». ويضيف صويلح بنبرة أليمة: «منذ أربعة عقود نتجول بين أربعة أو خمسة أماكن ثقافية في دمشق حتى حفظنا ألوان الشبابيك والأبواب والجدران وشكل النقوش، وتصاميم الممرات، وهذه المناسبة فرصة لترميم ما تبقى من هيكل الثقافة السورية».
الروائية سمر يزبك، بدورها، لم تخفِ تشاؤمها إزاء ما يحدث، فثمة «شيء مبهم وغامض»، ولئن شعرتْ ببعض التفاؤل، في البداية، غير أن تجربتها مع منظمي الاحتفالية بددت الأمل بأن «توظف هذه الاحتفالية لتنشيط دور الثقافة المعطل منذ عقود طويلة. فقد اتفقتُ مع المنظمين، وبالتعاون مع رانيا سمارة، على إعداد (وتقديم) برنامج تلفزيوني ثقافي ضخم لمصلحة الاحتفالية، غير أن المشروع لم يرَ النور لأسباب رقابية وإدارية بيروقراطية». ورأت يزبك أن «خير دليل على ما أقول هو انسحاب الكثير من المثقفين السوريين من المشاركة في الفعاليات»، معتبرة أن ذلك «يدعو إلى القلق». وأشارت إلى «افتقار دمشق للبنى التحتية للثقافة، وكأن الثقافة كانت، خلال العقود الماضية، ترفاً لا يحق لنا أن نحلم به»، داعية إلى «ثقافة حرة مستقلة تحرك هذا الركود الثقافي الذي نعيشه، في وقت يبذلون الأموال بسخاء لأغراض سياحية دعائية فجة، يبخلون بها على دعم المشاريع الثقافية الحقيقية».
ومن حيث انتهت يزبك بدأ الشاعر عادل محمود كلامه، معترفاً بأنه ليس خبيراً في الاقتصاد «لكنني واثق من أن في بلادي مستودعات من العملة لا لزوم لها يمكن أن تصرف بسخاء على هذه الاحتفالية من دون أن يؤثر ذلك في الاقتصاد الوطني». وانتقد محمود الآلية التي اتبعت في التحضير للاحتفالية: «كنت أتوقع أن يدعى عدد كبير من المثقفين إلى مكلمة عامة (ورشة نقاش) لعدد من الأيام تطرح خلالها الآراء والمقترحات، وكان من شأن هذا التوجه أن ينتج حلولاً لمشكلات، واقتراحات لفعاليات، بدلاً من المجالس واللجان التي تنتقي الأسماء والأنشطة وفق معايير ليست إبداعية، والدليل أن عدداً من المهتمين، حقاً، بالشأن الثقافي انسحب من تلك اللجان».
وركز محمود على «وضع تصورات مسبقة عما نرجوه من هذه المناسبة»، محذراً من الاهتمام بـ «المظاهر التي تنطوي على كثير من الدعاية وقليل من الثقافة». وعلى رغم هذا التحذير لم يشأ محمود إخفاء ما يعتمل في داخله، متوقعاً أن تكون «حصة الفعاليات المشهدية الإعلامية أكبر» معتقداً بأن «حضور المطربين والمطربات سيطغى على الملامح الأساسية المكونة للثقافة السورية في شكل عام، ولمدينة دمشق في شكل خاص». وخلص إلى القول «لن تنجح الاحتفالية في إظهار العمق الثقافي والحضاري لدمشق في الشكل الذي نطمح إليه».
|