موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 19:26 GMT - 2008/05/09

حال الطقس في 101 مدينة







لعبة المرايا

فجر يعقوب     الحياة     - 24/03/08//

تقترح الباحثة الأميركية في مجال الأطفال والأسرة ماري وين تعريفاً للغشية التلفزيونية هو التحديق المحموم في الشاشة الصغيرة مع ارتخاء في الفك السفلي يرافقه نوع من الانقطاع عن الإحساس بالعالم المحيط. وبالطبع يمكن التكهن بأن هذه الغشية لا تحدث إلا في مجتمعات تعاني من التخمة التلفزيوينة في كل شيء، والسؤال الذي يفرض نفسه تلقائياً، هل نحن معرضون لهذه الغشية.

من حيث المبدأ تبدو محطات عربية كثيرة وكأنها محاكاة لبعض المحطات العالمية في تبنيها الكثير من البرامج الحوارية التي تخضع هنا للتعريب واعادة مسمياتها بما يتناسب مع لغة الضاد وأهلها. وليس هناك ما هو أدهى من أن تستنسخ الأفكار التلفزيونية بعضها البعض بطريقة فيها الكثير من التهريج بحيث تفقد أصالتها وجدتها. فمثلا بات سهلا على المرء أن يجد عبر تقليب بعض المحطات اعلاناً عن البيتزا يحاكي بطريقة إعداده برنامجاً حوارياً شهيراً، ففيما يقدم هذا البرنامج شخصين يتنازعان الرأي، يبرز بينهما مذيع قد لا يتوانى عن شد شعر رأسه لإبقاء الضيفين في الاستوديو اذا ما حمي الوطيس واشتد النقاش بينهما درجة قد يصبح المشاهد معها عرضة لارتخاء الفك السفلي. فها هنا ثمة ما يستثير غرائزه ويبقيه أسير مجلسه الوثير. ولكن الأمور لا تقف هنا، فبوسع المتفرج، أكان حصيفاً أم لا أن يكون شاهداً من زاوية أخرى على إعلان عن البيتزا الفاخرة بعنوان «الطعم والطعم المعاكس»، وفيه ضيفان جائعان يذهب كل منهما إلى البيتزا التي يحب وينتصر لها، وكأنه ينتصر لقضية حاسمة قد يتقرر معها مصير الكون نفسه.

يفهم المرء الحصيف هنا أنها لعبة تلفزيونية لانهاية لها. تماماً مثل لعبة المرايا التي يمكنها أن تعكس كل شيء، وأن تمتص كل شيء، فيصبح الشخصان الجائعان هنا على درجة عالية من الأهمية قد لا تقل عن أهمية «المحللين الاستراتيجيين» الذين مروا من قبل في برنامج يفترض أنه حواري ورزين ويدفع باتجاه التأكيد على أهمية الرأي والرأي الآخر بما يعزز هوامش الاتفاق والاختلاف. فهما دعيا أصلاً من أجل أن يختلفا، لا أن يتبادلا الشتائم والإهانات على مرأى من المشاهدين. وقد يبدو غريباً بالفعل أن يمر المقدم في إعلان خاص ببرنامجه بين تمثالين لرجلين يبدوان على درجة عالية من الحكمة، وهما بوسعهما من مكانيهما القائمين على سقالات حديدية، وكأنهما في طور بناء أفكار لا هدمها، أن يتسابقا إلى التأمل والرصانة قبل إعطاء رأي ورأي معاكس، فيما يظهر معظم الضيوف أقرب في سلوكهم بالتباري إلى الخصمين اللذين يتنازعان بشراهة طعم البيتزا وطعمها المرتد عنها في بيتزا من نوع مختلف.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group