التحرر من احتلال التاريخ

سمير الزبن | الإثنين 17 تموز 2017



في العالم العربي الحديث، تبدو العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل غير متوازنة وإشكالية، وهي تميل إلى الماضي وتجعل منه المعيار الأمثل الذي يجب اتباعه. ولأن الماضي لا يجيب عن أسئلة الحاضر والمستقبل ويبقى أسير معطياته، فإن اعتماده كمرجع مطلق يخلق حالة انفصام بين السلوك العملي وتبريره النظري، وبذلك يصبح السلوك متناقضاً مع الإطار النظري، فالتعامل مع الحياة المدنية يحتاج إلى الانخراط في معطياتها، وهذا الانخراط الذي لا يمكن الماضي أن يفسره يصبح حياة محجوبة عن الإطار النظري التبريري المتناقض مع السلوك.

هذا الشرخ بين الادعاء بالتمسك بالسلوك الأمثل للمجتمع الذي ظهر في صدر الإسلام، والسلوك العملي المنغمس تماماً برذيلة الواقع القائم، يجد تفــسيره في الثقل الذي تقبع تحته المجتمعات العربية، إنه ثقل التاريخ.

أعتقد أن ثقل التاريخ أحد الأسباب الرئيسية للإخفاق العربي، وعدم تفكيك التاريخ الثقيل الذي يرزح تحته، وعدم القطيعة معه ووضعه في إطاره الزمني، على قاعدة أن حلول الماضي لا تحل إشكاليات الحاضر والمستقبل، وأن استيرادها عبر الزمن تعقيد إضافي لحياة المجتمعات العربية، تعمّق جراحه وتجعله يدور في حلقة مفرغة لا يمكن الخروج منها.

هذا ما نجده في العلاقة المتأزمة مع الغرب أيضاً، فالعربي لا يستطيع أن يرى صورته الحقيقية، من خلال واقعه القائم، وهي صورة غير مشرفة على الإطلاق، لواقع الضعف وفقدان الوزن، واختلال المجتمعات الخ...، إنما يريد أن يرى صورته الأكثر إشراقاً التي أفرزها يوماً التاريخ العربي في لحظة من لحظاته المنقضية. إنه يحتاج هذه الصورة لتعويض معنوي عما يعاني منه الواقع العربي. يجد العربي نفسه بين ذروتين، لكنه يقبع بين هاتين الذروتين في قعر الوادي، ذروة الحداثة والتقدم الغربي الذي لا يستــــطيع الوصول إليه، وذروة التاريخ الإسلامي الذي لا يمكن استعادته بصفته صورة معنوية له. ولابتعاد هاتين الذروتين، ولاستمرار ابتعادهما، يجد العربي نفسه يعيد إنتاج إخفاقاته في كل مرة بصورة أعمق من السابق.

المفارقة، أنه كلما تعمق المأزق ازداد التمسك بصورة الماضي، وهذا ما نجده في المد الأصولي الذي يخترق العالم العربي الذي يتوسع في الإطار الشعبي، وهذا السلوك يساعد البشر على الإقرار بأن واقعهم «امتحان» من إرادة عليا لا يمكن مقاومتها إلا بالالتزام بأصول الماضي الطقوسية، ما ينتج حالة شلل تلغي كل فاعلية ممكنة. فهناك ماضٍ فقدناه، ولا يمكن استعادته، فلنحاول التقرب منه على الأقل بالتعبد، هذا لسان حال قطاعات متزايدة في العالم العربي تعاني من القتل والتهميش والفقر والإذلال.

لا ينقذ التاريخُ الثقيل المستقبلَ، بقدر ما يخنقه، فمن يبحث عن أجوبة هناك في الماضي، يبقى هناك من دون الوصول إلى هناك بالمعنى الفعلي، ومن دون البقاء في الحاضر وصناعة المستقبل. يبقى هنا، يندب حظه العاثر على زمن لم يعشه، ولا يعمل على صناعة مستقبله الذي يشكل الإمكان الوحيد لإنجاز حياة أفضل.

 

 

* كاتب فلسطيني.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.