أسوأ من الاغتصاب

منذر فؤاد (تعز- اليمن) | الأحد 27 آب 2017



خلال الفترة القصيرة الماضية، نفّذت سلطات الانقلاب في اليمن الحكم بإعدام كل من مغتصب الطفلة رنا المطري، ابنة الثلاث سنوات، ومغتصب الطفلة صفاء المطري ابنة الخمس سنوات. ولاقى الحكمان ترحيباً كبيراً في أوساط اليمنيين جميعاً، وهم الذين لم يعتادوا على جرائم مدوية كهذه. وبينما تحدث كثيرون بأسى عن وجود ملموس لمؤسسات الدولة في صنعاء، التي تخضع للانقلاب، وغياب عمل هذه المؤسسات، في بعض المناطق التابعة للشرعية، في مفارقة تعكس رغبة شعبية حقيقية بضرورة تفعيل مؤسسات الدولة، بما يكفل أداء مهمتها بعيداً من أي عوائق تحول دون ذلك وهي رسالة إلى الشرعية بضرورة إعطاء الأولوية لتفعيل هذه المؤسسات.

استغل بعضهم حادثة القصاص في صنعاء بشكل مقزّز، وذهب للحديث عن عدالة سلطة الميليشيا الإنقلابية، كما لو أنها سلطة شرعية لا إنقلابية، تمردت على مؤسسات الدولة، منذ أول يوم لدخولها العاصمة صنعاء في أيلول (سبتمبر) من عام 2014، وعملت على تعطيلها في شكل مقصود.

لا يوجد أسوأ من جريمة الاغتصاب وغيرها من الجرائم، إلا اغتصاب الحوثيين الدولة ومؤسساتها بمساعدة المخلوع علي عبدالله صالح. هو أسوأ اغتصاب في تاريخ اليمن على مر التاريخ، كونه شرعن سلطة اللادولة والتصرفات الفردية، التي سوّقها الانقلابيون إلى بقية المحافظات خلال اجتياحهم لها، وضربوا بهيبة الدولة عرض حائط أطماعهم ومصالحهم الشخصية.

لقد مارست ميليشيات الحوثي وصالح ما هو أشد سوءاً من جريمة الاغتصاب، من قتل آلاف الأبرياء وتدمير منازلهم وتهجيرهم، وصولاً إلى جرائم الاغتصاب ذاتها، والخطف المتعمد لفتيات لغرض الضغط والابتزاز، أو الزواج القسري من دون موافقة أولياء أمورهن في مناطق سيطرتها، ومع ذلك لم يتجرأ أحد على رفع دعاوى قضائية ضد هذه الجرائم في مناطق سيطرة الميليشيات، كون أفرادها هم المسؤولون عن هذه الجرائم.

في7 أيار (مايو) الماضي، وبينما كانت إحدى الفتيات تتجهز لتعيش أجمل لحظات حياتها، في العاصمة صنعاء، أطلق مسلحون حوثيون النار عليها في يوم زفافها، وأصابوها إصابة بالغة، توفيت على إثرها في اليوم التالي في أحد المشافي، في جريمة هزت الشارع اليمني، ولم يهتز لها ضمير من يحكمون صنعاء، وكان رد فعلهم أن تملصوا من الجريمة واعتقلوا الشاب الذي كان من المقرر أن تزف إليه الفتاة، بتهمة إطلاقه النار عليهم.

الميليشيات التي قتلت الشاب عمران الفقيه أمام والدته وزوجته وأبنائه، بدم بارد، في مدينة إب جنوب اليمن، في حزيران (يونيو) الماضي، ولم تكترث لمشاعرهم جميعاً، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تصبح بين عشية وضحاها رمزاً للعدالة وتطبيق القانون. ومن ينسى التاريخ الأسود للميليشيات، لا يحق له الحديث عن حاضرها. كما لا يمكن لقضية عادلة أن تستثمر لطمر الآلاف من القضايا العادلة أيضاً.

غياب الوازع الديني والأخلاقي، الذي يعاني منه من يرتكبون مثل هذه الجرائم، لم يكن ليتسع ويتحول إلى حالة آخذة بالانتشار والتفشي، لولا غياب مؤسسات الدولة التي تقع على عاتقها مسؤولية أمن المجتمع وسلامته وحمايته مما يكدر صفوه ويهدد سكينته. وهذه المؤسسات تعمدت الميليشيات القضاء عليها وتحويلها إلى مبانٍ خاوية على عروشها، أو أماكن لتعزيز سلطتها، والتضييق على المواطنين.

قيام الانقلابيين بالقصاص العادل، في ما يخص جريمة الاغتصاب، كان متوقعاً، في ظل وجود ضغوط قبلية عجلت تتفيذ القصاص، وهذا لن يجعلهم حماة العدالة بأي حال من الأحوال. سيبقى الحوثيون وحليفهم صالح مجرد عصابة إجرامية عاثت في الأرض فساداً ومارست ما هو أسوأ من حالة اغتصاب فردية. لقد اغتصبت وطناً بكامله.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.