أطفال أم وقود حروب؟

مؤيد رشيد | الأحد 27 آب 2017



قبل أكثر من ثلاث سنوات أطلقت الأمم المتحدة حملة بعنوان «أطفال لا جنود». لكن الحملة لم تتجاوز على أرض الواقع حدود المؤتمرات والصفحات التي كُتبت عنها والتي كانت زاخرة بشواهد امتهان الطفولة حول العالم، خصوصاً في المناطق التي سادت فيها الصراعات المسلحة بديلاً عن الفكر، واغتالت رصاصة انطلقت من فوهة بندقية براءة الطفولة وكل أساليب الحوار المتحضر.

لكن هذه الحملة، وغيرها الكثير، لم تتعد رصداً لهذه الظاهرة «النكبة» في أماكن حدوثها. ولم تقدم المنظمة الأممية شيئاً ملموساً، لأسباب مرتبطة بالنظام العالمي الجديد، ورؤيته لخلق عالم مضطرب، من خلال نظريات ابتُدعت منذ أكثر من عقدين من الزمان، ونشاهد تداعيات تطبيقاتها اليوم على واقع مأسوف عليه ومُدان.

لقد اكتفت الأمم المتحدة بالشجب والإدانة، وطبعاً «القلق»، ولا تعليق.

في تقرير من 61 صفحة للأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون مؤرخ في 20 نيسان (أبريل) 2016 بعنوان «الأطفال والنزاع المسلح»، يتبين أنه مع توسع دائرة الحروب يسجل الضحايا من الأطفال أرقاماً مفجعة في مناطق الصراع. وتتزايد معدلات تجنيد الأطفال في العديد من الدول العربية مع تصاعد حدة الصراعات. وتؤكد «اليونسيف» أن كل أطراف النزاع في بلدان الصراعات، ليبيا واليمن والعراق وسورية، يتم تجنيد الأطفال فيها، حيث تستخدم الإناث، سواء في الأعمال المنزلية، أو كـ «إماء» - وفق التقرير - والذكور كحمّالين ومستطلعين وطهاة أو دروع بشرية لمرة واحدة، أو تحويلهم جنوداً في الحروب.

وتؤدي مشاركة الأطفال في المعارك إلى آثار مدمرة على صحتهم النفسية والجسدية، ما ينتج منه صعوبات بالغة التعقيد في عملية إعادة دمجهم مجتمعياً.

في نهاية شهر نيسان(ابريل) 2016 تم إنتاج فيديو من جانب شركة «الباسيج» الفنية، وهي واحدة من الأذرع الإعلامية لميليشيا «الباسيج» الرديفة للحرس الثوري الإيراني، عرضه التلفزيون الايراني ليروج ويدعو الأطفال الايرانيين الى الانخراط في الميليشيات للمشاركة في القتال. ويظهر فيه أطفال يحملون السلاح وهم يرددون أغنية بعنوان «شهداء يدافعون عن الأضرحة المقدسة» وإنهم مستعدون للتضحية بأرواحهم في العراق وسورية واليمن.

وقبل فترة أنتجت قيادة ميليشيات «الحشد الشعبي»، الذراع العسكرية لإيران في العراق، فيديو يتضمن مشاهد أخرى لتدريب الأطفال على القتال وحمل السلاح، وهي جريمة تتكرر الى حد أنها باتت مألوفة. ففي اليمن يفرض وكلاء ايران على بعض الأُسر إرسال شخص للتطوع في القتال قسراً، ولا يهم إن كان طفلاً.

يعود تاريخ استخدام الأطفال في الحروب والصراعات في تاريخنا الحديث الى الحرب العراقية الإيرانية، حيث أرسل الإيرانيون الآلاف منهم الى جبهات القتال كمتطوعين في صفوف الحرس الثوري، ووقع المئات منهم في الأسر، وأُفرِجَ عنهم حينها من جانب السلطات العراقية، بعد إبلاغ المنظمات الدولية والإنسانية والصليب الأحمر بهذه الجريمة ليكون العالم شاهداً عليها.

كما استخدم تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» و «داعش» وكل الميليشيات الجهادية المنضوية تحت عباءة الإسلام السياسي في بلدان الصراع، الأطفال في حروبهم واستغلوهم أبشع استغلال. وهذا مما لا شك فيه فكر عليل ومنحرف لم نألفه في مجتمعاتنا الخليجية والعربية، وحتى في نضالنا وسعينا لأجل التحرر والاستقلال الوطني.

لقد طال سكوت المنظمات الحقوقية والإنسانية وكل العالم عن هذه الجريمة ولم يتعد تدخلها حدود الكلام والاستنكار، وطبعاً «القَلَق»، كما هي حال الأمم المتحدة التي كانت «قَلِقةً» دوماً عبر تاريخها.

إنَّ عمر الظلم والمعاناة نتيجة الإرهاب طويل يكاد يكون بلا نهاية، مهما قصرت مدته، من خلال آثاره النفسية والجسدية، لكن لا يشعر بوطأته سوى المظلومين والمقهورين.

إن كل من ساهم في دعم الإرهاب وتمويله من حولنا، من أفراد أو تنظيمات أو جماعات أو أنظمة، يتحمل المسؤولية التاريخية لهذا الفعل المُشين بحق الطفولة والإنسانية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.