الغزيون رهائن السلطة و «حماس» ؟

رمزي نادر | الأحد 27 آب 2017



أي لقاء فلسطيني، من أي جهة أو أي طرف، سيؤدي إلى تغيير في الوضع القائم، كما سيغير الواقع المعيش ويصب في خانة إعادة بناء العلاقات الفلسطينية الوطنية على أسس التكامل والتشارك، بما يخدم الوطن والشعب، وهو أمر مرحب به ويجب دعمه وتعزيز فرص نجاحه، ولا أعتقد بأن مثل هذه اللقاءات أو المبادرات أو الزيارات يشكل عامل قلق أو يلقى رفض النائب محمد دحلان، بل على العكس من ذلك، كما فهمنا من تعقيب القيادي سمير المشهراوي بعد التفاهمات، أن الغاية الأساسية هي الوصول الى شراكة كاملة على مستوى العلاقات الوطنية الداخلية وتجاوز الماضي من أجل البناء للمستقبل. وعليه نأمل بحراك متواصل من كل القوى والشخصيات وتكرار زيارة الوزير الشاعر، لعل وعسى.

هروب بعض القوى والفصائل من تحمّل المسؤولية، واستمرارها في المناورة في مساحة الحفاظ على الذات والمصالح الشخصية، سيزيدان من الهوة بينها وبين الشارع وتآكل رصيدها الذي شارف على النفاذ، فما يعيشه شعبنا من واقع مترد لم يعد يقبل أنصاف الحلول والمواقف. ومحاولة الاستفادة من هنا شيء ومن هناك شيء لإبقاء شعرة معاوية والقول بأننا لسنا طرفاً في حدث معين لا يعفي من المسؤولية الوطنية والمجتمعية.

نفي أطر «فتح» التي تعتبر نفسها رسمية، إجراءها أي لقاءات شاركت فيها من أجل المصالحة المجتمعية هو حقيقي وفي محله، لكن غير الحقيقي والذي ليس في محله إصرارها على القول إنها تمثل «فتح» وإنكارها الواقع على الأرض. فهذه الأطر تمثل إفرازات مؤتمر المقاطعة ونتائجه من خلال إقصاء معظم كوادر الحركة وقياداتها، لذلك هي تعكس رؤية هذا المؤتمر ومن فيه، لكنها لا تعكس رؤية القاعدة، وعلى من يرغب في معرفة من يمثل «فتح» بشكل فعلي ويستطيع عكس إرادة جماهيرها ولديه القدرة على حشدها النزول الى القواعد والتشابك مع الشارع، ومن يفعل هو الذي لديه الحق بالحديث عن «فتح». ومن يرى حجم النشاط والقدرة التنظيمية لما يسمى «تيار دحلان» في غزة ومخيمات الضفة والقدس يعلم جيداً من بيده الزمام والالتفاف من الجماهير حول منهجه. وهنا أستغرب أن يحصر أنصار دحلان أنفسهم في مسمى تيار واستخدامهم هذا التوصيف على رغم كل ما يملكونه من دعم ومساندة جماهيرية.

المصالحة المجتمعية سترى النور، على رغم كل الضغط الذي يمارس لعرقلة مسارها، ليس لأن دحلان وفريقه يرغبان في إتمامها، لكن لأن الشارع في غزة وصل إلى حد لم يعد يحتمل الواقع الموجود ولديه رغبة حقيقية في فتح أي طاقة نور، ولأنه لم ير قبل ذلك جدية من أي طرف آخر تعكس الرغبة في تغيير هذا الواقع.

بعد حوادث 2007 وقعت السلطة بقرار من الرئيس محمود عباس في خطأ استراتيجي بطلبها من موظفيها عدم الاستمرار في مواقعهم ووظائفهم والجلوس أملاً بالضغط على «حماس» التي قامت بدورها ببناء جهاز إداري كامل استوعب أكثر من 40 ألف موظف يعتبرون الآن عقبة حقيقية في طريق إتمام أي مصالحة من وجهة نظر السلطة، والآن تقوم السلطة بارتكاب الخطأ نفسه على حساب موظفيها وبذريعة انهم ليسوا على رأس عملهم، من خلال إحالتهم على التقاعد المبكر وبالحجة نفسها، للضغط على «حماس»، لكن هذه المرة سيكون ثمن هذا الخطأ أكثر فداحة لأن هذا يعني أن السلطة تفصل نفسها عن قطاع غزة بشكل كامل، حيث إن همزة الوصل الوحيدة بينها وبين القطاع هي هؤلاء الموظفون الذين تقوم بتصفيتهم بشكل مستمر وبحجج وذرائع مختلفة.

لطالما اعتبرت السلطة أن «حماس» تأخذ الشعب الفلسطيني رهائن لمشروعها، وتغنت بمعاناتهم التي تسببت بها الحركة، ولم تترك مناسبة إلا وأوضحت فيها حجم هذه المعاناة، والآن تريد السلطة من الناس مواجهة «حماس» من خلال إجراءات الضغط التي تمارسها عليهم، بقطع الكهرباء ووقف التحويلات والأدوية والخصم من رواتب الموظفين وإحالتهم للتقاعد وغيرها من إجراءات، ليصبح الناس رهائن السلطة و «حماس»، على رغم أن الطريق الأقصر هو صياغة برنامج وطني جامع يحافظ على مصالح الناس والوطن، والبحث عن سبيل لدفع الجميع نحو مربع وطني واحد والدخول في حالة مصالحة شاملة بعيداً من لغة ترحيل المسؤوليات وادعاء البراءة، فالمواطن لم يعد يتحمّل أو يقبل أن يكون هو كبش المحرقة أو يرضى بأعذار التهرّب من المسؤولية.

لم نعد في حاجة للسولار المصري الذي لولاه لتحولت غزة الى جحيم لا يطاق، بعد تسريبات عن قرار خفض سعر البنزين والسولار الآتي من دولة الاحتلال ليعادل سعر المصري. قرار عظيم نتمنى أن يطبق وأن تكون حالة الندم والاعتراف بخطأ الإجراءات التي اتخذت تجاه غزة أمراً حقيقياً سيرى نتائجه الناس على أرض الواقع. وهذا لن يزعج أصحاب التفاهمات لأن الغرض منها هو إخراج الناس من المعاناة التي أوقعتهم فيها إجراءات السلطة، بل على العكس سيعتبر أصحاب التفاهمات أن غاياتها نجحت، وهي التخفيف عن المواطن الواقع بين المطرقة والسندان.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.