أبعاد سياسية تونسية في مسألة الميراث

شوقي العلوي (تونس) | الأحد 03 أيلول 2017



أطلق الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، في الذكرى الحادية والستين لسنّ قانون الأحوال الشخصية، مبادرة سياسية مدوّية تجاوزت ارتداداتها الحدود التونسية، وتمثّلت في الدعوة إلى النظر في الصيغ الكفيلة بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، بما يحقّق المعادلة المستعصية بين مقتضيات النصّ المقدّس وتطلعات جزء من النخب والقطاعات النسائية المنادية بالمساواة التامة بين الجنسين. وشكّل السبسي لجنة من الخبراء المدنيين كلّفها استنباط تلك الصيغة السحرية. ولا يخفى على أحد أن الإقدام على هذه المبادرة ينطوي على أخطار كبرى، نظراً الى حساسية المسألة في بعدها الديني. فما الذي جعل الرئيس السبسي، المعروف بدهائه وحنكته، يقدم على ذلك؟

يتميّز السياق السياسي المحلّي والدولي الذي وردت فيه المبادرة بعدد من المتغيرات. فعلى الصعيد الداخلي تستعد تونس لخوض أول انتخابات بلدية منذ 14 كانون الثاني(يناير) 2011، في ظلّ مشهد سياسي منخرم التوازن بين حركة النهضة الإسلامية التي استطاعت على رغم الأعاصير الداخلية والخارجية المحافظة على الأدنى من التماسك والحضور والانضباط وأحزاب سياسية أخرى يفوق عددها المئتين، وتتوزع بين مندثرة وضعيفة ومتشظية. كما تلوح في الأفق بدايات التبارز على رئاسة الجمهورية في انتخابات 2019.

وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي تتميز المرحلة بانحسار الإسلام السياسي بمختلف تعبيراته، بدءاً بانكسارات «داعش» في قلاعها الأصلية في العراق وسورية أو حتى في ليبيا وغيرها، وصولاً الى تغيّر الاستراتيجيات الغربية في شأن حركات «الإسلام السياسي المعتدل»، متمثلاً في تنوعاته «الإخوانيّة». وقد أخذ هذا التغيّر في التشكّل بوضوح منذ وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة في واشنطن.

على هذه الخلفية المتحركة، ألقى رئيس الجمهورية بمبادرته السياسية سعياً الى تحقيق جملة من الأهداف السياسية المحضة.

داخلياً، يهدف الرئيس إلى استعادة زمام المبادرة والزعامة، بعد أن خطف منه رئيس الحكومة الأضواء بحملته على الفساد، وبعد محاولات شيخ النهضة التموقع لمنافسات 2019 بدعوة الشاهد إلى إعلان التحلّل من المشاركة فيها والانقطاع إلى الشأن التنموي.

ومن هذا المنظور يشير الرئيس إلى أنه صاحب مشروع طويل الأمد قد يتطلّب تحقيقه البقاء إلى ما بعد 2019، إذا ما سمح العمر بذلك. وإذا ما لم يسمح فإنه ينشد الدخول الى تاريخ تونس من باب الكبار، وهو المهووس ببورقيبة الذي رضع السياسة منه.

وعلى مدى أقرب، تشكّل المبادرة مؤشّراً آخر الى تشقق التحالف بين الشيخين قائد السبسي والغنوشي، وبالتالي بين حزبي «النهضة» و «نداء تونس». وقد أوقع الرئيس النهضة في مصيدة ستترك فيها بعضاً من ريشها لا محالة. فإن هي رفضتها، وهو الأرجح بناء على الحساسية الدينية للمسألة، تكون كشفت عن وجهها اللاحداثي الذي تحاول إخفاءه منذ مؤتمرها العاشر لعام 2016 وخسرت جانباً لا يستهان به من المخزون الانتخابي النسائي الذي تسعى الى كسبه. أما إذا هادنت ولطّفت من ردّ فعلها فهي ستخسر المزيد من قواعدها المتململة أصلاً من نعومتها المستجدّة ومن تحالفها مع الرئيس و «النداء».

كما يسعى الرئيس الى استعادة قاعدته الانتخابية النسائية التي ابتعدت عنه جرّاء تحالفه مع «النهضة». وهي قاعدة محدّدة كانت أوصلته إلى كرسيّ الرئاسة عام 2014 بتصويت مليون امرأة لمصلحته.

وعلى الصعيدين الإقليمي والخارجي يرسل الرئيس رسائل الى الحلفاء الغربيين مفادها بأن تحالفه مع النهضة ليس مقدّساً ويمكن فكّه متى ما تغيّرت مقتضيات إبرامه. وذلك فضلاً عن كسب ودّ المنظمات الحقوقية.

وفي حسابات الربح والخسارة التي تتأسّس السياسة عليها اليوم، يعلم الرئيس أن مبادرته قد تجلب له شيئاً من السخط في الأوساط المحافظة في تونس وخارجها، لكن المغانم السياسية أكثر عدداً وأفضل نوعاً. كما أنه اتخذ من أسباب الحيطة والحذر ما يجعله في مأمن من وخيم العواقب. فهو لم يقرر بعد التقدّم بمشروع قانون المساواة في الميراث وإنما هو دعا فقط إلى دراسة المسألة من مختلف جوانبها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.