«هارفي» يعصف بالنفط الأميركي

وليد خدوري | الأحد 03 أيلول 2017



ترك إعصار «هارفي»، وهو أعنف موجة استوائية عاصفة تهب من خليج المكسيك لتضرب الأراضي الأميركية حتى الآن، آثاراً مدمرة على الساحل الجنوبي للولايات المتحدة حيث يتمركز معظم الصناعة النفطية الأميركية، بخاصة مصافي التكرير، وفي مدينة هيوستن بالتحديد. فقد أدى الإعصار الى غرق مدينة هيوستن في ولاية تكساس، رابع أكبر مدينة في الولايات المتحدة، وتشريد الآلاف من السكان، وكذلك الى إغلاق مصافي التكرير في المدينة. وتبلغ طاقة التكرير في ولاية تكساس برمتها نحو 5.6 مليون برميل يومياً، وفي ولاية لويزيانا نحو 3.3 مليون برميل يومياً. بينما يبلغ معدل استهلاك البنزين في الولايات المتحدة نحو 9 ملايين برميل يومياً. وقد أغلق الإعصار نحو 25 في المئة من طاقة التكرير الأميركية. من ثم، يؤدي الاعتماد الواسع على مصافي هاتين الولايتين الى ارتفاع سعر البنزين في الولايات المتحدة خلال استمرار الإعصار. وقد تم أيضاً خلال الأسبوع الماضي إغلاق خط أنابيب «كولونيول»، أهم خط لنقل المنتجات البترولية الى المدن الصناعية الكبرى في شمال - شرقي الولايات المتحدة.

أدى إعصار «هارفي» في بادئ الأمر الى ارتفاع أسعار المنتجات البترولية، بخاصة البنزين، نتيجة عوامل عدة، منها تخوف الشركات من انخفاض إمدادات البنزين وبقية المنتجات البترولية من وقود التدفئة في الأسواق الأميركية. واضطر بعض الشركات بالفعل الى استيراد البنزين من دول شمال آسيا وأوروبا. وتشير المعلومات الأولية الى عدم حصول أضرار كبيرة في المصافي. لكن، طبعاً، بادرت الشركات الى إغلاقها خوفاً من الفيضانات وللحفاظ على سلامة موظفيها. وستتطلب إعادتها للعمل ثانية بعض الوقت. فهناك طرق ووسائل محددة لاستعادة عملها، ناهيك بمسألة إعادة العمال والمشرفين الى أعمالهم، ما يعني انخفاض مستوى المياه في الطرق المؤدية الى المصافي، ومحاولة إعادة المسؤولين الى مساكنهم في هيوستن بعد إخلائها وتشردهم في مناطق بعيدة. كما سيتطلب الأمر التحقيق حول أي عطب أو أضرار قد تكون لحقت بهذه المنشآت.

وخلافاً لما حصل بعد إعصار «كاترينا» الذي عصف بمدينة نيواورلينز في ولاية لويزيانا في أيلول (سبتمبر) 2005 ، ما أدى الى ارتفاع سريع لأسعار النفط الخام في حينه.... نظراً الى توقف الكثير من المنصات النفطية البحرية في خليج المكسيك، والمنشآت في حقول النفط في اليابسة، إضافة الى بعض مصافي التكرير في ولاية لويزيانا. وكان الضرر الأكبر في أنابيب النفط الى الجزيرة النفطية الصناعية قرب ميناء «نيواورلينز». لكن، على خلاف ذلك هذه المرة، انخفض سعر النفط الخام في بادئ الأمر، لأسباب عدة، منها عدم تعرض مسيرة «هارفي» الى مناطق الإنتاج في ولاية تكساس بشكل واسع، والى عدم حصول نقص ضخم في إمدادات النفط الخام الأميركية، لتوافر إمدادات وافية من النفط الصخري الذي يتم إنتاج معظمه في مناطق من ولاية تكساس بعيدة من مسيرة الإعصار إضافة الى ولايات أخرى، وتوافر طاقة إنتاجية إضافية للنفط الخام في كل من أقطار «أوبك» والدول المتحالفة معها إثر قرارات خفض الإنتاج.

لذا، لم تتخوف السوق من نقص في إمدادات النفط الخام بادئ الأمر. وإضافة الى هذه العوامل، هناك إمكان السحب من المخزون الاستراتيجي الأميركي، في حال موافقة الرئيس ترامب على ذلك. وهذا بالفعل ما حصل بعد إعصار «كاترينا»، مع موافقة الرئيس بوش على سحب 30 مليون غالون وتزويد المصافي بها لقاء قيام المصافي لاحقاً بتزويد المخزون الاستراتيجي بالكميات المسحوبة ذاتها. كذلك، فإن الاحتياط العالمي من النفط الخام كان منخفضاً في حينه، اذ شكل عندذاك نحو مليون برميل يومياً فقط، ما خلق تخوفاً في الأسواق. لكن السعودية بادرت، كما في التجارب السابقة عند انخفاض إمدادات النفط الخام العالمية، الى زيادة الإنتاج لأجل توازن العرض والطلب العالميين.

استمر طوال الأسبوع الماضي هذا النمط من ارتفاع سعر البنزين في الولايات المتحدة وانخفاض سعر النفط الخام عالمياً ( «برنت» و«غرب تكساس الوسيط»).

لكن، ما هي مسيرة «هارفي»؟ وهل سيضرب مناطق نفطية أخرى؟ وكما أفاد المرصد الوطني لمراقبة الأعاصير، فإن «هارفي» سيستمر حتى منتصف الأسبوع المقبل وسيتجه شرقاً. وبالفعل فقد أغرق الإعصار مدينة نيواورلينز، بحيث إن بعض جامعاتها علق المحاضرات نهاية هذا الأسبوع بسبب الفيضان في المدينة الساحلية. وتبقى هناك أسئلة عدة من دون جواب: ما هو مدى الخراب الذي لحق بالمنشآت النفطية الإنتاجية أو التكريرية؟ وما هو إمكان استعادة العمل في هذه المنشآت بالسرعة اللازمة؟ وهل سيكون من الممكن استدعاء آلاف العمال والمشرفين للعودة الى العمل بسرعة، بعد تشردهم مع عائلاتهم في مناطق عدة داخل الولاية ذاتها أو في ولايات مجاورة؟

هذه أسئلة من الصعب الإجابة عنها في الوقت الحاضر، إذ لا يزال الإعصار مستمراً. لكن تمكن الإشارة الى أن، استمرار عدم عمل مصافي التكرير لفترة طويلة سيخفض مخزون البنزين في الأسواق الأميركية. ويعتبر البنزين من المواد الأساسية في الاقتصاد الأميركي، بخاصة سعره المنخفض جداً الذي لا تطاوله الضرائب. من ثم، فإن إطالة أمد انخفاض نشاط المصافي أو مخزون البنزين ستؤدي الى ازدياد سعره وستترك ردود فعل سلبية لدى الرأي العام، نظراً الى الاستعمال الواسع له للسيارات في الولايات المتحدة.

 

 

* كاتب عراقي متخصص بشؤون الطاقة

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.