الأميرة ديانا غيرت وجه بريطانيا

سارة ليالّ | الأربعاء 06 أيلول 2017



إثر وفاة ديانا، أميرة ويلز، قبل عشرين عاماً، بدت لندن وكأنها مدينة على شفير الثورة، وأن كل شيء في مهب الريح، حتى النظام الملكي نفسه. وطوال أسابيع سرت فيها حمى مدينة أصابها مسّ، بدا أن المؤسسة الملكية قد تتشظى بعد أن بلغ الانفعال مبلغاً يعصى التحمل. ومزاج المدينة كان يجمع الغضب والتهور. وتراكمت الزهور أمام بوابة القصر الملكي، وكان الراشدون يبكون على الملأ في الشوارع؛ وندد الناس بالملكة، وهي لطالما كانت في منأى من اللوم، ورأوا أن ردها على الأزمة الوطنية بارد، ولم يكن في محله. ثم هدأ الناس من روعهم، وصمدت الملكية. وفي ذكرى عشرين عاماً على رحيل الأميرة ديانا، أحيا البريطانيون ذكراها، وأصدروا أفلاماً وثائقية وكتباً تناولت سيرتها وحياتها. والحق يقال إن ركن إرثها هو الأثر الذي خلفته في أسرة ملكية لفظتها وفي بريطانيا كلها. فهي قلبت بريطانيا رأساً على عقب.

واليوم بريطانيا لا تشبه تلك التي عرفتها ديانا. فشطر من أبناء الجيل الشاب ليس متمسكاً بالتقاليد والأعراف القديمة. ووفاتها شرعت الأبواب أمام الانفعال والتعبير عن المشاعر. فالبريطانيون صاروا يميلون أكثر إلى مشاعرهم مما يميلون إلى آراء الخبراء حتى في مسائل ضخمة مثل «بريكزيت»، الاستفتاء العام الماضي على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

وأمام خيار مصيري، التحديث أم الموت (الأفول)، اختارت الملكية التحديث وعلى رأسها الملكة إليزبيث الثانية التي دعمها جيل جديد من الأسرة المالكة. وأكثر اللحظات خطورة في حياة آل ويندسور هي لحظة وفاة الأميرة ديانا. وهم يدينون لإرث الأميرة ونموذجها بالبقاء والثبات والدوام في سدة بريطانيا، يقول جوناثن فريدلند، المعلق في صحيفة «ذي غارديان». «فالملكة تعتبر بالدروس، وأبرزها هو درس وفاة الأميرة وخلاصته: حذار الابتعاد عن الرأي العام والنأي عنه».

وديانا كانت فاتنة وساحرة وجميلة أمام العدسات، ومتقلبة المزاج وغريزية ومتلاعبة بالآخرين؛ وكانت، في آن، الضحية والجلاد في مرآة وسائل الإعلام. وكانت أميرة كينسنغتون نجمة (تلفزيون) الواقع قبل سنوات من أن يبصر هذا النوع من النجومية النور. وهي، إلى اليوم، موضع افتتان في أوساط أجيال أذهلها موتها قبل عقدين في سن السادسة والثلاثين. «نتكلم عنها كما لو أنها غادرت للتو الغرفة»، كتبت، أخيراً، الروائية هيلاري منتل في «ذي غارديان». والصحف مليئة بنتف «أخبار» بقيت إلى اليوم، ولا أحد يعلم كيف، طي الكتمان. فيروي سائح من أوهايو ظهر، بين ليلة وضحاها، أنه كان في النفق ليلة مقتلها في باريس، وتذهب تقارير إلى أن الأميرة كانت تتخفى وتلف شعرها بغطاء كبير، حين تزور قبر الضابط الذي كان مكلفاً بحمايتها وكانت تحبه وقتل في حادث اعتقدت هي أنه «مؤامرة مدبرة» وتبين أنه قضى في حادث سير فحسب. وتقول معالجة ديانا، وهي معالجة بواسطة الطاقة، إن ديانا أسرت لها، أخيراً، (من وراء القبر)، بأنها تؤيد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. فهي اقترحت عليها الاقتراع بنعم لبريكزيت، وهي ترى أن بريطانيا كانت أعظم قبل الانضمام إلى الاتحاد.

وكان أثر ديانا بالغاً في تطور العائلة المالكة. فطوال أيام بعد وفاتها- صارت (الأيام هذه) تُعرف بأسبوع ديانا- طالبت أمة لطالما استساغت التزام الملكية بالتقاليد والأعراف والعادات، الأسرة المالكة بالتخلي عن العادات القديمة واكتساب أخرى جديدة على الفور. «أظهروا لنا أنكم تهتمون»، كتبت يومها صحيفة «ذي دايلي إكسبريس»، وهي تتوجه إلى ملكة كانت تسمو عن الجمهور وعرفت بالحذر إمامه وتمالك النفس والنأي عن العفوية، وطالبتها (الصحيفة) بالتوجه إلى الأمة والإفصاح عن مشاعرها وتنكيس الأعلام. ولم يكن أمام الأسرة المالكة غير الامتثال للناس والنزول على رغبتهم والتحديث. ويسوق فريدلند مثلاً على ما يقوله: الملكة ظهرت في فيلم افتتاحي قصير في أولمبياد لندن في 2012، وحيّت الممثل دانيل كريغ الذي يؤدي دور جايمس بوند، ثم ظهرت (أدت المشهد ممثلة بديلة) وهي تقفز معه بالمظلة فيهبطان معاً في الملعب الأولمبي. والجيل الملكي الجديد، أي ولدا ديانا، وليليام (وزوجته) وهاري، رسما صورة شابة وحديثة لآل ويندسور ومعنى أن يكون المرء ملكياً في 2017. فهما يقدمان نموذجين: كمال «عذري» (في حال ويليام وكايت) ووقاحة الأشقياء (في حال هاري)، ويظهران في صورة من يميل إلى ضفة الرأي العام. وكأنهما جسدا الملكية- هاري وويليام في بدلتين مفصلتين ومتناسقتين- وكايت وفستانها وقبعتها- وهما تسبغان عليها عقدين من العمر فتبدو وكأنها في عقدها الخامس.

ويوم ظهرت أمام عدسة الـ «بي بي سي» في 1995، وتكلمت عن كربها العاطفي، اعتُبرت أنها غير وفية وغير متزنة. والمؤشر الأبرز إلى تغير بريطانيا هو إحياء ويليام وهاري ذكراها بالكلام أمام الملأ عن أمهما وخسارتها. ووفاة ديانا كانت منعطفاً في حياة البريطانيين وصلتهم بذواتهم. فهذه الوفاة آذنت بعصر جديد رُفعت فيه القيود عن التعبير عن النفس والمشاعر، وغلبت هذه على المنطق وذرائعه. وعلى رغم أنها تظهر أن شعبية الأمير شارلز منخفضة، تظهر استفتاءات الرأي أن الأسرة المالكة تشد أواصر البريطانيين وكأنها سند دستوري لأمة لا تملك دستوراً مكتوباً. «الأسرة المالكة هي دستورنا... وهي ركن تاريخي ومستدام يعود إلى أكثر من ألف عام»، يقول جوردي غريغ، محرر «ذي مايل أون سانداي». و «مواكب الأسرة هذه وعروضها– زفاف شارلز وديانا وويليام وكايت، ومأتم ديانا– توحد البلد على وقع «نبض أليف يتردد صداه في أصقاع العالم». وعلى أقل تقدير، الأسرة المالكة هي مناسبة للثرثرة واللهو في أوساط أمة تشعر بالحيرة ولا تعرف أين تنتمي في عهد «بريكزيت». فينشغل بريطانيون بمسائل مثل موعد عرض هاري الزواج على صديقته، ميغن ماركل، وجنسية هذه الصديقة (أميركية) وتعريفها نفسها بأنها خلاسية (وممثلة)؛ وخسارة ويليام شطراً كبيراً من شعره وهو لا يزال شاباً في الخامسة والثلاثين من العمر؛ وكلفة سعر خاتم خطوبة شقيقة كايت. ولا شك في أن البريطانيين كلهم ليسوا مولعين بديانا ولا يرون أنها أثيرة على قلوبهم. ولكن زيارة أخيراً إلى قبرها، بعد مرور هذا الوقت كله على وفاتها، تظهر أنها لا تزال محور النقاش في بريطانيا وربما أوروبا والعالم. فالزوار المحليون والأجانب يتقاطرون على زيارة قبرها. وتقول كريستينا لانغدغراف، وهي سائحة ألمانية زارت قبر ديانا، «يؤلمني أنهم أساؤوا معاملتها. فهي كانت شخصاً طيباً طُرد من العائلة المالكة وسعى إلى حياة شخصية».

 

 

* صحافية، مراسلة، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 30/8/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.