هل العودة عن التيسير الكمي ممكنة؟

سيمون ويلسون | الأربعاء 06 أيلول 2017



حال تحفيز الاقتصاد بواسطة التيسير الكمي دون انهيار كبير، إثر الأزمة المالية- ولكن العودة عن الإدمان عليه (التيسير الكمي) قد يروّع الأسواق ويقلقها. وعلى سبيل المثل، دار التيسير الكمي في المملكة المتحدة على شراء بنك إنكلترا سندات خزينة بريطانية. ورفعت هذه العملية الأسعار وخفّضت معدلات الفائدة على السندات. وهذا شجع المستثمرون على شراء أصول خطرة تعود عليهم بعائدات (فوائد) أكبر، مثل سندات الشركات والأسهم. وعليه، أثرُ التيسير الكمي هو صنو التيسير المالي من طريق وسائل تقليدية تقلّص معدلات الفائدة. ومع ارتفاع قيمة سندات الشركات وأسهمها، تراجعت كلفة تمويل الأعمال، وحفّزت على الإنفاق والاستثمار. فحين ارتفاع اسعار الأصول يسري «شعور بالوفرة»، وهذا يحفّز المستهلكين على الاستهلاك والإنفاق ويساهم في تقويم خلل موازنات المصارف، فيسعها الإقراض أكثر.

ولكن هل التيسير الكمي ناجع؟ يرجّح أن يمضي الخبراء سنوات وعقوداً في جواب السؤال هذا ومناقشته. وهذا النوع من التيسير ساهم في الحؤول دون ركود عميق إثر الأزمة المالية. ولكن أثره أضعفُ من أثر رسملة الحكومات المصارف ومبادرة المصارف المركزية الى تقليص معدلات الفوائد. وأبرز الطعون في التيسير الكمي، وأقدم عليه لاري إيليوت في «ذي غارديان»، يقول إن فائض الأموال التي أحاطت بالاقتصاد ساهمت في زيادة اسعار الأصول، عوض معالجة الهشاشة البنيوية وراء النمو المتدني. فـ «الأثرياء استفادوا من التيسير الكمي لأن قيمة منازلهم وحصص أسهمهم ارتفعت؛ ولكن الفقراء عانوا نتيجة ارتفاع أسعار السلع، والغذاء والنفط»، كتب إيليوت. ويرى نيكولاس ماكفيرسون، وهو كان أمين الخزانة البريطانية بين 2005 و2016، أن التيسير الكمي هو «مثل الهيرويين». وطابعه الإدماني هو مشكلته أو شائبته الكبرى. ويقول ماكفيرسون: «التيسير الكمي هو صنو الهيرويين: ثمة حاجة متواصلة ودائمة الى جرعات اكبر لبلوغ نشوة (أو إحداث أثر). ويترتب عليه ارتفاع الآثار الجانبية. آن أوان تجاوزه (التيسير الكمي)»، كتب قبل أيام على «تويتر».

وهذه التغريدة جاءت جواباً على تحذير، روبرت هاريسون، وهو كان مدير فريق جورج أوسبورن، وزير المالية البريطانية السابق، من مواجهة البنك المركزي الأوروبي خطر «حادث سيارة» إذا كانت وتيرة استغنائه عن التيسير الكمي بالغة السرعة. وهذا الكلام هو مرآة نقاش يحتدم ويدور على كيفية إدارة عملية العودة عن التيسير الكمي. ولا يخفى أن ما يشير إليه ماكفيرسون هو عسر «تجاوز» الهيرويين ومواصلة الحياة. فالفطام عن التيسير الكمي عسير. وهذه عملية بدأت. فالاحتياطي الفيديرالي بدأ التخلص التدريجي من برنامج شراء الأصول ورفع الفوائد في 2015. ويناقش البنك الأوروبي المركزي وتيرة التقليص التدريجي لسياسة التيسير الكمي الخاصة به، وموعد العودة تدريجاً عن معدلات الفائدة السلبية. وأنهى بنك إنكلترا جولة التيسير الكمي الأخيرة في مرحلة ما بعد الاستفتاء على الـ «بريكزيت». وعلى خلاف مصارف العالم، يتوقع أن يواصل بنك اليابان والبنك الوطني السويسري انتهاج سياسات مالية غير تقليدية، يقول الاقتصادي نورييل روبيني. وينظر المستثمرون بعين القلق الى نتائج بدء العودة عن التيسير الكمي. وتجنبت جانيت يلين، رئيسة الاحتياطي الفيديرالي الأميركي، وماريو دراغي، مدير البنك المركزي الأوروبي، تناول السياسات المالية في قمة المصارف المركزية التي عقدت اخيراً في يومينغ الأميركية، خوفاً من قلق الأسواق.

والنمو الاقتصادي إلى اليوم متذبذب؛ والدين العام أعظم مما كان عليه قبل الأزمة المالية في 2007؛ وأسعار السندات والملكية والأسهم أعلى مما كانت عليه أو غالية قياساً الى المعايير التاريخية. وبعض الاقتصاديين، ومنهم روبيني، يرى أن معدلات الفائدة، ولو سارت عملية العودة عن التيسير الكمي على ما يرام، لن تعود إلى ذروة سابق عهدها، وهي بلغت 5.25 في المئة في 2007 قبيل الأزمة. ومع ضعف النمو والتضخم، لن تتجاوز معدلات الفائدة في ذورتها اكثر من 3 في المئة. ويخشى أن تبقى معدلات الفائدة بالغة التدني، فيعجز الفيديرالي الأميركي عن المناورة من طريق تقليص الفائدة حين يضرب الركود من جديد. فتواجه إذ ذاك المصارف المركزية المعضلة التي واجهتها في أزمة 2007، وسيكون التيسير الكمي جزءاً من الحل. ويبدو أن السياسات المالية غير التقليدية باقية ولن تطوى.

 

 

* كاتب، عن «ماني ويك» البريطانية، 2/9/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.