في مغزى تحالف أردوغان مع إيران وروسيا

مصطفى كركوتي | الأحد 10 أيلول 2017



التحول السريع في سياسة تركيا الإقليمية أخيراً يعكس، ضمن أشياء أخرى، تخبط الرئيس رجب طيب أردوغان البالغ في قيادته لبلاده. فأن يتحول خصوم الأمس التاريخيون، روسيا وإيران، إلى أقرب حلفاء تركيا اليوم، يمهد أيضاً لحدوث تحولات جذرية في الإقليم وفي شبكة العلاقات الدولية المحيطة به، المعرضة بدورها للتغيير المحتمل لجملة التحالفات الجديدة في ظل ظروف سياسية قابلة بدورها للتبدل.

وأن يقوم رئيس هيئة أركان الجيش الإيراني محمد باقري منتصف الشهر الفائت بزيارة أنقرة، وهي الأولى لمسؤول عسكري من هذا المستوى إلى خارج بلاده منذ ثورة إيران في 1979، مدلوله كبير للغاية. وبأهمية متساوية، تأتي الزيارة المتوقعة لرئيس أركان القوات الروسية فاليري غيراسموف، رجل بوتين، إلى أنقرة، لمناقشة حالة الأمن في الإقليم وملفي سورية والعراق كما فعل الجنرال باقري.

هل يمكن لتحول كهذا في سياسة أردوغان أن يُبْعِد تركيا عن الولايات المتحدة؟ أنقرة أعلنت في تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت أن علاقاتها مع واشنطن ستشهد تحسناً كبيراً عقب فوز دونالد ترامب. وأردوغان قال في تهنئته لترامب، إن فوزه سيمهد لمرحلة جديدة في هذه العلاقات. في ذلك الوقت كانت سياسة أردوغان معادية لإيران وعكست استعداد أنقرة للإسهام في احتواء سياسة إيران في الإقليم، لا سيما في سورية.

في المقابل توقعت تركيا- وهذا هو هَمُّ أردوغان الرئيس- أن تخفف الإدارة الأميركية من دعمها لميليشيات أكراد سورية (وحدات حماية الشعب)، التي يعتبرها أحد عوامل تهديد جغرافية بلاده جراء ارتباطها العضوي بحزب العمال الكردستاني.

لكن أحلام أردوغان سرعان ما تبخرت بسبب تمسك إدارة ترامب بدعم ميليشيات الكرد في سورية، إذ إن الأخيرة في نظر واشنطن القوة الوحيدة التي يُعْتمد عليها بين مجموع قوى المعارضة المسلحة الأخرى المشتتة. فقد أثبتت هذه الميليشيات حتى الآن أنها الأفضل في الحرب ضد داعش وأشدها شأواً.

فالتباين واضح جداً بين أنقرة وواشنطن في هذا الخصوص وليس هناك أي احتمال لتغيير ذلك حتى الآن على الأقل. ويبدو أن هذا ما يدفع أنقرة نحو روسيا وإيران بعيداً من حليفها التاريخي في منظمة الناتو. فتركيا بدأت أخيراً عملية جادة من التفاوض مع روسيا لشراء أنظمة دفاعية متطورة على رغم احتجاج القيادة العسكرية للناتو على ذلك، فضلاً عن تعاون أنقرة الوثيق مع موسكو في مجال سورية الحيوي.

من ناحية أخرى، اتفقت تركيا مع إيران لتعزيز الجهد العسكري بينهما في سورية والعراق، علماً بأنهما دَعَمتا قبل حين أطرافاً متحاربة في البلدين. يضاف إلى ذلك أن ثمة تعاوناً ثلاثياً وثيقاً بات قائماً بين تركيا وروسيا وإيران حول جملة من المسائل الحيوية، بينها دعم مفاوضات منصة آستانة والتنقيب المشترك عن النفط في بحر قزوين ودعم قطر في نزاعها مع الدول الأربع.

ولكن يبقى الدافع الأقوى لانفتاح أردوغان على روسيا وإيران هو كبح التقدم الذي يحققه كرد سورية، فلدى تركيا أكبر تجمع سكاني كردي، تليها في ذلك إيران، ويخشى البلدان أن يؤدي أي تقدم كردي في الإقليم نحو الاستقلال مهما كان ضئيلاً، إلى تململ الكرد فيهما. فهدف أردوغان في النهاية إقامة حلف سريع يتبنى استراتيجية مشتركة إزاء كرد سورية والعراق. فقد بدأت طهران في شكل مفاجئ التحدث في إعلامها وعلى لسان مسؤوليها ضد وحدات حماية الشعب في سورية، كما أنها وأنقرة انتقدتا بشدة إعلان إدارة مسعود بارزاني عن تنظيم استفتاء الاستقلال في إقليم كردستان العراق في 25 أيلول (سبتمبر) الجاري.

والملاحظ أيضاً خيبة أردوغان الكبيرة جراء الدعم الأميركي المتزايد لعمليات الأكراد ضد داعش في سورية والتمدد في الأراضي التي انهزم فيها هذا الأخير في مساحات واسعة في شرق سورية، فضلاً عن إدلب وأراضٍ أخرى في شمالها الغربي. وبدأ مسؤولون أتراك يتحدثون مع مسؤولين في حكومة بشار الأسد، عدو أردوغان حتى وقتٍ قريب، عبر روسيا وإيران اللتين ترعيان نظام دمشق، بهدف الحد من تقدم الكرد السياسي والعسكري. سلطة الكرد في شمال سورية، لا سيما في عفرين وغيرها من البلدات المتاخمة للحدود مع تركيا، تتعزز ليس بسبب الدعم الأميركي فحسب، ولكن جراء احتضان بيئة تلك المناطق لسلطة الكرد التي تلقى ترحيباً واسعاً لما تحمله من مشاريع مطمئنة لمستقبل سكان تلك المناطق. فتوسيع رقعة أراضي هذه السلطة قد يؤدي إلى قيام شريط يبدأ طرفه عند الحدود مع العراق، وينتهي طرفه الآخر عند البحر المتوسط. ولذلك يتطلع أردوغان إلى فرصة تسمح له بالتوغل في عفرين المجاورة لضرب التقدم الكردي فيها، وهذا ما يفسر انفتاحه الأخير على موسكو وطهران.

طبعاً هناك شكوك كثيرة حول نجاح أردوغان في تحقيق ما يريده من تقاربه الأخير مع روسيا وإيران في ضوء علاقات الريبة والتنافس بين تركيا وهذين البلدين عبر التاريخ. فالتعاون مع موسكو وطهران لا يفسره غير الخشية من تقدم الكرد في سورية، ولكن تعميق هذا التعاون يتطلب من أردوغان إعادة نظر في سياسة أنقرة الإقليمية جذرياً والإيغال في معاداة عرب الخليج لا سيما السعودية، إذ بدأت في الوقوف إلى جانب قطر في نزاعها مع جيرانها العرب. فالتقارب مع إيران سيلزم تركيا اتخاذ موقف محايد- إن لم يكن مؤيداً- إزاء سياسة إيران العدوانية والتوسعية في سورية والعراق والبحرين واليمن. كما أن مساعي تركيا للتقرب من حكومة دمشق ستؤزم العلاقات بينها وبين حلفائها في صفوف المعارضة السورية، ما سيُفقِدها دعم هذه المعارضة لها إذا ما قررت أنقرة ضرب الأكراد.

ولا شك في أن أي اتفاق بين تركيا وإيران ضد «استقلال» الأكراد سيعزز نفوذ طهران في سورية والعراق، وهو مكسب مباشر للسياسة الإيرانية في الإقليم. ولكن إيران تعي جيداً أن تقرب أنقرة منها ومن روسيا يعني شيئاً واحداً وهو الرد على سياسة ترامب تجاه الأكراد، كما تعي أن أي تغيير في ديناميات هذه اللعبة سينعكس على تحرك أردوغان، ما يزيد من حيرته في الإقليم.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.