11/9: هل تعلم الأميركيون شيئاً؟

وحيد عبد المجيد | الأحد 10 أيلول 2017



16 عاماً كاملة لا تكفي لكسب الحرب على الإرهاب. هذا بعض ما تعنيه «الاستراتيجية» الأميركية التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب في 21 الشهر الماضي أملاً في وقف تدهور الوضع الأفغاني. ربما تعني أيضاً أن صانعي السياسة الأميركية لم يستوعبوا دروس تجربة طويلة في مواجهة الإرهاب.

كانت أفغانستان الهدف الأول في الحرب على الإرهاب عقب هجوم 11 أيلول (سبتمبر) 2001 حين ضربت طائرتان برجي مركز التجارة في نيويورك، وصدمت ثالثة البنتاغون، فيما هوت رابعة في حقل ببنسلفانيا.

لم يقع هجوم ثان بهذا الحجم بعد إعلان إدارة بوش الابن الحرب على الإرهاب في العالم. لكن هجمات الإرهاب لم تنحسر. قلّت في أوقات، وزادت في أخرى، وتوسعت في الأعوام الأخيرة.

حافظ تنظيم «القاعدة»، الذي استهدفته الحرب، على حضوره. لم تقض عليه ضربات مهولة تلقاها، بل خلقت عشوائيتها رد فعل انتقامياً ساهم، إلى جانب اختلالات جسيمة في مجتمعاتنا، في إنتاج «داعش» الأشد عنفاً وتوحشاً. كما بقيت «طالبان»، واستعادت قوتها، بعد إسقاط سلطتها في كابول.

لم تُحقّق الحرب إنجازاً يُذكر، مع أنها أُعلنت مرتين. إحداهما في أيلول 2001، والثانية في أيلول 2014 عند إنشاء التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

لم يكن واضحاً هل قصد بوش الإرهاب عندما وقف على سطح بارجة عملاقة في مياه الخليج في أيار (مايو) 2003، وأعلن أن «المهمة أُنجزت». لم تمض 11 عاماً حتى وقف أبو بكر البغدادي بالقرب من مياه الخليج نفسه، وأعلن من على منبر جامع النوري الكبير في الموصل في حزيران (يونيو) 2014، قيام «الخلافة» بعدما تمدد الإرهاب في العراق وسورية. ولا تُنبئ هزيمة «داعش» هذه الأيام بأكثر مما ترتب على هزيمة «القاعدة». الإرهاب يستمر تحت مسميات مختلفة، ما دامت الحرب عليه تفتقر إلى رؤية واضحة ومتكاملة. ومع أن هذه حرب غير تقليدية لا توجد معايير واضحة لقياس نتائجها، ثمة مؤشرات تتحدث عن نفسها. وإذا أخذنا أفغانستان مثلاً، نجد أن «طالبان» تسيطر اليوم على نحو 40 في المئة منها، وأن «داعش» حصل على موطئ قدم في شرقها، وتمدد في وسط آسيا، ووصل إلى شرقها.

حدث هذا بعدما خسرت الولايات المتحدة أكثر من 2400 جندي آخرهم اثنان قُتلا في 2 آب (أغسطس) الماضي، وأنفقت أكثر من 700 بليون دولار، وها هي إدارة ترامب تواصل، مثلما فعلت إدارة أوباما قبلها، الحرب التي أعلنتها إدارة بوش الابن، من دون استيعاب دروسها.

أعلن ترامب استراتيجية ليس لها من اسمها نصيب. لم يستوعب أن نقطة الضعف الجوهرية في حرب السنوات الست عشرة على الإرهاب هي الافتقار إلى استراتيجية متكاملة. تسير إدارته اليوم على طريق إدارتي بوش وأوباما، اللتين تبنتا سياسات تكتيكية لا تربطها استراتيجية شاملة. ولذلك اختلفت هذه السياسات، بل تعارضت، بين انغماس في الشرق الأوسط، وانصراف شبه كامل عنه.

ولذا ربما يكون ما تعلمته المؤسسة الأميركية محصوراً في إدراك خطأ الاعتماد على جماعات متشددة أو متطرفة، حتى إذا كان الهدف كبيراً كإلحاق هزيمة بالاتحاد السوفياتي السابق. والأرجح أنها لن تكرر هذا الخطأ. لكن الأرجح أيضاً أنها لم تستوعب أن خطأ استخدام «مجاهدين» متطرفين ضد السوفيات تفاقم في غياب استراتيجية متكاملة تشمل، ضمن عناصرها، إعادة تأهيلهم ضمن مشروع لإعمار أفغانستان، وإدماجهم في بيئة سياسية جديدة. فقد تركتهم ليتقاتلوا ويزاود بعضهم على بعض، حتى انتصرت «طالبان» في ظروف قادت إلى إنتاج مشروع «القاعدة».

استهان الأميركيون وقتها بالبيئة التي باتت حاضنة للعنف، ومنتجة للإرهاب، وما زالوا يستخفون بهذه البيئة أينما وُجدت، ويحاربون تنظيمات إرهابية من دون مبالاة فعلية بأنها لا تنزل من السماء، بل تطلع من تحت أرض أضناها التخلف الاجتماعي والثقافي، واشتد فيها الطغيان، على نحو جعلها مهيأة لاحتضان الإرهاب، خصوصاً حين تنتشر مشاعر الانتقام لأبرياء قُتلوا في ضربات استهدفت إرهابيين.

تركزت حسابات إدارة بوش في أفغانستان والعراق على الضربات العسكرية، وأغفلت البيئة الاجتماعية. لم يصغ دونالد رامسفيلد إلى مراكز تفكير أميركية نبهت إلى ضرورة وضع استراتيجية لليوم التالي لإسقاط حكومة طالبان، وتعالى على النصح عندما بدأ الإعداد لحرب العراق، فيما كانت العواقب الوخيمة لحرب أفغانستان بدأت بالظهور.

قيل له، مثلاً، أن إسقاط طالبان في كابول لا يفيد كثيراً من دون استراتيجية لكسب قبائل البشتون، وتحفيز شبابها للانفتاح على العالم. ولذا أسقطت الحرب العمياء «دولة طالبان»، ودعمت «مجتمع طالبان»!.

وقيل له إن سطح المجتمع العراقي يُخفي تحته فيضاً من النزعات المتطرفة المذهبية والعرقية سُيغرقه في معارك دامية إذا مضى باتجاه تفكيك مؤسسات السلطة، واجتثاث أتباعها، بدل إصلاحها بعد إسقاط النظام وأركانه. لم تكن المشكلة في العمل العسكري، بل في العمى السياسي الناتج من غياب استراتيجية مستندة إلى رؤية شاملة لمواجهة الإرهاب، ومعالجة عوامله.

ولم تراجع إدارة بوش سياستها حين ظهرت بوادر فشلها. اكتفت بالحد من جموحها. وعندما راجعت إدارة أوباما هذه السياسة، رفعت اليد الأميركية الثقيلة، وفتحت الباب لتغلغل إيراني أدى الخوف منه إلى توسيع البيئة الحاضنة للعنف. كما تركت السوريين يُقتلون في مجازر قد تظل تداعياتها منتجة للإرهاب لسنوات طويلة مقبلة.

وحتى عندما بدا في شباط (فبراير) 2015 أن إدارة أوباما بدأت تولي اهتماماً بوضع استراتيجية متكاملة تشمل العوامل المنتجة للإرهاب، انتهى الأمر بمؤتمر روتيني لم يظهر أثر لما طُرح خلاله كإطلاق مبادرات مضادة للتطرف بمشاركة الفواعل المجتمعية والمنظمات غير الحكومية، ودعمها لمحاربة بذور التطرف، وإيجاد آليات للمشاركة المحلية في هذه المبادرات، والتعاون في إصلاح التعليم في البلدان التي ينشط فيها إرهابيون، ضمن مشروع عالمي تشرف عليه الأمم المتحدة وتُموّله الدول الكبرى والأغنى.

وإذا كانت إدارتا بوش وأوباما لم تتعلما أهم ما ينبغي تعلمه من دروس الحرب على الإرهاب، فطبيعي أن ترتبك إدارة ترامب. وحين لا يدرك رئيسها وأركانها أن سابقتيها افتقرتا إلى استراتيجية شاملة، فالأرجح أنها ستواصل منهجهما، وستخلط بين هزيمة «داعش» في سورية والعراق، والنصر على الإرهاب.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.