الضربة الإسرائيلية ونهاية «داعش»

حسن شامي | الأحد 10 أيلول 2017



هل هناك وجه علاقة بين الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قبل ثلاثة أيام مركزاً سورياً قريباً من مصياف في ريف حماة وأوقعت قتيلين وبضعة جرحى وبين تسارع عملية العد العكسي لصعود تنظيم «داعش» وتمدده وانتشاره منذ إعلانه عن إنشاء دولة الخلافة قبل ثلاث سنوات؟

نرجح أن مثل هذا السؤال تبادر إلى أذهان العديد من متابعي ومراقبي تطورات النزاعات في المنطقة وفي مقدمها توافق جميع اللاعبين تقريباً على الإعلان عن انهيار «داعش» ونهايته المحتومة. مع ذلك يبدو أن نهاية «داعش» ليست من النوع المألوف في النزاعات والحروب. لنقل أن وفاة التنظيم الأشهر في العالم ستظل غامضة مثلها مثل ولادته وتعاظم مكانته. ويعني هذا أن الإجماع أو التوافق المعلن حول ضرورة التخلص من شرور «داعش» لا يضع حداً للعبة التنافس والتدافع بين القوى الإقليمية والدولية. في الأمر مفارقة تستدعي التأمل والتبصّر. إذ لدينا حالة توافق حول عدو مشترك من دون أن يكون هناك تعريف أو تصور مشترك للشر الذي يمثله التنظيم.

جرت الأمور ولا تزال كما لو أن الصراع حول ما بعد «داعش» بدأ منذ ولادته. لا نعدم الصواب إذا قلنا إن ما نشهد احتضاره ونهايته ليس سوى الوظيفة الاستعمالية لـ «داعش» وأشكال الاستفادة من نزعته وولوغه في العدمية المغلفة بسلفية جهادية تُرفع كراية للحصول على قدر من الشرعية في مناخ عام مسكون إلى حد الوسوسة بالتعطش إلى الفتوة والفروسية والتشفي وإثبات الهوية الإسلامية من طريق الكي كوسيلة أخيرة للعلاج والشفاء من جروح مزمنة.

هناك صورة راسخة عن «داعش» تكاد تكون محل إجماع كبير. إنه الوحش الذي صنعه الخصوم. ليس مهماً أن نعرف متى وكيف جرت صناعة الوحش. إنه فرانكنشتاين الخارج من مختبرات واختبارات سرية. حتى تفلته من البرمجة المحسوبة لدوره وانقلابه عليها هما الآخران من صنع الصانعين. كان مطلوباً أن يرتسم وجه وجسم للتوحش والعنف الفالت من أي عقال. ففي هذا الارتسام يعثر اللاعبون المتنافسون على ما يضفي النسبية على مواقعهم ونفوذهم وحماية مصالحهم المادية وغير المادية.

بالعودة إلى سؤالنا الأول، تقول الوقائع إن الضربة الإسرائيلية لموقع سوري رسمي جاءت بعد يومين فقط من الإعلان الانتصاري عن فك الحصار الداعشي لمدينة دير الزور. ويأتي تحرير المدينة في سياق انتصارات على «داعش» في الموصل على يد القوات العراقية ومساندة أميركية، وفي جرود عرسال على يد مقاتلي حزب الله اللبناني وتحرير جرود لبنانية أخرى على يد الجيش اللبناني. قد يكون صحيحاً أن الضربة الإسرائيلية هي أقل من حدث وأكثر من حادثة. فهذه ليست المرة الأولى التي يقصف فيها سلاح الجو الإسرائيلي مواقع أو مراكز خاضعة لسيطرة قوات النظام السوري أو لحلفائه. وكما حصل في المرات السابقة جرى التركيز على أن هدف الضربة توجيه رسالة بالأحرى رسائل. فما عساها تكون هذه الرسائل؟. بيان الجيش السوري يرى أنها تهدف إلى رفع معنويات «داعش» بعد هزيمته في دير الزور. قد يكون هذا الكلام من طراز الإنشاء الخطابي المعهود في أدبيات النظام السوري وإعلامه الدعوي. لكن التمعّن قليلاً في المعطيات المتوافرة عن الضربة يحض على التقاط إشارات أخرى. فالأنباء المتداولة غداة الضربة تتحدث عن قيام ثماني طائرات إسرائيلية على دفعتين باختراق الأجواء اللبنانية وقصفها من هذه الأجواء بالذات موقعاً سورياً هو عبارة عن مركز بحوث يتعلق بالأسلحة غير التقليدية، وهو مركز يقع في عداد مراكز وهيئات مدرجة على لائحة العقوبات الأميركية، بحسب ما أوضح المرصد السوري لحقوق الإنسان.

لم يبخل رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق عاموس يلدين في عرض رسائل كبرى للضربة. الرسالة الأولى تسعى إلى تثبيت خطوط إسرائيلية حمراء ينبغي على جميع اللاعبين احترامها. الرسالة الثانية تتعلق بلفت النظر إلى مواصلة النظام السوري، بمساعدة حلفائه الإيرانيين خصوصاً، تطوير قدراته التسليحية غير التقليدية. الرسالة الثالثة تتعلق على الأرجح بروسيا ووضعية قواتها الموجودة في سورية. فالضربة تفصح، من جهة، عن أن الدعم الروسي للقوات السورية والاتفاقات الدفاعية مع النظام لا يحولان دون شنّ القوات الإسرائيلية ضربات على مواقع وأهداف في سورية كلما اقتضى الأمر. لكن الضربة الأخيرة تفصح، من جهة أخرى، عن أن الدولة العبرية حرصت على عدم إحراج روسيا، وذلك من خلال توجيه الضربة من الأجواء اللبنانية، أي من دون انتهاك الأجواء السورية. ليس صعباً إذاً أن نعتبر الرسالة المتعلقة بالدور الروسي في سورية حمّالة أوجه. فهي تشي بعدم التعارض بين تواجد قوات روسية في سورية وبين احتفاظ إسرائيل بحرية الحركة وتوجيه ضربات عندما ترى ذلك ضرورياً. لكنها تشي في الوقت ذاته بأن لهذه الحرية حدوداً يستحسن عدم تجاوزها. أما انتهاك الأجواء اللبنانية فبات أمراً روتينياً على رغم ازدهار الرطانة الخطابية عن السيادة والكرامة والاستقلال.

ليس واضحاً بعد ما يمكن أن تؤول إليه ضربة الموقع السوري القريب من مصياف وإن كنا نرجح التعامل معها كما في السابق، أي أنها تبقى منصة رسائل محسوبة فلا تشكل حدثاً يحتمل التسبب بانعطافة صارخة في توازنات القوى. من شبه المؤكد، في المقابل، أن هذا الاعتداء الإسرائيلي يكشف عن احتمال حصول تعديل في خريطة الانقسامات المتورّمة في المنطقة، بعد اندحار «داعش»، وهو تعديل لا ترضى به الدولة العبرية الطامحة إلى تثبيت وتعزيز موقعها في أي معادلة إقليمية قد ترتسم بعد الانتهاء من «داعش».

في هذا المعنى تتضمن الضربة تحذيرات للقوى الدولية الحليفة، وعلى رأسها إدارة ترامب وعدد من الدول الأوروبية، من أي معادلة لا تحفظ أرجحية القوة والمكانة الإسرائيليتين. ويقتضي هذا ثباتاً في الانقسامات وفي سياسات العقوبات والتشدد حيال إيران وحزب الله لتحجيم دورهما بل حتى لعزلهما.

يتجه «داعش» نحو نهاية يختلف صانعوها حول تعريف المنتصرين أكثر بكثير مما يحتفلون بهذه النهاية. ستبقى الانقسامات والمحاور المتصارعة على حالها. نهاية «داعش» لا تؤسس لبداية شيء. إنه كابوس انتهت صلاحيته. حافظوا على الكوابيس الأطول عمراً. هذا هو فحوى الضربة الإسرائيلية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.