نحو وزارات ثقافة عربية فاعلة

حميد الكفائي | الأحد 10 أيلول 2017



ليست هناك دولة عربية لا توجد فيها وزارة ثقافة، بل تولي هذه الوزارة اهتماماً معنوياً تستحقه، فإن كانت الوزارات الأخرى تُسند إلى سياسيين، فوزير الثقافة عادة ما يُختار بعناية، كأن يكون فناناً أو أديباً أو مفكراً معروفاً ومستقلاً. وعلى مدى قرن من استقلال الدول العربية، لم يُلاحظ أي تأثير لهذه الوزارات في الثقافة العربية، فلا المرأة أخذت حقوقها، ولا القانون أصبح مطاعاً بالفطرة، ولا الرأي الآخر محترماً. على العكس، هناك تراجع ثقافي مريع مقارنة بأواسط القرن الماضي.

ما زالت اهتمامات وزارات الثقافة العربية تتركز على النشاطات التقليدية التي اقترنت تاريخياً بالثقافة كالرسم والتمثيل والمسرح والموسيقى ونشر الكتب والمجلات أو إجازتها، ولم تتعداها إلى مجالات عصرنة المجتمع وتغيير عاداته التي يساهم كثير منها في تخلفنا الثقافي والعلمي وتراجعنا الاقتصادي والسياسي. كما إن المؤسسات الثقافية لم تسعَ إلى ترسيخ ثقافة العمل والمساواة بين الجنسين واحترام الاختلاف والرأي الآخر وتشجيع العمل التطوعي والنظافة العامة والتزام النظام والتقيد بالقوانين والضوابط واعتبار مخالفتها عيباً يستحي منه المواطن قبل أن يخشى تبعاته.

ليس تقليلاً من أهمية الفن والموسيقى والمسرح والرسم والأدب والفكر، فهذه حقول يجب أن تحظى دوماً بالرعاية لما لها من أثر فعال في تطوير ثقافة المجتمع ورفع ذوقه، وعادة ما تضطلع المؤسسات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني برعايتها. لكن تطبيع الناس منذ الصغر على احترام المرأة والالتزام بالقوانين وحب العمل والتقيد بالضوابط هي أمور مهمة ومؤثرة في حياة الناس، والنجاح فيها يساهم في تطوير المجتمع، والأدلة على ذلك كثيرة من تجارب الشعوب الأخرى. فلولا ثقافة حب العمل والتفوق واحترام القانون لما تمكنت اليابان من التفوق على بلدان العالم أجمع في زمن قياسي، والشيء ذته ينطبق على ألمانيا وكوريا الجنوبية ودول أخرى. وعلى رغم أن هذه المسائل تحتاج إلى رعاية مؤسسات الدولة بأكملها، إضافة إلى المجتمع المدني، فإن وزارات الثقافة يجب أن تكون رائدة في تقديم الحلول وتنسيق الجهود، لكنها لم تفعل.

في مصر مثلاً، بقي الفنان التشكيلي، فاروق حسني، وزيراً للثقافة لربع قرن من دون أن يُحدِث أي تطوير في الثقافة بل تراجعت في عهده، إذ تقلص عدد المبدعين وانحسر دور المثقفين، وبعضهم تعرض للاغتيال أو المضايقات بينما هاجر آخرون. وعندما سُئل حسني عن أسباب التراجع والتوقف عن إنجاب أمثال طه حسين ومحمد عبده ونجيب محفوظ وعباس العقاد وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، كان جوابه مدوياً: «ونا مالي»!

في العراق، يخضع اختيار وزير للثقافة لمزاج الحاكم الذي عادة ما يختار المتملقين والمطبلين. في عهد صدام مثلاً، أصبح لطيف نصيف جاسم وزيراً للثقافة والإعلام ولم يعرف عنه أي اهتمام ثقافي أو فني، بل ساهم وجوده في تجهيل الناس وتضليلهم. وقد خلفه في المنصب محمد سعيد الصحاف الذي فاق الجميع في التهريج والكذب والصفاقة ما أثر سلباً في الثقافة العراقية، وجعل الكذب وإنكار الحقائق يبدوان طبيعيين. وفي العهد «الديموقراطي»، اعتاد رئيس الوزراء أن يختار وزيراً للثقافة لا علاقة له بالثقافة. فهو إما ضابط شرطة لا يجيد كتابة بضعة أسطر بلا ارتكاب أخطاء شنيعة، أو إمام جامع متطرف يستخدم المنصب لممارسة الإرهاب، ثم يختفي هرباً من الملاحقة القانونية، أو شيخ عشيرة يمضي وقته في «المضيف»، أو ضابط في الجيش «يدير وزارة الثقافة بعقلية وزارة الدفاع»! وهذه فكرة لم يسبقه إليها مبدع، أو شخص لم تكن الثقافة يوماً هماً من همومه، بل لا يشعر بأي انتماء للثقافة العراقية.

مجتمعاتنا تحتاج إلى وزارات ثقافة نشيطة تسعى إلى تغير الثقافة التقليدية التي تنتمي إلى عصور سحيقة. فهي ما زالت تمارس عادات لا تخدم الدولة العصرية، ولا تحترم الوقت الذي يعتبر أقدس المقدسات في المجتمعات الحديثة لما له من تأثير في الاقتصاد والتطور ومستوى التعليم والصحة والنظام العام. ما زالت مجتمعاتنا تمارس البذخ في الطعام باعتباره «كرماً أصيلاً»، وما زال الفرد العربي يحتقر المرأة ولا يحترم حقوق الآخرين، بل تجده يسعى إلى القفز على دور غيره من دون إحساس بالمسؤولية. ثقافة المجتمعات تتغير ببطء في العادة، لكن مجتمعاتنا تعود إلى الوراء بدل التقدم، وقد آن الأوان لأن يبدأ المسؤولون بتغيير سلوكهم كي يتبعهم الناس وهنا يأتي دور وزارات الثقافة للترويج للسلوكات والقيم الإيجابية وجعلها محوراً لعملها.

كنت ذات يوم، أصطف منتظراً دوري في مطار دولة عربية، فجاء أحد المسؤولين العرب المعروفين عالمياً فتجاوزنا جميعاً كأننا لم نكن موجودين، وتقدمنا مختالاً بلا أي شعور بالخجل. إن كان هذا المسؤول الذي خبر ثقافات عدة وأتقن أربع لغات عالمية ويضطلع في العادة بحل الخلافات الدولية، يتصرف بهذه الطريقة البدائية، فكيف نتوقع أن يحترم الفرد العادي الدور والوقت والرأي الآخر؟

في مطاراتنا وشوارعنا وأسواقنا، يأتي المسؤول ومعه جيش جرار من الحراس المسعورين الذين يتصورون أن كل شخص من حولهم هو إرهابي جاء لاغتيال صاحبهم. بل إن بعض المسؤولين يعتبرون وجود الحرس أمراً يعزز هيبتهم، وقد دأب متنفذون كثر على الإتيان بحراس مسلحين يسيرون أمامهم وخلفهم كي يشعِروا الناس بأهميتهم المزعومة. عادة التباهي والتفاخر الزائف أصبحت شائعة وهي تتجلى بصور عدة، منها استعراض المقتنيات الثمينة أو ادعاء البطولات وسرد الأكاذيب للإيحاء بالتميز.

وزاراتنا ومؤسساتنا الثقافية مدعوة لأن تمارس دوراً رائداً في تطوير المجتمع وتخليصه من عاداته البالية عبر طرق مبتكرة منها تنظيم المسابقات الثقافية والاحتفاء بالمتميزين في كل مناحي الحياة، بما في ذلك استثمار الوقت والقراءة والالتزام بالدور والمساهمة في النظافة العامة والعمل التطوعي وتعزيز دور المرأة، وتقديم الأوسمة والمكافآت المجزية لهم. يجب أن يُفرَض على الشركات أن تخصص جزءاً من أرباحها للنشاطات الثقافية التطويرية. الوقت يمضي في غير مصلحتنا إن لم تتعدَّ اهتماماتُنا الثقافية ما ألفناه سابقاً. يجب أن نعيش العصر ونتطور سريعاً كي نواكب العالم، ولن يأتي التطور من دون جهود حثيثة مدروسة بعناية تبذلها مؤسساتنا الثقافية والعلمية والتعليمية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.