«سيمفونية الملكة» لهايدن: ليلة طرب في بلاط ماري أنطوانيت

ابراهيم العريس | الإثنين 11 أيلول 2017



كتب الموسيقي جوزف هايدن خلال مساره المهني عدداً كبيراً من السيمفونيات. بل ربما يمكن اعتباره صاحب العدد الأكبر من الأعمال السيمفونية في تاريخ الموسيقى حيث يكاد العدد يصل الى نحو مئة سيمفونية معظمها مميز وله مكانته الكبرى في تاريخ الموسيقى الغربية. ومن بين هذه الأعمال سيمفونيتان تحملان عنوانين متقاربين مع ان هايدن نفسه لم يطلق على أي منهما ذلك العنوان الذي عرفت به شعبياً: السيمفونية الثامنة والأربعين المعروفة بـ «سيمفونية الإمبراطورة»، والسيمفونية الخامسة والثمانين المعروفة من ناحيتها بـ «سيمفونية الملكة. وفي الحقيقة ان الأولى والتي كتبها هايدن تكريما لإمبراطورة النمسا ماريا تيريزا سبقت الثانية بأكثر من عقد ونصف العقد من السنين علماً أنها كانت تسمى أصلاً «ماريا تيريزا»، فيما كتب الثانية تكريماً لملكة فرنسا، النمساوية الأصل على أي حال، ماري أنطوانيت، عام 1785 وكانت تحمل رقمها كعنوان لكن الناس سرعان ما أعطوها اسم الملكة الذي ستعرف به الى أبد الآبدين كما سنرى بعد سطور.

> تنتمي سيمفونية الملكة التي نخصّها بالحديث هنا، الى ست سيمفونيات لهايدن كتبها جميعاً في باريس خلال عامي 1785 و1786 وعرفت باسم مشترك هو «السيمفونيات الباريسية» وكان يمكن ان يُطلق على بعضها اسم السيمفونيات الماسونية. وذلك لأنها كتبت في الأصل لتعزف من قبل أوركسترا كبيرة جداً، كان من النادر ان تتوافر لأي عمل موسيقي في ذلك الحين، بما في ذلك ما يقدم في القصر الملكي. غير أن المحفل الماسوني الباريسي (الأولمبي) الذي كان شهيراً ونافذاً في ذلك الحين، ويضم نخبة من الأعيان وأهل البلاط ورجال المال الذين يدورون في الحلقات الأعلى من السلطة كان هو الذي كما تقول سيرة هايدن نفسه تولى رعايته منذ وصل الى العاصمة الفرنسية وقرّبه من البلاط الملكي هو الذي كان معروفاً قبل ذلك هناك وكان الباريسيون يتابعون أعماله التي تنشرها المؤسسات الفرنسية في باريس وليون، حال الحصول عليها. ومن هنا كان من الطبيعي، حين راحت أعماله تُقدم في القصر الملكي في حضور ماري أنطوانيت وتحت رعايتها، أن يؤمن له الماسونيون تلك الأوركسترا الضخمة التي عزفت، بين أعمال أخرى، «سيمفونية الملكة» للمرة الأولى: ما لايقل عن أربعين كماناً إضافة إلى عشر آلات نفخ باس مزدوجة، وذلك ضمن إطار ما كان يعرف بـ «كونشرتو المحفل الأولمبي»، على اسم المحفل الذي كان يتولى رعايته وكان مقرباً من الملكة نفسها. لقد أتيح لهايدن في ذلك التقديم أكبر فريق صاحبه في أي من أعماله علماً أن أكبر فرقة كان الأمراء من آل استرهازي قد وفروها له في موطنه الأصلي، لا تتجاوز الخمسة والعشرين عازفاً.

> من هنا، إذاً، سيظل التقديم الأول للسيمفونية المذكورة حدثاً تاريخياً عزّ نظيره وتحدث عنه مؤرخو تلك المرحلة، ومنهم روبنز لاندون، الذي أسهب في الحديث عن أناقة ملابس أفراد الأوركسترا الزرقاء ومهارتهم في العزف. في ذلك الحين كانت السيمفونية المقدّمة تحمل اسمها العلمي الكرونولوجي «السيمفونية الخامسة والثمانين من مقام ب فلات كبير». وتقول سيرة هايدن ان هذه السيمفونية كانت الأولى التي أبدعها لدى وصوله الى باريس حتى وإن أتى تقديمها الأول متأخراً، علما أن مجمل السيمفونيات الباريسية الست لا تتطابق أرقامها مع تواريخ كتابتها. فالثانية والثمانون مثلاً أُنجزت عام 1786 بينما أُنجزت السابعة والثمانون عام 1785 وهكذا.... أما الوسيط، باسم الماسونيين الذي تولى الاتفاق مع هايدن، فكان واحداً من معارف الملكة الشابة وهو كونت أونيي، كلود فرانسوا ماري ريغوليه الذي كان معروفاً برعايته الفنون وإنفاقه ثروات كبيرة على المبدعين على رغم انه كان لا يزال شابًا في عشريناته كما كان مسؤولاً عن دوائر البريد في البلد. أما من كلف ريغوليه بالتفاوض مع هايدن فكان فارس القديس جورج، جوزف بولونيْ قائد أوركسترا المحفل الأولومبي الذي عرف كيف يجمع تحت إشراف هايدن، ولا سيما لتقديم ذلك العمل الكبير الذي سيعرف بـ «سيمفونية الملكة» أبرز العازفين والموسيقيين المقيمين في العاصمة الفرنسية في ذلك الحين.

> لقد كانت ردود الفعل الصحافية والنقدية على تقديم عمل هايدن هذا، لافتة حقاً حيث اعتبر النقاد العمل استثنائياً و «يليق حقاً بسمعة ذلك الموسيقي الكبير. وأشار ناقد في مجلة «ميركور دي فرانس» النخبوية في ذلك الحين الى قدرة هايدن الفائقة على كتابة مثل تلك «السوناتات» (في ذلك الحين كان ذلك النوع من العمل لا يزال يسمى سوناتا) قائلاً: «كان أسلوباً عبقرياً في تجميع كل تلك السوناتات في تنوعها وغناها لتتوحد في نهاية الأمر ضمن إطار ذلك الموضوع الواحد الذي أتى ليجمع بينها في بوتقة واحدة، على خلاف كل أولئك المؤلفين العقيمين الذين يعجزون دائماً عن إيجاد أي سبيل لوحدة عملهم». والحقيقة أن ذلك الناقد «الكلاسيكي» لم يكن الوحيد الذي أبدى إعجابه بالعمل، بل إن النقاد الأكثر حداثة منه لم يتوانوا عن إبداء دهشتهم أمام «حداثة هايدن التي لم تكن متوقعة. حيث أن لاندون السابق الذكر وصف العمل بأنه «مزيج من اللمعان والأناقة والدفء»... ومن الواضح ان تلك المواقف النقدية إنما كانت في جزء منها، صدى للطرب الذي أبدته ماري أنطوانيت خلال استماعها الى العمل حتى قبل أن تعرف أنه سوف يحمل اسمها منذ ذلك الحين.

> ومع هذا لا بد من القول ان «سيمفونية الملكة» لم تحمل كثيراً من التجديد مقارنة بأعمال هايدن السابقة عليها. فالحركة الأولى أتت كالعادة لديه بطيئة السياق في تمهيدها للوصول الى الحركة الثانية التي ستحمل هي، أكثر مما يفعل التقديم، مهمة التعبير عن الموضوعة الأساسية للعمل. ولقد تجلت تلك الموضوعة في عنصرين أساسيين ترابطا معاً، أولها لحن بدا معلقاً في شكل متواصل وكأنه يبحث عن خطوته التالية وثانيهما هبوط لحني مباغت لا بد من الإشارة الى أنه أثار في حينه إعجاب مستمعين بوغتوا به يحل عليهم من حيث لم يكونوا يتوقعون. والحقيقة أن هذين العنصرين سيهيمنان في تكرارهما وتنوعهما على بقية أجزاء السيمفونية ككل. غير ان هايدن لم يتوقف هنا، عند هذا المعهود من أسلوبه، بل إنه في مرحلة تالية من الحركة الثانية لجأ الى مداعبة كبرياء الفرنسيين في شكل إيجابي عبر استعارته عبارات لحنية معروفة مستقاة من أغنية شعبية هي «ليزيت الحلوة واللطيفة» لينوع عليها لحنياً ما أطرب الجمهور الذي كان يعرف لحن تلك الأغنية في شكل جيد بل اعتاد أن يدندن بها في حياته اليومية، فإذا به هنا يراها أمامه معزوفة في القصر الملكي وتهتز لها الملكة نفسها طرباً وتدندن بها. فماذا كان الجمهور يريد أكثر من مؤلف موسيقي أجنبي جاء يستعرض أمامه مهاراته وتجديداته الموسيقية؟

> كان هذا وحده، في حد ذاته، كافياً لتحقيق أقصى مستويات النجاح الباريسي لعمل موسيقي كبير عرف هنا كيف ينهل من المزاج الشعبي ويداعبه. لكن هايدن لم يكتف بهذا، من دون حتى أن يبدو انتهازيا في اختياراته. فهو، وكما سبق له ان فعل مراراً وسيفعل بعد ذلك، في أعمال له غير تلك التي أبدعها في فرنسا، سوف يُدخل الطبيعة الفرنسية نفسها والتي اشتهرت بجمالها، عنصراً في موسيقاه هنا، وهكذا، بعدما مهّد بالأغنية الشعبية التي أشرنا إليها، ها نحن نجده يغوص في جمل لحنية رعوية وتزيينية توحي بأصوات مستقاة من الطبيعة مباشرة، وذلك في شكل متدرج من خلال استفراد آلات محددة ها نحن نراه هنا يعطيها وظيفة خارج إطار وظيفتها الجماعية البوليفونية، ما جعل العمل يستحق اسم «سوناتا غروسا» على وزن «كونشرتو غروسو». أما الحركة الثالثة فكانت من الطبيعي أن تأتي راقصة (بأسلوب الـمينويه والثلاثي ذي الحركة الصاخبة والمرحة) ما فاقم من انطراب الملكة التي يقول البعض انها هنا تخلت عن وقارها تمامًا وراحت تهتز في حركات راقصة.

> مهما يكن من أمر، وبصرف النظر عن تلك الليلة التي جعلت للسيمفونية اسماً لم يكن لها، كان لا بد للسيمفونية الخامسة والثمانين لهايدن (1723 - 1809) أن تعيش حياتها مستقلة في سياق مؤلفات هذا المبدع الذي لن يفوت بيتهوفن ان يعلن دائماً دَيْنه له معتبراً أن إبداعه في فن السيمفونية كان الممهد الرئيس لأعماله هو في مضمار هذا الفن والدرب الذي ستسير عليه السيمفونية من بعده.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.