«سورية» بالفرنسية

عبده وازن | الإثنين 11 أيلول 2017



من كان يتصور أن يتمكن مترجم هو الكاتب أنطوان جوكي من التصدي لقصائد مختارة للشاعر سليم بركات فيترجمها إلى الفرنسية وينجح في ترجمتها كاسباً رهاناً هو ليس بالسهل بتاتاً؟ قرأت بتأنٍ المختارات الشعرية التي نقلها جوكي الى الفرنسية وصدرت عن دار سندباد – اكت سود بعنوان «سورية وقصائد اخرى»، وعمدت الى المقارنة بين بعض الترجمات والأصل العربي سعياً مني الى رصد كيفية تجلي شعرية سليم بركات الفريدة و«الوعرة» والمترفة بلاغيًا وبيانيًا، في لغة غريبة ومستعارة هي الفرنسية. ولا بد اولاً من التوقف عند الجهد الكبير الذي بذله انطوان جوكي المتمرس في الترجمة من العربية الى الفرنسية والعكس، وصاحب الخبرة الطويلة في هذا الحقل، فهو تمكن عبر عمله الحثيث والمتأني والحذق من إخراج قصائد بركات في صياغات جميلة ومتينة هي وفية للأصل مقدار خيانتها اياه. و «الخيانة» يجب ان تفهم هنا في كونها فعلاً ابداعياً قد لا يوازي إبداع الشاعر نفسه المعروف ببلاغيته العالية وكينونته العميقة وجودياً وأسئلته المفتوحة على الشعر نفسه، لكنه فعل إبداعي يتجلى في تطويع اللغة الفرنسية وجعلها مهيأة لاستضافة هذا «النوع» غير المألوف من الشعر.

شخصياً لا أخفي أنني تمتّعت في قراءة سليم بركات بالفرنسية. قصائده هنا شديدة السلاسة، نقية نقائها الأصلي ولكن من غير إغلاق وتعقّد، متينة من دون صنعة او تكلف قد تفرضهما الترجمة اصلاً. حتى البلاغة «البركاتية» تمكن المترجم من «ليّ عنقها» وفق نصيحة الشاعر بول فيرلين في قصيدته الشهيرة «فن شعري»، لكنّ «ليّ العنق» لم يتم على حساب البلاغة نفسها ولا على حساب القصيدة وجمالياتها. وفي هذا القبيل لم يعمد جوكي الى ما يسمى الترجمة التفسيرية والشارحة التي تقتل شعرية القصيدة بل هو حافظ تماماً على اسرارها قدر ما امكنه، وعلى متانة صياغتها الأصلية قدر ما أمكنه ايضاً. لكنه اضطر في احيان كثيرة الى اعتماد بعض المترادفات السهلة لبعض المفردات التي تبدو في الأصل عربية جداً، ناهيك عن بعض التراكيب المغرقة في التفنن البلاغي وما اكثرها لدى شاعرنا. فـ «المنضدة» على سبيل المثل اصبحت «طاولة» و «ذان» اصبحت «هذان» و «هاكمو القِدَم» اصبحت «ها هو الزمن القديم»، و «مثخن» اصبحت «مثقل» و «أصص الورد» أصبحت «حوض الورد»... وكم كان على جوكي فعلاً ان يختلق بالفرنسية من صيغ وجمل تضاهي مثيلاتها العربية. ليس من السهل ترجمة مثل هذا المقطع الشعري: «الأرض الكمأة، العناق المزبد، مشدودة ككمرة الفحل، كباسليق، كعناء موتور في قوس الكهولة الحالمة». اما على صعيد الإيقاع فحاول جوكي ان يسبك القصائد في إيقاع نثري جميل متهاد ومتقطع وفق القصائد ومعظمها موزون ولكن غير مقفى. وأصررت، أنا الذي يقرأ بركات بأناة وتؤدة تبعاً لمعجمية شعره في أحيان، أن أجد خطأ واحداً في الترجمة فعثرت على خطأ يتيم سببه ربما عدم التحريك: «لهاثي كَرَفسٌ» ترجمت إلى «لهاثي هو كرفسٍ بالقدم» وقد تكون هذه الصيغة أجمل من الأصلية.

خاض أنطوان جوكي رهان ترجمة سليم بركات الى الفرنسية ونحج تمام النجاح كما يشير الكاتب والناشر فاروق مردم بك في كلمة الغلاف. وشاء المترجم ان يثقل رهانه فاختار قصائد كاملة وطويلة عطفاً على بعض المقاطع من قصائد طويلة أخرى. وكان الشاعر اقترح القصائد على المترجم وهي من أقل قصائده صعوبة و «وعورة». ويبدو أن هذه المختارات مرشحة بقوة للفوز بجائزة ماكس جاكوب الشعرية في فرنسا كما أفادت شائعات. ويستحق بركات هذه الجائزة المهمة مثله مثل المترجم.

إنها المرة الأولى يصدر للشاعر سليم بركات ديوان أو مختارات بالفرنسية بعدما ترجمت له الدار نفسها خمس روايات لقيت ترحاباً لدى النقاد والقراء وصدرت إحداها («الجندب الحديدي») في سلسلة «الجيب» (بابل) ما يعني رواجها شعبياً. عندما قرأ الكاتب الإسباني خوان غويتسولو ترجمة رواية «الريش» أعجب بها وكتب عنها وعن نثر صاحبها قائلاً: «نثر سليم بركات هو بمثابة هدية دائمة الابتكارات والصور الملهمة والمجازات الصادمة والتراكيب غير المتوقعة والشرارات الشعرية والتحليقات المجنحة. نثره خليط عجيب من واقع وحلم، من أسطورة وتأريخ مرير، نثر لا يخضع لقوانين الزمن ولا المكان».

سليم بركات ليس شاعراً وروائياً كبيراً فقط، بل هو ظاهرة فريدة تحتاج الى قراءة عميقة وشاملة على رغم السجال الذي يدور حولها وهو سجال طبيعي لا تفرضه إلا مثل هذه الظواهر الخارقة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.