«حديث في الكاتدرال» لبارغاس يوسا: تاريخ خاص للأمة

ابراهيم العريس | الثلاثاء 12 أيلول 2017



حتى وإن كان العمود الفقري لرواية الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا «حديث في الكاتدرال»، يتمركز من حول حديث ثنائي يدور على عدة جلسات في حانة شعبية تقع في حي بالغ القذارة في العاصمة ليما، فإن الرواية في حد ذاتها، وهي المعتبرة الأضخم بين روايات هذا الكاتب المبدع الفائز بنوبل للآداب قبل سنوات قليلة، من ناحية عدد صفحاتها، تعتبر كذلك من أكثر رواياته جرأة من الناحية السياسية هي التي تحتل المرتبة الثالثة، زمنياً، في إنتاجه الأدبي الذي لا يزال متواصلاً حتى اليوم على رغم تجاوزه الثمانين إذ صدرت له قبل أسابيع فقط ترجمة فرنسية لرواية جديدة لا تخلو من إباحية! مهما يكن، فإن بارغاس يوسا نفسه يعتبر «حديث في الكاتدرال» من أقرب رواياته الى ذاته، بل يكاد يرى في بعض جوانبها ما يقارب السيرة الذاتية، حيث حتى ولئن كانت ظروف حياته وعائلته تختلف عن ظروف وحياة بطل الرواية الذي يقاربه في السن، فإن ثمة في ملامح ومزاج وبعض المسار الشبابي لذلك البطل، ما يشابه ما كان للكاتب نفسه.

> مهما يكن فإن بارغاس يوسا ينبهنا دائماً الى أن التشابه يتوقف ها هنا، بمعنى أن الكاتب إنما استعار من ذاته ليوصّف بطله لا أكثر، وهذا البطل هو سانتياغو تسافالا الذي نلتقيه أول الرواية صحافياً ناجحاً الى حد ما، ينظر الى العالم نظرة ملؤها التهكم واللؤم ويبدو منذ اللحظات الأولى وكأنه يرزح تحت ثقل ماض ما... ماض لا يريد أن يمضي. بيد أن الجواب عن أي سؤال قد يشغل بالنا من هذه الناحية، سرعان ما يصلنا وفي ظروف تنبني بفعل الصدفة. فذات يوم إذ يصل سانتياغو الى بيته تخبره زوجته أن السلطات قد اختطفت كلبهما المنزلي وعليه الآن أن يقصد المستودع الخاص بالبلدية كي يستعيده. وإذ يفعل، يفاجأ بأن من بين عمال المستودع رجلاً يعرفه ويعود اليه من ماض سحيق: إنه آمبروزيو الزنجي الذي كان يعمل سائقاً لدى والده الدون فيرمان الذي كان واحداً من أعمدة النظام. وكان سانتياغو بارح البيت في أوائل سنوات الخمسين غاضباً إثر خلافات سياسية مع أبيه ولكن أيضاً إثر سلسلة من أحداث تتضمن جريمة قتل وما إلى ذلك راح سانتياغو يربطها بالأوضاع السياسية التي كانت سائدة في عهد الديكتاتور أودريا لذي كان الدون فيرمان من رجاله.

> إذاً، ما إن يلتقي سانتياغو آمبروزيو، حتى يدعوه الى تناول كأس معه في حانة «الكاتدرال» ويكون ذلك إيذاناً ببدء سلسلة المحادثات بين الرجلين. المحادثات التي تنطلق عملياً من سؤال يقض مضاجع سانتياغو: في أي لحظة محددة بدأت البيرو تغرق في جحيمها؟ وللوصول الى جواب عن هذا السؤال الشخصي - التاريخي - السياسي في آن معاً والذي يريد منه سانتياغو أن يطل ليس فقط على ما حدث لبلاده ولا لأبيه بل على ما حدث له هو شخصياً، ينهال بأسئلته على آمبروزيو وهي الأسئلة التي تمتد على طول الصفحات الستمئة التي تتألف الرواية منها. غير أن تلك الصفحات تتقطّع مع سلسلة طويلة وعريضة من الأحداث والاستطرادات التاريخية والعلاقات الجانبية. تغوص الرواية في تلك التشعبات، غير أنها تعود دائماً الى نقطتي الانطلاق: حانة الكاتدرال وحديث الرجلين فيها من ناحية، وسؤال سانتياغو الأبدي من ناحية أخرى.

> أما البؤرة الزمنية التي نطل عليها من خلال حديث سانتياغو وآمبرزيو فهي تلك الممتدة من العام 1948 وأواسط سنوات الخمسين، وهي سنوات حكم أودريا التي كانت من أكثر سنوات تاريخ البيرو تعقداً وخصوبة. وفي تلك السنوات، كما سندرك من خلال تقاطعات القسم الأول من الرواية المؤلفة من أربعة أقسام، كان سانتياغو طالباً في الجامعة منتمياً الى مجموعة شبابية ماركسية تناضل ضد الحكم الديكتاتوري، فيما كان الدون فيرمان من أقطاب النظام وصديقاً للمستشار الحكومي دون كايو برموديس. ويحدث هنا أن يحرض سانتياغو ورفاقه عمال القطارات على إضراب يُقمع بعنف فيُعتقل الطلاب ومن بينهم سانتياغو الذي سرعان ما يُطلق سراحه بفضل علاقات أبيه... ويسفر ذلك عن خيبة أمل تصيب سانتياغو متزامنة مع خيبة أمل عاطفية تنتج من فقدانه حبيبته عايدة التي تزوجت صديقاً له.

> في القسم الثاني من الرواية، والذي نتعرف اليه دائماً من خلال الحوارات بين آمبروزيو وسانتياغو، سوف تتقاطع لدينا ثلاثة خطوط أساسية من الخيوط الحدثية للرواية، ولكن هنا ودائماً تحت مظلة حكم أودريا والقمع الذي يسود وسيكون والد سانتياغو دون فيرمان وصديقه برموديس جزءاً منه، لكنهما لن يعتما أن يكون كذلك من ضحاياه بسبب فشل القمع الذي يمارسه برموديس في وضع حد للإضرابات التي بدأت تخيف الديكتاتور. والخيوط الثلاثة سيكون آمبروزيو أساسياً في واحد منها، إذ يدخل هنا على خط الأحداث منفذاً السياسات التي يأمره دون فيرمان بتنفيذها، ولا سيما إذ يحكي لسنتياغو عن مصالحته مع آماليا - خادمة الدون برموديس وعشيقته هورتانسيا. وهنا إذ يستذكر سانتياغو تركه البيت العائلي وبداياته كصحافي في مطبوعة «الكروناكا» يكوّن هذا الأمر خيطاً ثانياً فيما يتحلق الخيط الثالث من حول ضروب القمع التي يمارسها برموديس فتؤدي الى إطاحته وهربه الى البرازيل. ويقودنا هذا الى القسم الثالث والذي يفتتح على اكتشاف جثة هورتانسيا وانصراف سانتياغو نفسه، كصحافي مبتدئ في ذلك الحين، الى التحقيق في مقتلها...

> والحقيقة أن ها هنا، عند هذا الخيط تحديداً، تصبح الرواية أكثر ارتباطاً بكثير بأسئلة سانتياغو الخاصة. فهو، خلال تحقيقه حول مقتل عشيقة برموديس ستحوم شبهاته من حول أبيه بكونه هو الذي حرّض على قتل الغانية... بل أكثر من هذا سوف تدور شبهات إضافية لديه من حول ما سيبدو له مثلية جنسية لدى أبيه ما كان دفعه في ذلك الحين الى استعادة علاقاته العائلية. وهنا، بعد استعادتين زمنيتين في هذا القسم تقودان القارئ من ناحية، الى مواجهة الأحداث السياسية، ولكن من وجهة نظر برموديس نفسه الذي يشرح محاولاته تحطيم الائتلاف المعادي للديكتاتور، ومن ناحية ثانية الى الغوص في وجهة نظر آماليا، الخادمة وعشيقة آمبروزيو التي تحمل منه لكنه تحكي لنا في نوع من التذكّر فصول هبوط هورتنسيا الى جحيمها حتى اللحظة التي تنفجر فيها الذكريات ويعترف فيها آمبروزيو بأنه هو الذي أجهز على هورتنسيا بعد أن راحت تبالغ في ابتزاز الدون فيرمان مهددة إياه بفضح أسراره.

> أما القسم الرابع والأخير من الرواية، فإنه يعيدنا أول الأمر الى سانتياغو الذي يُروى لنا كيف أنه إثر حادث سير تعرض له، يتعرف الى الممرضة آنا التي أضحت الآن زوجته من دون أن يكون قد عاش حكاية حب معها... لكن هذا القسم يوصلنا أيضاً الى المومس كويتيتا التي تروي بقية ما تبقى من الأسرار المحيطة بمقتل صديقتها وبشخصية الدون فيرمان والدور الذي لعبه آمبروزيو في كل ذلك وصولاً الى عودة برموديس الى البيرو من دون أن يسائله أحد عن أي شيء حصل. أما بالنسبة الى آمبرزيو، فإنه إذ تتكشف كل تلك الأدوار التي لعبها في مجرى الأحداث، وإذ تؤكد روايته وروايات الآخرين أن كل ما فعله أو سكت عنه طوال ذلك التاريخ إنما كان دافعه أولاً وأخيراً هو إخلاصه ووفاؤه لسيّده دون فيرمان وسعيه للتستر عليه، فإنه حين ينتهي من اعترافاته كلها وقد شارفت أبواب الحانة على الإقفال وخلت جعبة سانتياغو من أي أسئلة إضافية، لا يجد مناصاً أمام حزن سانتياغو وخيباته، من أن يلتفت اليه بكل حنان قائلاً: «وماذا بعد؟ حسناً كان لا بد له في نهاية الأمر من أن يموت... أليس كذلك؟».

> من اللافت في هذه الرواية المبكرة كيف تمكن ماريو بارغاس يوسا، من أي يربط التاريخ العام لمرحلة ديكتاتورية معينة من تاريخ بلده البيرو، بتاريخ يبدو شخصياً جداً ولو ضمن حدود معينة. وهو كان قد مهّد لذلك على أي حال حين جعل عبارة لبلزاك تتصدر الرواية قائلة: «يجدر بالكاتب أن يكون قد نقّب في التاريخ الاجتماعيّ كله، كي يصبح روائياً، بالنظر الى أن الرواية إنما هي التاريخ الخاص للأمم». ومن هنا لم يكن غريباً أن تعتبر «حديث في الكاتدرال» (1969) تاريخاً خاصاً بالبيرو.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.