الملكية الفكرية واقتصاد المعرفة السعودي

فيليب ستيفنز | الثلاثاء 12 أيلول 2017



أشاد صندوق النقد الشهر الماضي بالإصلاحات الاقتصادية الواسعة المقررة ضمن «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» التي وضعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، لتكون استراتيجية شاملة للتحول الاقتصادي الوطني لتحقيق التنويع الاقتصادي لمرحلة ما بعد النفط في المملكة.

وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن آفاق المملكة على المدى المتوسط تبدو جيدة، بخاصةً في ظل بدء جني ثمار الإصلاحات المطبقة على النظام الضريبي وبيئة الأعمال. كما يرى الصندوق بأن السعودية تتمتع على المدى الطويل، بفرص أفضل لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وتوفير وظائف ذات قيمة عالية تأتي من الصناعات القائمة على المعرفة، كالمستحضرات الدوائية، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات، والمواد الكيماوية، والترفيه وغيرها من القطاعات المهمة.

وبلا شك، تدرك الحكومة السعودية أن اقتصاد المعرفة هو أمر حيوي لتحقيق النمو المستدام. وفي هذا الإطار، قال الرئيس التنفيذي لمدينة الملك عبد الله الاقتصادية فهد الرشيد، أن المملكة لا يمكنها الاعتماد على النفط في عالم يشكل اقتصاد المعرفة فيه محركاً للتنمية الاقتصادية، فالتصنيع أصبح ينتمي إلى القرن العشرين.

والأمر كذلك بالفعل، ففي عام 1975 شكلت المنتجات والخدمات المادية «الملموسة» في مجالات مثل الصناعات التحويلية، والزراعة، والسلع الأساسية ما نسبته 83 في المئة من القيمة السوقية لأكبر 500 شركة في الولايات المتحدة. وها نحن نرى الآية معكوسة اليوم، حيث تشكلت قيمة 85 في المئة من تلك الشركات في عام 2016 من «أصول غير ملموسة»، ما يعني أن أكثر الشركات الأميركية نجاحاً هي تلك التي تحقق معظم مكاسبها اليوم من خلال الأفكار، والمفاهيم، والعلامات التجارية، والمنتجات، والعمليات المبتكرة. وبالنتيجة، فإن السلع والخدمات التي تعتمد على الاستخدام الكثيف للمعرفة باتت تشكل اليوم أكثر من نصف مجموع الصادرات الأميركية.

يلاحظ توجه الاقتصادات الآسيوية المتقدمة نحو اتباع المسار ذاته، اذ انتقلت هذه الاقتصادات خلال العقود الأخيرة من النشاطات الزراعية إلى الصناعات التحويلية، ومنها الى الصناعات القائمة على المعرفة. وهناك عدد قليل من البلدان التي نجحت في تطوير صناعات مزدهرة قائمة على المعرفة بالاعتماد الكامل على مواردها المحلية فقط، حيث أصبحت بطبيعة الحال، المعرفة العلمية، والدراية التكنولوجية، ورأس المال المطلوب للبحث والتطوير تتوزع حول العالم.

ويمكن القول إن تلك الأيام التي كانت فيها شركة واحدة من شركات البحث والتطوير، كالعملاق الصناعي «جنرال الكتريك» على سبيل المثال، أو شركة الصناعات الدوائية العالمية «ميرك» تقوم فيها بتصنيع منتجاتها داخل منشآتها الخاصة من البداية الى النهاية قد ولّت. ولعل التحدي الذي تواجهه المملكة العربية السعودية يتمثل في كيفية أن تصبح مشاركاً عالمياً له اعتباره وثقله المؤثر ضمن العالم الجديد المترابط للابتكار، اذ لا بد ان تعمل على اجتذاب الشركات المبتكرة الى أراضيها.

وعلى سبيل المثال، نجد أن دولة مثل الصين أصبحت اليوم في طليعة الدول الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات البحث والتطوير، متغلبةً بذلك على دولة اقتصادية عظمى بحجم الولايات المتحدة. كما نجد أن قطاع الصناعات الدوائية بات يتربع على رأس تلك الاستثمارات بحسب تقرير شركة الدراسات «إف دي آي ماركيتس»، الذي أشار أيضاً إلى تعدي الفوائد التي تجلبها هذه الاستثمارات، لتشمل أيضاً المهارات الحيوية والجوانب المعرفية.

ولدى السعودية الكثير من المزايا التنافسية القادرة على دفعها لتحقيق التميز في مسيرة البحث والتطوير، فهي دولة ذات شعب فتي، وقاعدة متنامية من خريجي العلوم، وصاحبة استثمارات عالية نسبياً في قطاعات الرعاية الصحية، والإنترنت، وغيرها من قطاعات البنى التحتية. ونجد كذلك أن مناطق حرة في المملكة، مثل «مدينة الملك عبدالله الاقتصادية» نجحت بالفعل في استقطاب شركات عالمية رائدة في مجالات البحث والتطوير وحضها على تأسيس مرافق صناعية بها. كما بدأت المملكة العمل على انشاء «مدينة المعرفة الاقتصادية»، ضمن منطقة المدينة المنورة، وهي المشروع التي تأمل الحكومة السعودية في أن يصبح مركزاً إقليمياً مهماً للصناعات القائمة على المعرفة.

ومع ذلك، لا تزال المملكة مطالبة بتقديم مزيد من الدعم للحوافز الضريبية وتعزيز الاستثمار في التعليم وتكنولوجيا المعلومات، إضافة لضرورة تفعيل قوانين واضحة تضمن حفظ حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالمستثمرين الأجانب، بما فيها حقوق براءات الاختراع. فوجود مثل تلك الحماية القوية سيشكل حتماً عامل جذب مهماً للشركات العالمية، وخطوة تشجعها على زيادة الاستثمار في مرافق البحث والتطوير المحلية، أو الدخول في شراكات تعاون مع الشركات المحلية، ما سيسفر عن إطلاق منتجات جديدة خلال وقت قصير فيها، بخاصة في ظل ضمان حقوق الملكية الفكرية وحمايتها.

وتمتلك المملكة العربية السعودية الأساسيات الضرورية للملكية الفكرية، بما يتماشى مع التزاماتها كعضو في منظمة التجارة العالمية، حيث تشمل تلك الأساسيات توفير براءات الاختراع لمدة 20 عاماً لكل الاختراعات. وبحسب مؤشر التجارة الدولية لعام 2017 الصادر عن غرفة التجارة الأميركية، فإن المملكة تحتل مكانة متقدمة في المنطقة من حيث حماية الملكية الفكرية. إلا أن بعض التطورات الأخيرة قد تقوض مسار هذا التقدم. واستمرارية مثل تلك الإجراءات قد تبعث رسائل سلبية للمستثمرين الأجانب.

إن المملكة العربية السعودية قادرة على تحقيق هدفها بأن تصبح منافساً عالمياً مؤثراً في قطاع الصناعات القائمة على المعرفة، ولكنها تحتاج إلى جانب التمتع بالرؤية الواضحة، وهي بدأت بذلك، والاعتماد بالدرجة الأولى على توفير الحوافز المناسبة، وعلى رأسها تلك الحوافز المتصلة بمجالات الملكية الفكرية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.