«تشريح جريمة» بموسيقى إللنغتون: الجاز يؤسس حداثة سينمائية

ابراهيم العريس | الأربعاء 13 أيلول 2017



يعتبر فيلم «تشريح جريمة» (1959) للمخرج الأميركي أوتو بريمنغر من الأفلام السينمائية ذات المكانة المعتبرة في تاريخ السينما الأميركية. ولعل هذا الفيلم واحد من الأفلام التي غالباً ما نالت حظوة خاصة لدى النقاد ولكن بخاصة لدى دارسي السينما بشتى عناصرها. حيث إن هؤلاء تناولوا الفيلم من جميع جوانبه على مدى سنوات طويلة وصولاً حتى الى دراستهم التحليلية لملصقه الذي وضعه الرسام صول باس ويعتبر عادة من أجمل الملصقات التي وُضعت لفيلم «أسود» أنتجته هوليوود. ومع هذا، سيبدو مستغرباً في هذا السياق أن نذكر أن ثمة عنصراً واحداً من عناصر الفيلم يمر دائماً من دون أن يلفت النظر إلى أهميته التي سوف تتبين لنا بعد سطور. العنصر هو الموسيقى التي ينسى كثر عند الحديث عن «تشريح جريمة» أنها تحمل توقيع واحد من أكبر الموسيقيين في تاريخ الجاز الأميركي: ديوك إللنغتون. ولم يكن هذا كل ما في الأمر. فالأهم هو أن إللنغتون كان في هذا الفيلم أول موسيقي أسود في التاريخ يُكلّف بوضع الموسيقى الكاملة بخاصة تلك المستخدمة خارج إطار السرد الحدثي للفيلم - بما في ذلك ألحان الأغنيات - لفيلم هوليوودي من ذلك المستوى. قبله كان البيض يؤلفون حتى موسيقى الجاز في الأفلام بما في ذلك أفلام تدور من حول حكايات «زنجية» («بورغي إند بسّ» بموسيقى جورج غرشوين مثلاً). لكن بريمنغر أتى هنا وكسر القاعدة، وكانت النتيجة موسيقى رائعة وأغنيات بديعة تلقفها الجمهور ثم أفرد لها في ذائقته مكاناً مستقلاً عن اندماجها في الفيلم.... الى درجة أن تسميات الأوسكار التي كانت من نصيب «تشريح جريمة» تناست وجود إللنغتون في الفيلم تماماً. ومهما يكن كان الوقت لا يزال أبكر كثيراً من أن يسمح بوصول نعيم الأوسكارات الى من كانوا يُسمّون بعد زنوجاً أو سوداً أو حتى عبيداً.

> غير أن هذا لم يغير من الأمور شيئاً على أي حال، إذ ما لبث الجمهور العريض والنقاد أن أعادوا اكتشاف موسيقى الفيلم وأغنياته ليعتبروا ديوك إللنغتون رائداً في مجال موسيقى السينما أيضاً. بل إن ثمة اكتشافاً آخر ما لبث أن تحقق مع الأيام أيضاً، وهو اكتشاف أن إللنغتون لم يكتف بأن يكتب موسيقى الفيلم - وفي بعض الأحيان شراكة مع بيلي ستريهورن، ومرة على الأقل مع غاي لومبوردو، بخاصة بالنسبة الى تيمة عناوين الفيلم، بل إنه شارك في الفيلم ممثلاً أيضاً حيث لعب دور صاحب ملهى يمر به بطل الفيلم جيمس ستيوارت فيشاركه عزف البيانو على إحدى المقطوعات. ولئن كان كل هذا الحضور لإللنغتون في الفيلم قد عجز عن لفت الأنظار أول الأمر، فإنه ما لبث أن لفتها لاحقاً بحيث إنه ما إن يؤتى اليوم على ذكر «تشريح جريمة» حتى يتذكر كثر الأداء الموسيقي الرائع فيه، ولا سيما تفرد الفيلم موسيقيا بكونه أول فيلم يستخدم موسيقى «سوداء» في مشاهد عديدة منه لا تكون لها وظيفة مباشرة في سياق الفيلم، وذلك من دون أن تكون مجرد موسيقى تزيينية أو مصنوعة للتأثير العاطفي. والى هذا، يرى كثر من الدارسين أن الموسيقى التي تحمل توقيع إللنغتون الأوركسترالي العريض الذي لا يمكن أحداً ألا يلاحظه، بالنظر الى أن هذا الموسيقي الكبير حرص دائماً على البعد الأوركسترالي في أعماله، على العكس من زملاء له آثروا دائماً الاشتغال على توزيع يعتمد الآلات المنفردة- وهذا ما سوف نكتشفه بعد سطور، هذه الموسيقى وبصرف النظر عن مكانها في الفيلم، جاءت حتى من دون قصد من المؤلف الموسيقي أو المخرج، لتكرس مكانة مستقلة للفعل الموسيقي في سينما الموجة الجديدة التي كانت تولد في ذلك الحين في المقلب الآخر من المحيط الأطلسي، في فرنسا بخاصة وأوروبا بعامة. وبهذا يكون ديوك إللنغتون قد جعل لنفسه مكانة المؤسس حتى بالنسبة الى دور مقبل للموسيقى في السينما الحديثة.

> كان لافتاً حقاً أن يقف السفير الفرنسي في الولايات المتحدة في أحد أيام شهر أيار (مايو) 1973 ليقول لموسيقي أميركي أسود، فيما هو يقلده واحداً من أرفع الأوسمة الفرنسية: «إنك بوصفك عازف بيانو، وموزع موسيقى، وقائد اوركسترا ومؤلفاً، تعتبر صاحب نتاج غزير ومهم، لذلك فإننا، عبر شخصك، نتشرف اليوم بتوجيه التحية الى موسيقى الجاز، بسبب المكانة التي تشغلها هذه الموسيقى الأصيلة في مسار الموسيقى المعاصرة، وبسبب القيمة الإنسانية المرتبطة بمساهمتها في الثقافة العالمية». كان ديوك إللنغتون هو الرجل الربع القامة الذي تلقى ذلك التكريم فابتسم في ذلك اليوم بحياء شديد، زاد من حدته أنه كان تعباً مريضاً في ذلك الوقت، هو الذي لن يعيش بعد ذلك سوى عام واحد، إذ قضى في شهر أيار (مايو) 1974، وكان قد بات في الخامسة والسبعين من عمره.

> يوم مات ديوك إللنغتون، شعر أهل الموسيقى وهواتها في العالم أجمع أن صرحاً من صروح الفن الموسيقي في القرن العشرين قد هوى. فالحال أن ديوك إللنغتون لم يكن مجرد عابر في فضاء موسيقى الجاز، بل كان واحداً من كبار الذين عرفوا كيف يعطون هذا الفن وثائق حضوره في العالم وشهادات نبله. ولعل أهمية إللنغتون تزداد في نظرنا إن نحن أدركنا أن الرجل عمل، في ما عمل عليه، على إخراج الجاز من بوتقة الجهد الفردي والفرق صغيرة العدد، الى رحابة التوزيع الموسيقي الكبير، بحيث إن قطعة الجاز بين يدي إللنغتون أضحت موسيقى اوركسترالية تعزفها عشرات الآلات الوترية والإيقاعية وكأنها سيمفونية من السيمفونيات. ومن هنا القول إنه لئن كان معظم رواد الجاز خلال الثلث الأول من القرن العشرين قد جهدوا من أجل إدخال العالم زمن موسيقى الجاز، وجذب الناس للاستماع اليه وتقبّله كما هو في عفويته وبراءته معزوفاً من طريق عدد معين من الآلات، فإن إللنغتون كان في مقدمة أولئك الذين أضفوا على الجاز قيمة كلاسيكية وكونية يُعتدّ بها.

> وإذا كان رواد الجاز السابقون على ديوك قد أعطوا مكاناً كبيراً للآلات منفردة، فيحلق عازف الترومبيت مبدعاً كما يحلو له (لويس آرمسترونغ مثلاً) وكذلك يفعل عازف الكلارينيت (سيدني بيشيت) أو عازف البيانو (كاونت بيسي) أو عازف الغيتار (دجانغو رنهاردت). هذا لكي لا نذكر سوى أصحاب أكبر الأسماء، فان ديوك إللنغتون اختار الدرب الأخرى، الدرب الأصعب: اختار إدخال الجاز نفسه في زمن العالم. كيف؟ بكل بساطة من طريق التعامل مع قطعة الجاز بوصفها قطعة موسيقية يجوز توزيعها على اوركسترا كبيرة ويجوز التعامل معها بوصفها عملاً جماعياً.

> في هذا المعنى نقول إن موسيقى الجاز ظلت قبل ديوك إللنغتون، وعلى رغم كبار مبدعيها الساحرين، ظلت تعتبر موسيقى بدائية و «بربرية»، لا علاقة لها بـ «الموسيقى الحقيقية». وهي إذا كانت تحب فإنها تحب لغرابتها وعفويتها. أما ديوك إللنغتون فقد رأى ان العكس أصح، بخاصة أن كبار الموسيقيين «الكلاسيكيين» من مبدعي بدايات هذا القرن، من أمثال ديبوسي ورافيل وميلو وسترافنسكي وصولاً الى جورج غرشوين، كانوا قد التفتوا حقاً الى موسيقى الجاز واهتموا بها، وانعكس هذا الاهتمام في بعض أعمالهم. وكان هذا الواقع هو الذي قاد إللنغتون الى تحويل لعبة الجاز من لعبة عزف الى لعبة توزيع حقيقية. واليوم حين نصغي الى مقطوعات السوينغ خصوصاً التي ألفها إللنغتون، أو التي وزّعها وهي من تأليف غيره، نجدنا أمام أعمال كبيرة تمكن بكل بساطة مقارنتها بأعمال سترافنسكي ورافيل.

> ومن الطبيعي أن يكون أسلوب إللنغتون قد راق بعضهم وأثار حنق بعضهم الآخر. وكان من بين أعضاء هذا الفريق الأخير موسيقيون رأوا أن قيمة الجاز تكمن في فرديته وعفويته إن فقدهما لم يعد ذا قيمة. غير أن أعمال إللنغتون والإقبال الشديد عليها، بخاصة استخدام موسيقاه في بعض الأفلام الكبيرة كما الحال هنا في «تشريح جريمة»، واستعانة كبار المغنين به؛ كل هذا جعل عمل إللنغتون يبدو الأكثر صحة، وجعل موسيقى الجاز تصبح على يديه جزءاً من التراث الإنساني الكبير يتم التعامل معه لقيمته الفنية وليس فقط لغرابته وتمرديته. وفي هذا الإطار، كمنت المكانة التي حظي بها ديوك إللنغتون والتي جعلت رحيله يُحسّ يوم رحل، بوصفه رحيل موسيقي كبير من موسيقيي زماننا هذا.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.