أوجه شبه وتشابك واختلاف بين نظام العبودية ونظام العمل المأجور

أوليفييه غرينويّو | الأربعاء 13 أيلول 2017



بين وقت وآخر يتجدد القول إن العمال المأجورين، ضحايا رأسمالية لا رقيب عليها ولا حسيب، هم أشبه بعبيد من صنف جديد. والمقارنة بين العمالة الصناعية والرأسمالية وبين العبودية ليست جديدة. فمنذ منعطف القرن الثامن عشر الى التاسع عشر، طرحت المسألة على المناقشة، وكانت فرعاً على قضية طارئة هي إلغاء العبودية وليس إصلاحها. وأدلى بعض وجوه الاقتصاد السياسي، العلم الناشئ، ديبون دي نيمور (1771) وآدم سميث (1776)، بحجة تؤيد إلغاء الرق، فقالا إن عاملاً حراً يعمل لقاء أجر، ويحرص على انتاجية عمله، يفوق انتاجه انتاج عامل مملوك. ونظام العبودية ضعيف المردود ما لم تشفع به اجراءات مصطنعة كثيرة، مثل مساندة الدولة تجارة الرقيق وتأطير المستعمرات تأطيراً عسكرياً، تثقل كاهل قوانين الاقتصاد الطبيعية.

وسرعان ما انتضى أنصار إلغاء العبودية الحجة التي تبلورت في وسط الاقتصاديين. وكان شاغل هؤلاء الأنصار، وهم صدروا أولاً عن معيار أخلاقي ديني أو دنيوي، البرهان على ان كفاحهم في سبيل عتق العبيد لا يؤدي الى انهيار أميركا وأمم أوروبا معها. ورد أنصار الرق بأن عبيد المستعمرات أحسن حالاً من بروليتاريا أوروبا الصناعية. وحجة أنصار الرق انتهازية، وتستقوي بأثر التصنيع في إضعاف النظام الأبوي، وتجدد الولاء للنظام المتهاوي الذي كان إلى أمس قريب العالم الذي يخلد إليه الناس ولا يعرفون غيره. وركن الحجة الثاني هو الوقائع القاسية، والمنسية اليوم، التي غلبت على حياة العمال: ساعات العمل اليومية الطويلة (12-16 ساعة)، والأجور الضئيلة، ونسبة الوفيات الفادحة، وتعاطي الكحول المرضي، والبغاء.

واستمرت المناقشة في العقود الثلاثة 1820-1840، وصحبتها اجراءات إلغاء العبودية في بريطانيا (1833) وفرنسا (1848). وفي الأثناء، توسع التصنيع، ومعه طبقة البروليتاريا. وتصدى أصحاب الميول والنزعات الخيرية، ودعاة الاشتراكية الفتية والمصلحون الاجتماعيون، للدفاع عن الطبقة العاملة، وأبرزوا أوجه الشبه بينها وبين أحوال العبودية. واستعاد «التقدميون» حججاً سبق أن احتج بها المحافظون ونفوا عن العبودية الفظاعة التي دمغها بها خصومهم، أي التقدميين، ودعوا الى الاقتصار على «إصلاح» أحوال العبيد والتخلي عن رفع لواء إلغائها.

وتولى داعية العقيدة الكاثوليكية الاجتماعية، فيليسيتيه دي لامنيه، صوغ مفهوم «العبودية المعاصرة» في كتيب طبعه في 1839 وحمل هذا الوسم. وعمد عمال راديكاليون الى تعليق مهرجان في بيرمينغهام يناصر الدعوة الى إلغاء العبودية، في 1838، بينما كان عمال باريسيون يوقعون عريضة، في 1844، تندد بالمساواة بين العامل الحر وبين العبد المسترق والمملوك وتطعن فيها. وعلى خلاف التوقع، لم يبدد ابتعاد طيف العبودية الكولونيالية (الاستعمارية) وابتداء الرأسمالية المتوحشة هذه المقارنة. والسبب في الأمر أن تعريف العبودية بقي غامضاً ومشكلاً، زمناً مديداً. وفي 1926، اقترحت عصبة الأمم تعريفاً، عدّلته الأمم المتحدة في 1955، أبرز وجهّي العمل والملكية. ولكن العبد قد لا «يعمل»، وعلى الخصوص حين يجند ويحمل على احتراف القتال. ومن العسير الاتفاق على مفهوم الملكية، ووصف أحوال العبودية اليوم بها حين يسترق السيد العبد عنوة وجبراً، ولا يتمتع بحق يمت الى الملكية، على المعنى الدقيق والقانوني، بصلة.

وفي موازاة تطور المفهومات الغربية عن الحرية، عمَّ الطعن في الأحوال والأوضاع التي تقيّد الحرية، وشبّهت هذه الأحوال بأزمنة العبودية الكريهة. ومنذ عقد 1970، انبعثت فكرة قديمة رأت في العمل شكلاً من أشكال الاستلاب المقنع والمزيّن، وخصّت الخدمة المنزلية بهذه الصفة. وظهرت بعد توارٍ صور استغلال قوية الشبه بالعبودية في أنحاء متفرقة من العالم (جنوب الصحراء الإفريقية، وفي الشرقين الأوسط والأقصى وآسيا، وفي «الشمال» كذلك).

واحتمال مفهوم «العبودية المعاصرة» معاني كثيرة أدى الى ضعف تمييز أشكال الاستغلال بعضها من بعض، وإلى دمج بعضها في بعضها الآخر. وينزع المفهوم المختلط الى غمط هذه الأشكال خصوصياتها وقرابتها، وإلى حل العمل المأجور والعبودية في أبواب أقرب الى الإدانة الأخلاقية منها الى التحليل. والتخفف من التأريخ المزعوم الذي يقضي بتعاقب العبودية والقنانة والعمالة المأجورة على خط بياني واحد ومتصل، يوكل إليه وصف أشكال الاستغلال، (هذا التخفف) خطوة تمهيدية ضرورية لفهم خصائص هذه الأحوال الاجتماعية.

والقول إن كل شكل من هذه الأشكال يخلي محله لشكل يخلفه لا يتفق مع الملاحظة السطحية. فالعبودية والعمل المأجور لم ينفكا عن معاصرة واحدهما الآخر والتقاطع وإياه. وهما ولدا غداة تحولات كبيرة متشابهة إن لم تكن واحدة. فالعبودية نشأت غداة العصر الحجري الذي شهد بدايات تخصص قوي في إنفاذ العمل ومهماته، ورافقته بعض صور عمل لقاء أجر. وإلى الحقبة الحديثة، بقي العمل المأجور مقصوراً على دائرة ضيقة، وعاصر نظام الرق أشكالاً متفرقة من العمل غير الحر، فردية كانت التبعية أم جماعية. ولم يحل الاضطرار الى جزاء بعض الأعمال أجراً في أوروبا المتوسطية (وفي إطار العمل الحرفي خصوصاً)، الى القرن الخامس عشر، من دون انتشار العبودية ونظامها.

وحين انتشر العمل المأجور لم تجمع بينه وبين النظام العبودي قواسم مشتركة. فمن ناحية، يعامل رجل معاملة السلعة، ولا يتمتع بأي حق، ولا يقر له بإمكان الخروج من حاله إلا من طريق فعل يبت فيه طرف واحد هو مالك العبد (إذا قرر عتقه) أو الدولة (إذا قررت إلغاء الرق). ومن الناحية الثانية، عامل حر ينص عقد متعاقدَيْن على ما عليه القيام به. وعلى رغم هذا، لم يخل تاريخ نظامي العبودية والعمل المأجور من علاقات جوار وتشابك وتهجين. ولما كان العبد تعريفاً هو الرجل، أو المرأة أو الطفل الذي يحق لصاحبه التصرف به كما يشاء، فالعبودية علاقة لا حد لمرونتها. ووسع العبيد أنفسهم التحكم في عبيد، على ما استن قانون روماني. ونشأت عن نظام العبودية أحوال كثيرة تجوز مقارنتها بأشكال استغلال أخرى منها شكل العمل المأجور.

وثمة، على سبيل المثل، «العبيد الموهوبون». وهؤلاء يستأجرهم سيدهم، ويستغلهم استغلالاً غير مباشر يعود عليه بعائد أو ربح، ويعود على العبد ببعض الاستقلال وبتأهيل. وهذا الصنف من العبودية عرفته بلدان كثيرة في عصور متفرقة: في اليونان وروما القديمتين، وفي إفريقيا جنوب الصحراء قبل الاستعمار الغربي، وفي آسيا وأميركا في عهد الاستعمار... وتطلق عليهم أسماء مختلفة، ولكن أحوالهم لا تقصرهم على حال سلعة. فبعض العبيد في أثينا كانوا يعيشون ويعملون مستقلين تجاراً وحرفيين، ويؤدون لسيدهم أتاوة ويحتفظون ببقية كسبهم لأنفسهم. وكان في مستطاع العبد شراء حريته من سيده إذا جمع من المال ما يكفي.

وعرفت روما عبيداً «موسرين» تعود ملكية مالهم الى سيدهم، ولكنهم أحرار في استثماره وتوظيفه. وفي منتصف القرن العشرين، عمد أثرياء في بعض بلدان آسيا الى إيجار عبيدهم الى شركات تعدينية، وتقاضوا هم أجور هؤلاء. وهذه قرائن على ان العبد ليس على الدوام عاملاً من غير تأهيل، وطريقة استغلاله ليست واحدة. و «العبد الموهوب» أو العامل المؤجر هو عامل لقاء أجر من غير أن يكون عاملاً مأجوراً أو جزءاً من نظام العمالة المأجورة.

وفي أوقات الانتقال من نظام الى نظام، تنتشر صيغة عقد الالتزام. وبموجبها يتعاقد مهاجر على تمويل سفره من بلد المنشأ الى المهجر، وإقامته في المهجر، مع صاحب عمل يتعهد الإنفاق على المهاجر لقاء حق حصريّ في عمل المهاجر طوال مدة من الزمن (بين 3 أعوام الى 7 في القرن السابع عشر في أميركا). وفي منتصف القرن السابع عشر، كان نصف موقعي عقد الالتزام يموتون قبل المدة التي ينص عليها العقد. وفي منتصف القرن التاسع عشر، هاجر 13 مليون عامل صيني وهندي الى أنحاء العالم بموجب هذه الصيعة. واستعمل الالتزام في أميركا الكولونيالية قبل التوسل بالعبودية على نطاق واسع جداً، وفي الوقت بين إلغاء العبودية وقبيل انتشار نظام العمالة المأجورة في الأميركيتين وحوض المحيط الهندي.

وعُرف نظام وسيط بين الرق والعمالة هو نظام التأهيل والتلقين. وقضى هذا بعتق العبد شرط أن يعمل حيث يحتاج إليه سيده السابق أعواماً يحدد القانون عددها. فيتفادى الأسياد السابقون نضوب اليد العاملة، ويسددون على أقساط كلفة إلغاء الرق. وحين ألغت دولة البيرو نظام السخرة الجماعية، غداة الاستقلال، توسّل كبار الملاّكين بنظام قانوني مكّنهم من توظيف عمال مأجورين أحرار وإلزامهم العمل في الأرض، وذلك من طريق تسليف العامل، حين التعاقد معه، تكلفة إعالة أسرته، وتعهده رده الدين هذا. ولم يلغَ النظام القسري هذا قبل استيلاء الجنرال خوان فيلاسكو ألفارادو على الحكم في 1969... ومثل هذا النظام دليل على تشابك أنظمة الاستغلال، وعلى ضعف مرونة بعضها وغلبة منطق السلطة عليها وتقدمه على المنطق الاقتصادي. وعلى هذا، فنظام العبودية هو صنو سلطان مطلق على العبيد، والقيود عليه من داخله: ضعف نمو السكان وضعف الإنتاجية.

 

 

* مؤرخ وأستاذ في جامعة باريس الرابعة، عن «ليستوار» الفرنسية، 9/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.