الموظف الفضائي

محمد المختار الفال | الأربعاء 13 أيلول 2017



< الفساد حين تتسع دائرته وتتعدد صوره وتختلط أساليبه بحياة الناس يتحول إلى «ثقافة» قادرة على تطوير آلياتها وتكيفها مع البيئة الناشطة فيها، وحينها يصبح الفساد «صناعة» ومهنة تدفع أهلها إلى الإبداع والاختراع والتجديد والقدرة على التعامل مع البيئة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإعلامية.

و«الإدارة العربية»، وإن اختلفت البيئات وتفاوتت المظاهر، دخلت نفق الفساد عشرات السنين، منذ أن توالت الانكسارات العسكرية والتراجعات الاقتصادية والحيرة الثقافية والهشاشة الصناعية والهجرة من الحقول الزراعية إلى المدن الهامشية، التي زاد من وطأتها على حياة الناس فشل المشروع التنموي، الذي أفضى إلى ضغوط مركبة تركت آثارها السلبية في كل شيء؛ الفن والسياسة والاقتصاد والقيم، وتراجع كثير من الأحلام والطموحات، فتحولت اهتمامات الفرد إلى الكد من أجل لقمة العيش أو ما دونها! ولم يعد الإنسان العادي، في قطاعات كثيرة من المجتمعات العربية، يعنى بأكثر مما هو داخل في نطاق «تدبير» أسباب البقاء على قيد الحياة. في تلك الأجواء والظروف المقلقة المحبطة أصبح الفساد «أداة» للتحايل على صعوبات ذلك الواقع المرير، حين اتسعت دائرة المتأثرين به، فتشارك السياسي مع المهني مع القانوني «للتعاون» على تطوير «الصنعة» وابتكار الصيغ وتجميل العناوين وتوزيع الأدوار وتعظيم الفوائد، ومن الطبيعي أن تكون البيئة السياسية هي «الرحم» التي يتخلق فيها جنين الفساد، قبل أن يخرج إلى دهاليزه ومساربه ويتغلغل في شبكة العلاقات الاجتماعية، ويترعرع في خيوط المنافع، وتنمو جذوره في تربة المجتمع، لتتفرع أغصانه إلى المنتفعين والأزلام والمطبلين في كل مجال. ومثل كل «الفنون» فإن «فن الفساد» تتطور أسماؤه وتتعدد مصطلحاته وتتنوع رموزه، وفقاً للبيئة التي تحتضنه أو تتورط فيه من دون قصد منها، فحين يسكنها يغمرها بقيمه ويختلط بتربتها ويسقي جذور أشجارها حتى يقوى عودها، فيصعد ليعشش على أغصانها مفرخاً أجيالاً جديدة تنظر إليه على أنه أسلوب حياة ودلالة نجاح وشهادة تميز، وزاد من سرعة شيوع تلك الأسماء والرموز وسائل التواصل الاجتماعي عابرة الحدود، التي تصور حياة الناس في تقلباتها وتوثق الوقائع بالصوت والصورة. وآخر ما تناقلته وسائل الإعلام من «تقليعات» الفساد وتجديد عناوينه وطرازاته «الموظف الفضائي» الذي أصبح وسيلة لسرقة المال العام تحت تعيين موظفين وهميين يتقاضون رواتب وانتدابات وتذاكر سفر ومميزات، من دون أن يكون لهم وجود في الواقع، وتعود براءة «سك» هذا المصطلح إلى الحاضنة العراقية، التي أبدع كثير من «تجار» سياستها في ابتكار وسائل نهب الثروات الوطنية في صورة غير مسبوقة، فبعد الاحتلال الأميركي وانهيار الدولة وتولّي ميليشيات حزبية مسؤولية الشأن العام وتقسيم الغنائم، ظهر مصطلح «الموظف الفضائي» الذي يدل على تعين موظفين في وظائف حكومية «تعييناً اسمياً» أي تعيين لا يلزم صاحبه بدوام أو حضور، ولكن يمنحه راتباً كاملاً ومخصصات ومتنوعة قد تفوق قيمتها، في الغالب، الراتب المخصص للوظيفة. وقد كشفت المراجعات الأولية أن هؤلاء الموظفين «الفضائيين» كانوا «وهميين» لا وجود لهم ولا أثر لملفاتهم ووثائقهم أو ما يدل على «كيلهم الأرضي»، الذي يدفع رواتبهم ومخصصاتهم إلى حسابات وجيوب المسؤولين الذين وظفوهم. وتتحدث وسائل الإعلام والخبراء العراقيون عن هذه الظاهرة ويربطون تفشّيها بعهد رئيس الوزراء نوري الملكي (الطائفي القبيح)، إذ شاعت وعم بلاؤها في ثنايا خيوط مؤامرة «توزيع التركة» وتدمير بنية الدولة والقضاء على مؤسساتها، تمهيداً لكسر إرادة أهلها وتسليم قرار وطنهم للمصالح الخارجية، التي أدت إلى تفتيت الوحدة العراقية وتعميق الفرقة بين أطياف مجتمعه، وإيهام بعض مواطنيه بأن نجاتهم تكمن في الانحياز إلى طوائفهم أو أعراقهم أو مللهم، حتى وإن كانوا خارج حدود الوطن والولاء له. وقد أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بعد شهرين من توليه المسؤولية، اكتشاف 50 ألف وظيفة عسكرية وهمية في أربع فرق عسكرية، وقال أمام مجلس النواب في الـ24 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2014: «خلال فترة زمنية قياسية - شهر واحد - استطعت أن أكتشف من خلال التدقيق الورقي 50 ألف «فضائي» في أربع فرق عسكرية... تمكنا من خلال تدقيق بسيط من اكتشاف ذلك... وإذا أجرينا تفتيشاً على الأرض فسنرى العجائب والغرائب». إذاً خمسون ألف وظيفة وهمية في أربع فرق عسكرية ليست إلا «رأس جبل الثلج»، كما يفهم من كلام السيد العبادي، فماذا عن بقية القطاعات العسكرية؟ وماذا عن جهاز الدولة المدني؟ فهل تخبئ «العجائب والغرائب»، كما قال السيد العبادي؟ وما كشفته الخصومات السياسية في العراق، التي تدفع الحزبيين، عادة إلى تتبع عورات أعدائهم ورصد أخطاء منافسيهم لفضحها من أجل تحقيق مكاسب انتخابية ضيقة، يمكن تعميمه، من دون مبالغة، على عموم الدول العربية، وإن كان بدرجات متفاوتة وبأنواع مختلفة، بحسب البيئة وحجم الثروة وقنوات تسربها وآليات توزيعها، لكن يبقى القاسم المشترك هو: أن فشل التنمية، بمفهومها الشامل في التجربة العربية منذ أكثر من 60 عاماً، هو الذي أوقع المنطقة في دوامة التنازع وأدخلها نفق الإخفاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية والثقافية والإعلامية المتتالية، وعمّق جذور الفساد في الإدارة العربية، وقتل الضمير الحي، وأوقع كثيرين في مرارة الإحباط وهزيمة الانكفاء على الذات، بعد أن أصبحت «الأسرة الصغيرة» والطائفة هي كل شيء بالنسبة للفرد، وتلاشى مفهوم الوطن والمواطنة والغايات المشتركة، وأصبحت المصلحة الخاصة هي «السيد» الموجه، الآمر الناهي. وظهور «موظف فضائي»، بغض النظر عن البلد الذي وجد فيه، يعني وجود «وكيل أرضي» مهد له البيئة الحاضنة ومنحه حق العيش والتغلغل في شرايين مراكز الإنتاج والمؤسسات المالية بالدساتير المكيفة والقوانين المفصلة والانتخابات المزيفة والبرلمانات «الديكور»، وقبل إصلاح الأسباب سيظل الفساد «صناعة» متجددة تبتكر آلياتها كل جديد للالتفاف على «الحلول الموقتة»، فهل يهتدي العرب إلى طريق الخروج من الدائرة المغلقة؟

 

 

* كاتب سعودي.

mohalfal@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.