عن هواجس الثقافة التي تتكلم العربية

ناصر الرباط | الخميس 14 أيلول 2017



في نقاش مع واحد من ألمع طلابي عن الكتابة باللغة العربية، تجادلنا في ما يعنيه أن يكتب المرء (وبالتالي يفكر) بلغة غير لغته الأم. لاحظ محدثي أن المفكرين المغاربة، وهو منهم، الذين يكتبون باللغتين الفرنسية والعربية ينتجون كتابات مختلفة باللغتين: مختلفة الروح والنفس والجمالية، ولكن، وهذا هو الأهم، مختلفة المعنى والمغزى على رغم أن الكتابتين تصدران عن المفكر ذاته، وهو (أو هي) عادة ما يكون ضليعاً باللغتين، أي أن إتقان اللغة لا علاقة له باختلاف التعبير. والحال ذاتها بالنسبة الى العدد المتزايد من الكتاب، من العالم الذي ما زال يحبو باتجاه التقدم، الذين يكتبون باللغة السائدة اليوم، الإنكليزية، ممن يتحدثون عادة بلغتهم الأم (التمييز ضروري هنا لأن كثراً من أبناء المستعمرات البريطانية السابقة، كما حال المستعمرات الفرنسية السابقة، يكتبون ويفكرون ويتحدثون بلغة المستعمر). دفعتنا هذه الملاحظة لمحاولة فهم كتابتنا نحن الاثنين: هو يكتب بالفرنسية والعربية وأنا بالعربية والإنكليزية. هل نكتب فعلاً بروحين مختلفتين باختلاف لغة الكتابة؟ وهل يعود هذا الاختلاف إلى تركيبتنا نحن، أي إلى كوننا متكلمين أصليين بالعربية واكتسبنا لغة التفكير والبحث لاحقاً؟ أم أنه يعود لخصوصية كل لغة في كيفية تعبيرها عن العالم وما يحويه وكيفية استيعابها له وإضفاء المعنى عليه. ليس هنا المجال للخوض في أصول اللغات أو النقاشات البنيوية عن ماهية اللغة. ولكن طرح هذه الأسئلة ضروري لمعالجة موضوعين مترابطين: هل الكتابة (والتفكير) باللغة الأم ضروريان للوصول إلى لب المعنى كما تحمله اللغة التي تشبعها الإنسان؟ وما هو الثمن الذي يدفعه المرء (أو الربح الذي يجنيه) عندما يكتب ويفكر بلغة غير لغته الأم؟ من هذين السؤالين يتفرع السؤال الأكثر إلحاحاً: ما الذي يحصل للثقافة التي تفقد التعبير الجاد والمفكر فيه بلغتها الأصلية والتي يستعيض مفكروها عن لغتهم الأم بلغة أخرى، اكتسبوها رغبةً أم غصباً.

شغل هذا السؤال العديد من المفكرين والكتاب والمخططين التعليميين والسياسيين والمصلحين. وهو يحتل في عالمنا العربي، كما حال العديد من الأسئلة العويصة، موقعاً خلافياً وعقائدياً، تتخذ حوله المواقف ويحدد الأعداء والأصدقاء. ولكن السؤال ذاته في حاجة لسبر أكثر على الصعيدين الفردي والجماعي. على الصعيد الفردي من منطلق حرية التعبير ولكن أيضاً التنافس والتواصل الثقافي عبر العالم المعاصر الذي تتوضع فيه اللغات وفق تراتبية لا تختلف كثيراً عن التراتبية الثقافية والعسكرية والسياسية المهيمنة. أما على الصعيد الجماعي، فالسؤال يعكس هاجس كل ثقافة في فقدان قوة التعبير بلغتها وبالتالي فقدان تأثيرها في الثقافة العالمية، وهو هاجس موجود بقوة في السياسات التعليمية والثقافية في العالم العربي كما في بلاد أخرى تراجعت لغاتها الأصلية عن ريادتها التعبيرية. ولا تكفي طبعاً العودة إلى المقولة القديمة أن كون اللغة العربية لغة القرآن كفيل بحفظ ريادتها، فهي وإن كانت لا تزال لغة قراءة القرآن من جانب مئات ملايين المسلمين إلا أنها للأسف لم تعد لغة التفكير بالقرآن ودراسته. والحال ذاتها في ما يخص الخصائص الأخرى للثقافة العربية من أدب وفن وعلم وفقه، فهي كلها مواضيع صار البحث فيها بغير اللغة العربية أعمق وأكثر تأثيراً من البحث الواهن الذي ما زال يصدر باللغة العربية. بل إن اللغة العربية المعاصرة ما زالت تفتقر للأدوات التعبيرية والمصطلحات التي تمكنها من مواكبة التفكير التحليلي والنقدي المعاصر كما يتطور في اللغات العالمية الأخرى.

هذه هي المسألة التي واجهها رواد إحياء اللغة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بتأسيسهم مجاميع اللغة العربية في أكثر من عاصمة عربية. وهذه هي المشكلة التي ازدادت ضراوتها بتراجع السياسة والثقافة والعلم في القرن الماضي والتي عاد بعض مفكرينا ومخططينا للإلحاح عليها كما حصل مؤخراً بتأسيس معهد الدوحة للدراسات العليا.

ولكن المشكلة أعمق من أن تحل على الصعيد الاجتماعي والسياسي والتخطيطي، فهي قد تغلغلت إلى داخل كل فرد من المفكرين العرب، الذين يسعون لإيجاد مكان لفكرهم في عالم لم يعد لسياسة بلادهم ولا لصوتها دور يذكر فيه. فمن دون الوجود السياسي والاستراتيجي الفاعل لا مكان كبيراً للإنتاج الثقافي لثقافة ما. وربما كان هذا هو السبب الأساس للجوء العديد من المفكرين العرب للبحث والكتابة بلغات عالمية غير العربية (وأنا هنا لا أتكلم عن الإنتاج العلمي الذي لم يعد فيه مكان للعربية تقريباً). فهم يريدون أن يساهموا في الخطاب المعاصر، يريدون أن يُقرأوا، يريديون أن يتواصلوا مع منتجي الفكر في مجالاتهم، بالإضافة طبعاً لمأزق سيطرة لغات المستعمر السابق والحاجة إلى الدعم المادي للبحث الذي يأتي بغالبه من مؤسسات غربية. وهم بالتالي لا ينتجون فقط بلغات أخرى ولكنهم يساهمون في إغناء هذه اللغات الأخرى، حتى في مجالات الفكر الإسلامي والثقافة واللغة العربيتين، ويفقرون بالتالي اللغة العربية التي تتراجع أكثر لكي تبقى لغة تعبير أكثر منها لغة تفكير.

هناك أيضاً الهاجس النفساني بالتعامل باللغة الأم أو بلغة مكتسبة والذي يعاني منه كل من يكتب أو يفكر بلغة غير لغته الأصلية. ولا يكفي هنا أن نذكر بالأدباء العمالقة الذين كتبوا بلغات غير لغتهم الأصلية وأنتجوا أدباً رفيعاً احتل مكانة عالمية مثل جوزيف كونراد البولوني الذي كتب بالإنكليزية وفلاديمير نابوكوف الروسي الذي كتب أيضاً أكثر روائعه بالإنكليزية، أو مفكرنا الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد الذي كتب كل دراساته عن الاستشراق بالإنكليزية أيضاً (والذي كان يكتب مقالاته التحليلية السياسية عن العالم العربي بالإنكليزية وتُترجم وتُنشر في هذه الصحيفة). فهؤلاء كلهم نبغوا في الغرب الذي أعطاهم مكاناً ومكانةً ربما لم يكونوا ليحصلوا عليها في بلادهم الأصلية. ولكنهم بلا شك عانوا من ازدواجية في التعبير عبر عنها نابوكوف بطريقة رائعة ولكنها يائسة عندما كتب في خاتمته «عن كتاب بعنوان لوليتا»: «إن مأساتي الشخصية، التي لا يمكن لأحد، بل لا يجب على أحد الالتفات إليها، هي أني قد اضطررت لترك وسيلة تعبيري الطبيعية، لغتي الروسية الحرة والغنية والمطواعة لكي أكتب بنوع من الإنكليزية من الدرجة الثانية خالٍ من أي من الأدوات التي يمكن للكاتب باللغة الأصلية أن يستخدمها بطريقة سحرية لكي يتجاوز التراث بأسلوبه الفردي». قارن ذلك بما قالته الكاتبة الصينية الأميركية الرائعة والغامضة يي يون لي محورة من عبارة نابوكوف: «إن خلاصي الشخصي، الذي لا يمكن لأحد، بل لا يجب على أحد الالتفات إليه، هو أني قد لفظت لغتي الأم». وكل الكتاب بغير لغاتهم الأصلية، على ما أظن، ينوسون بين هذين الحدين.

 

 

* كاتب سوري وأستاذ في أم آي تي، ماساتشوستس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.