صورة جانبية للجدة في سنواتها المئة وأكثر

دبيّ - عُلا الشيخ | 12/01/2017 03:46:28 م



جميلة هي تلك الأفلام التي يصنعها المخرج اللبناني هادي زكاك بين الحين والآخر. جميلة بالمعنى الشامل لمن يريد أن يتذوق السينما الوثائقة في شكل مختلف. في أفلامه لا تشعر بالملل بل بأنك تتمنى للحظات أن يكون هنالك المزيد، فهو المتمرس بالتوثيق المتعلق بالأرشفة، تحس كما لو أنه يعيش في غرفة مليئة بالأوراق والأشرطة، والصحف والأسطوانات العتيقة، وتشعر بتلك الغرفة المفترضة أكثر من خلال لون غالبية أشرطته السينمائية التي قدمها. وهو الذي صنع سابقاً «لاجئون مدى الحياة» (2006)، و «درس في التاريخ» (2009)، و «مارسيدس» (2011) و قبل حين، «كمال جنبلاط، الشاهد والشهادة» (2015)، يطل هذا العام في فيلم «يا عمري» الذي عرض في الدورة 13 من مهرجان دبي السينمائي الدولي، والذي على رغم عدم حصوله على جوائز، ترك اثراً عميقاً لدى غالبية من شاهده.

فنحن هنا أمام قصة «هنريات» جدة المخرج زكاك نفسه، والذي يبدو أنه الحفيد المدلل لها. حيث أن كاميراته كانت معه لمدة 20 عاماً فائتة وهو يصورها في جل مراحلها العمرية المختلفة ، وهي المراحل التي تبدأ بعمر الثمانينيات وتنتهي عن عمر ناهز 103 من الأعوام.

 

بين الجدة والحفيد

من الممكن تقسيم الفيلم الى ثلاثة محاور رئيسية، متعلقة بطريقة مشاهدتنا للفليم المسكون بالعاطفة: مرحلة العلاقة الأولى بين الحفيد والجدة، مرحلة احساسها بمضي العمر مع كل شمعة تطفئها في عيد ميلادها، وأخيراً مرحلة نسيان كل العمر وهي مرحلة إصابتها بالآلزهايمر التي كانت عملياً القاعدة الرئيسية التي انطلق منها زكاك في صناعة فيلمه. يمكن أن تختصر تلك المرحلة بجملة واحدة عندما باغت زكاك جدته بالسؤال «كم عمرك؟» لتجيب «ما عمرك تسأل مرة عن عمرها؟» فيصر زكاك فتتمايل الجدة بين اكثر من ستين وأقل من ثمانين وتفاجأ عندما تعلم أن عمرها تعدى المئة عام فتقول ببساطة: «بعدني لسا عايشة». فهي المليئة بعنفوان امرأة أدركت معنى أنها في أيامها الأخيرة عندما نظرت مطولاً الى المرآة ولم تصدق أنها هي.

من الطبيعي أن يحتاج زكاك الى ثلاث سنوات بعد وفاة جدته ليهم بصناعة فيلمه، فمن يتعرف عليها في الفيلم سيقع في حبها، فما بالك بعلاقة زكاك الخاصة معها وهو الذي يعرف نفسه لها عند كل مشهد يقابلها فيه «أنا هادي» وترد «هادي هادي يا تقبرني». إنه يصر طوال الفيلم ان يذكّرها بنفسه ويتمنى أن تتذكره من دون إلحاح منه وينجح في مهمته في المشاهد الأخيرة من الفيلم، فيؤكد لها من خلال عرضه صورها والفيديوات القديمة التي صورها لأجلها كم هي غالية، وتتفاجأ كل مرة يزورها في تلك الغرفة التي أخذت منحى طولياً تدخل أشعة الشمس من شباك مباشر. وبطريقة عرضه لجدته من خلال التركيز على شعرها الأبيض وتجاعيد وجهها وكفيها، مع لون ينعكس على وجهها وعلى المشهد في شكل كامل، يتذكر المتفرج لون المذياع القديم المائل للبرتقالي أكثر منه الى البني. ومع كمية الأخبار التي يحكيها لها، والسحر في المشاهد من خلال تلك النظرة المليئة بالحب والفخر التي تبثها له عند كل حكاية يريد من خلالها تحفيز ذاكرتها كي تدرك معــنى حياتها الفائتة، يحكيها زكاك عن حكايات كانت تسردها له قديماً أشــبه بحــكايات قبل النوم التي تروى للأطفال. يذكرها بالرجل الذي أحبته على متن سفينة عندما قررت العودة الى لبنان من البرازيل، تثيرها كلمة البرازيل، وكأنها تقلب عليها حقائق كان تخفيها، بخاصة حقيقة ندمها لأنها عادت. يأتيها زكاك في كل زيارة مــحملاً بالأوراق تارة وبالصور تارة وبالفيديوات تارات أكثر، يأتيها وحده، ثم مع طاقم العمل، ويأتيها برفقة ولديها، والدته وخاله، لكنها في كل مرة لا تنتظر غيره على ما يبدو، فهو الرابط بينها وبين كل من سقطوا من ذاكرتها قهراً وليس طواعية، ما أجملها «هنريات» وهي تنتظره ، وهي في خفة أنثى تحاول اشعال سيجاراتها التي تنطفئ لأن نفسها لم يعد يسعفها.

استطاع زكاك بفيلم «يا عمري» أن يثبت أن تقديم فيلم عن حياة شخص في شكل وثائقي هو تحدٍ للموت وللنسيان في آن معاً، و استطاع بكل سلاسة أن يؤكد أيضاً أن الشخصيات التي تعيش بيننا تستحق الالتفات وتستحق أن تكون جزءاً من حكايات من الممكن أن نرويها لاحقاً، واستطاع وهذا الأهم بالنسبة إلى شخصية مثل «هنريات» أن يجعل غالبية من شاهد الفيلم تحسّ بها حية أنيقة طريفة، ما يجعله، بين كل مشهد ومشهد تظهر فيه يتمتم بعبارة «ياعمري».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.