الأدوية المبتكرة والتكنولوجيا الحديثة تقود مستقبل النجاح السعودي في الصحة

فيليب ستيفنز | 11/04/2017 02:21:46 م



أشاد الدكتور جيم يونغ كيم رئيس «البنك الدولي»، على هامش اجتماع منظمة «أوبك» للدول المصدرة للنفط الذي عقد أخيراً في الرياض، بالخطة التنموية الحكوميّة الطموحة «رؤية المملكة العربيّة السعوديّة 2030». وعبّر لولي العهد الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، وشخصيّات بارزة اخرى، عن التزام «البنك الدولي» مساعدة المملكة في تحقيق أهدافها الاقتصاديّة.

وتتضمن «رؤية السعوديّة 2030» برنامجاً وطنيّاً واسعاً بصدد التنويع الاقتصادي، بمعنى السير بالاقتصاد السعودي بعيداً من القطاع النفطي عبر تبني الابتكار المعرفي والتكنولوجي الذي يملك قيمة عالية. ومع ملاحظة استمرار تراجع أسعار النفط عالميّاً، يغدو متاحاً القول إنّ عملية تنويع اقتصاد المملكة تمثّل هدفاً إستراتيجياً ملحّاً.

وفي ذلك السياق، من المستطاع القول إنّ قطاع الرعاية الصحيّة يمثل جزءاً رئيساً من خطة التحوّل التي تطبقها المملكة. وعلى رغم ثروة المملكة العربيّة السعوديّة فإن نظام الرعاية الصحيّة بات في حاجة إلى تطوير أساسي. إذ يصل العمر المتوقّع للفرد في المملكة إلى قرابة 75 سنة مقابل ما يزيد على 80 سنة في معظم بلدان أوروبا الغربيّة. كما تزيد معدّلات وفيّات صغار الأطفال في المملكة بمقدار الضعف عنها في معظم البلدان الغربيّة. وتبدو تلك النسبة مثيرة للقلق، خصوصاً إذا أُخِذت في الاعتبار الموارد الضخمة التي تملكها السعوديّة.

 

ضغوط الديموغرافيا

من أبرز التحديّات الكبيرة التي تواجه قطاع الرعاية الصحيّة في المملكة، النمو السريع في عدد السكان، وزيادة انتشار الأمراض المزمنة، خصوصاً السمنة والسكري. وكذلك تلاحظ ظاهرة اكتظاظ في المستشفيات العامة، مع انخفاض نسبي في معدل الأطباء والممرضين مقارنة بعدد المرضى، ما يعرّض البنية التحتيّة لضغط كبير. وكذلك تفتح النسبة المرتفعة للأيدي العاملة الأجنبيّة الباب أمام حال من عدم الاستقرار، خصوصاً بالنسبة للكادرات المحليّة.

وعندما تنجح الحكومة السعوديّة في تحقيق إصلاحات فعّالة في نظام الرعاية الصحيّة وفق «رؤية 2030»، ستساهم في تحفيز النمو الاقتصادي عبر زيادة إنتاجيّة القوى العاملة. وفي معظم الدول التي يعاني القطاع الصحي فيها ضغوطاً مرتفعة، تنتقل تلك الضغوط إلى حقلي الصحّة والتعليم، ما يزيد صعوبة تحقيق نمو مستدام.

ووفق تقديرات «منظمة الصحّة العالميّة، يترافق تحسّن معدل العمر المتوقّع عند الولادة بـ10 في المئة، مع ارتفاع معدل النمو الاقتصادي بقرابة 0.4 في المئة سنوياً.

ومن الناحية الاقتصاديّة، هناك جدوى واضحة من علاج أمراض المتقدّمين في العمر، إذ أظهرت الدراسات أنّ انخفاض معدل الوفيّات المرتبطة بالأمراض السرطانيّة بواحد في المئة، يضيف قيمة اجتماعيّة تقدر بـ500 بليون دولار، بفضل تحسين جودة الحياة، وزيادة الإنتاجيّة الاقتصادية نتيجةً لزيادة العمر المتوقّع للأفراد.

ويعد الاهتمام المتجدّد للملكة في حقل الرعاية الصحيّة ضمن برنامج التحوّل الوطني، أمراً يستحق الإشادة به لإظهاره أيضاً قدرة المملكة على إطلاق العنان للنمو الاقتصادي بآفاق واعدة.

كما تساعد زيادة الدور المنوط بالقطاع الخاص كشريك للحكومة، في بناء القدرات الصحيّة، وتحسين الرعاية الأوليّة والثانوية، وتقليل أوقات الانتظار، وتحسين الجودة والسلامة في شكل عام.

كذلك تبدي المملكة رغبة في أن يزيد جيرانها في المنطقة وشركاؤها الدوليون، الاستثمار في حقل الرعاية الصحيّة فيها. كما يُتوقع أيضاً أن يؤدّي تحويل السجلات الطبيّة كلّها إلى بيانات رقمية، وتوظيف مزيد من الحلول التكنولوجيّة، إلى زيادة الإنتاجيّة في الرعاية الصحيّة. وبذا، يغدو من المستطاع اعتبار المعطيات السابقة أفكاراً إصلاحيّة فعّالة من شأنها مساعدة قطاع الرعاية الصحيّة السعودي ومساعدة المرضى على تحقيق التطوّر المنشود.

 

السرعة تخدم الابتكار

على نحو دائم، يتوقّع من دولة غنيّة كالمملكة العربيّة السعوديّة أن تعزّز سبل الوصول إلى الأدوية المبتكرة، كجزء من مسعاها لتحقيق أهدافها في الرعاية الصحيّة. وأخيراً، كشف بحث للدكتور فرانك لايشتنبرغ، وهو خبير اقتصادي في «جامعة كولومبيا» الأميركيّة، أنّ تطوير الأدوية الجديدة ساهم بنسبة 73 في المئة في زيادة العمر المتوقّع للأفراد في الولايات المتحدة بين عامي 2000 و2009.

وعلى نقيض من الحدس البديهي، يمكن أن يؤدي استخدام الأدوية الجديدة إلى الحدّ فعلياً من تكاليف الرعاية الصحيّة. ويحصل ذلك عندما تمكّن تلك الأدويّة من إبقاء المرضى خارج المستشفيات وتجنب إجراء الجراحات لهم. ووفقاً لتقديرات الدكتور لايشتنبرغ، تعطي الأدوية الجديدة توفيراً يفوق ستة أضعاف تكلفتها. وفي معظم الأحوال، يحدث ذلك بأثر من تخفيض نفقات المستشفيات، وزيارات عيادات الأطباء.

ولطالما كان للتأخّر النسبي من قِبَل «الهيئة العامة للغذاء والدواء» في المملكة، وهي التي تراقب قطاع الأدوية فيها، في الموافقة على أدوية جديدة تأثير في قطاع الرعاية الصحيّة. ولربما استغرق حصول منتج دوائي جديد على ختم الموافقة السعودي قرابة 18 شهراً، على رغم أنّ الهيئات التنظيميّة العالميّة تكون اعتمدت فعليّاً ذلك الدواء، ووافقت على كونه منتجاً دوائياً آمناً وفعالاً.

وعموماً، تعاني المملكة حاضراً من بطء في الموافقة على الأدوية، مع ملاحظة أن البطء هو أشد في مصر التي قد تستغرق الموافقات الدوائية فيها وقتاً إلى خمس سنوات. في المقابل، لا تستغرق تلك الموافقة في البحرين ثلاثة شهور.

ويمكن القول إن ذلك النوع من البطء في المملكة في ما يتعلّق بمنح الموافقات الدوائيّة، قد يساهم في تأخير وصول أدوية جديدة إلى كثيرين من المرضى فيها. وغالباً ما تحسّن تلك الأدوية علاج الأعراض، أو تزيد السيطرة عليها، بل ربما لعبت دوراً أكثر حسماً في أمراض حساسة كالسرطان.

 

ما بعد الاقتصاد النفطي

 

في سياق الآفاق المستقبليّة للرعاية الصحيّــة في السعــوديّة تحــــت أفق «رؤية 2030»، صرح مسؤولو «الهيئة العامة للغذاء والدواء» في المملكة في نهاية العام الماضي، بأنّهم في صـدد اعتماد نظام تكون فيه الموافقة على الأدوية الجديدة على أساس القرارات التي اتخذتها فعليّاً الجهات التنظيميّة في «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وهو مؤشر يدفع إلى توقّع رفع سرعة آليات الموافقات الدوائيّة في المملكة.

وبــوضوح، تعتبر تلك الخطوة الإصلاحيّة المقرر دخولها حيـــز التنفيـذ في المملكة خلال الشهـــر الجــاري، بشرى سارة تساهــم في خفــض فتــرة المراجعات الدوائية بما يزيد على 90 في المائـــة. وفي المقابل، فإنّها تمثّل بداية لإطــــلاق موجــة من إصلاحات مشابِهة في الشـرق الأوسط، إذ جـرت العادة على أن تحذو دول كمصر والأردن حذو المملكة في ذلك المجال.

وعلى رغم أن الإصلاحات التنظيميّة البسيطة لا تشكل بديلاً من إصلاح القطاع الصحي المُدرَج في خطة «رؤية السعوديّة 2030»، إلى أنها تمكن المرضى من الحصول على الأدوية بشكل أسرع، بل مع انخفاض أساسي في تكلفتها أيضاً. وفي الواقع، ربما تؤدي هذه السياسة إلى توفير النفقات في مجمل القطاع الصحي، عبر تقليل مراجعة المرضى للمستشفيات.

وبما أن المملكة باتت تستشرف مرحلة ما بعد الاقتصاد النفطي، يواجه قطاعها الصحي ضغوطاً متعددة على غرار شيخوخة السكان، وزيادة معدلات السمنة والأمراض المزمنة، وأزمة السيولة المترافقة مع انكماش الميزانيّات العامة وغيرها.

وبالاختصار، يجب على المملكة في إطار تطلعها للمستقبل، أن تعمل على تسخير إمكانات التكنولوجيا الحديثة، وكفاءات القطاع الخاص ضمن خططها في تطوير القطاع الصحي، مع ملاحظة أنها بدأت في تحقيق الخطوات المدرجة ضمن تلك الخطط.

 

* مدير «شبكة جينيف» البريطانيّة لبحوث الصحّة والتجارة الدوليّة

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.