أكاديمية وطنية في القاهرة تؤهل الشباب للقيادة ... لننتظرْ

القاهرة – أمينة خيري | 03/09/2017 02:44:44 م



في الوقت الذي صدر القرار بإنشاء أكاديمية لتدريب الشباب في مصر، تصدر هاشتاغ الأكاديمية «ترند» «تويتر» وتدوينات «فايسبوك» وتعليقات الشباب وغير الشباب. وبينما كانت الجريدة الرسمية تستعد لنشر نص القرار الجمهوري رقم 434 لعام 2017، كانت مواقع التواصل الإعلامي غير الرسمية وغير التقليدية تعد عدتها للدفاع والتأييد، أو الهجوم والتنديد، أو التزام الصمت من بعيد وانتظار ما ستسفر عنه الأكاديمية. «ربما أنجح في الالتحاق بها، لذا سألتزم الصمت خوفاً من أن تصل إلى أحدهم تعليقاتي الساخرة هنا أو انتقاداتي اللاذعة هناك».

كلمات جريئة كاشفة تقول الكثير عن فئة من الشباب والشابات غرقت في أغوار خيوط العنكبوت حتى الثمالة، فبات منهجها التعليق والتحقير، وتحولت عقيدتها إلى التحليل والتفنيد بعيداً من البحث عن معلومة أو التنقيب عن حقيقة. أحمد (23 سنة) الذي يقول إن قرار إنشاء أكاديمية لتدريب الشباب لم يكن ليهز له شعرة قبل عامين لأنه «فاقد الثقة تماماً في النظام» ويرى أن «نظاماً جديداً قد أتى ليجثم على أنفاس الشباب مجدداً»، لولا أن أقرب أصدقائه انضم إلى «البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة» من دون وساطة أو سابق معرفة بأي من «الناس المهمين».

أهمية القرار الصادر قبل أيام تكمن في كونه تفعيلاً لتوصية صدرت عن المؤتمر الوطني الأول للشباب الذي عقد في شرم الشيخ في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016. وكان العرف جرى على أن تعقد مؤتمرات، وتصدر توصيات، ثم تحال إلى الأدراج حيث لا يسمع عنها أحد ولا يفعَل منها شيء. وعلى رغم ذلك فإن أول ما قفز إلى أذهان فئة من نشطاء التغريد والتدوين هو التشكيك في الأكاديمية وإثارة الشبهات حول أسبابها وأغراضها ومن الذي يقف وراءها وتوجيه الاتهامات المعلبة إلى قرار تأسيسها، باعتباره قراراً أحادياً لم يتخذه سوى الرئيس.

الرئيس عبد الفتاح السيسي- الذي أظهر استطلاع للرأي في أواخر العام الماضي انخفاض نسبة المؤيدين لأدائه بلغت أدناها بين الشباب أقل من سن 30 سنة إذ بلغت 50 في المئة فقط مقارنة بـ82 في المئة في الفئة العمرية فوق سن الـ50 سنة (المركز المصري لبحوث الرأي العام «بصيرة»)- أصدر قراراً بإنشاء «الأكاديمية الوطنية لتدرب وتأهيل الشباب» قبل أيام. هدف الأكاديمية بحسب نص القرار المنشور هو «تحقيق متطلبات التنمية البشرية للكوادر الشبابية بكافة قطاعات الدولة والارتقاء بقدراتهم ومهاراتهم».

الأكاديمية الجديدة ستتبع الرئيس مباشرة، وسيكون لها مجلس أمناء يرأسه رئيس مجلس الوزراء وبعضوية ممثلين عن الرئاسة من وزارات التعليم العالي والبحث العلمي والتخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري والمالية والمجلس الأعلى للجامعات وعدد من الخبرات في مجالات مختلفة.

التصريحات الرسمية تؤكد أن الالتحاق بالأكاديمية متاح للجميع شرط استيفاء الشروط المطلوبة. وهدفها تخريج كوادر قيادية مؤهلة للعمل في الأجهزة الإدارية في الدولة. أما مجالات الدراسة فتشمل الإعلام والصحافة والإعلام الرقمي والأمن القومي والسياسة وغيرها من المجالات التي تؤهل أصحابها من الشباب لتقلد مناصب قيادية.

التاريخ الحديث يشير إلى أن أحد أبرز مشكلات الشباب في مصر والتي ساهمت في إشعال «ثورة يناير» 2011 الشعور بالإقصاء وتبدد أية أحلام لضلوعهم في مجالات اتخاذ القرار وتقلد المناصب القيادية. ويشار إلى أن السنوات الست التي تلت رياح التغيير في 2011 شهدت محاولات شتى لمغازلة الشباب وكسب ودهم وضمان تأييدهم أو لإدماج الشباب فعلياً عبر مؤتمرات حوارات وطنية، ولقاءات رسمية، وكيانات شبابية يجري تأسيسها، ومناصب تم تفصيلها خصيصاً للشباب. ويشار كذلك إلى أن الغالبية العظمى من هذه الجهود لم تؤت ثماراً فعلياً لأسباب عدة.

من بين هذه الأسباب غرق الكثير من شباب الثورة في مشاحنات في ما بينهم ومطاحنات شخصية واستقطابات لا أول لها أو آخر. منهم من كشف عن وجه الجماعات الدينية التي ينتمي إليها فأعاد ترتيب أولوياته مفضلاً مصالح الجماعة على المصالح العامة، ومنهم من اتضح أن حدود قدراته ومنتهى آماله تنتهي عند إشعال ثورة غاضبة من دون رؤية واضحة أو خطة واقعية قابلة للتفعيل ولا تنتهي عند كتاب «قواعد إدارة الدولة» أو مرجع «كيف تصنع ثورة في 18 يوماً؟». ومنهم كذلك من اعتبر حصوله على فرصة تقديم برنامج تلفزيوني أو التحول إلى شخصية عامة ذات وجه معروف لدى الشعب غاية يكتفي بها. ومنهم من كان يحمل فكراً ويتميز بقدرة على التفعيل لكن تمت إزاحته سواء من قبل القيادات التي تلت الثورة أم من قبل الأقران أنفسهم من الشباب الذين قفزوا على الموجات الثورية من دون محتوى فكري وفعلي حقيقي.

حقيقة الوضع الراهن تشير إلى أن مقر الأكاديمية الجديدة– والذي يتألف من ستة مبان على مساحة عشرة آلاف متر مربع- جاهز لبدء العمل في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. لكن حقيقة الوضع أيضاً تشير إلى أن التصريحات المتواترة في كل وسائل الإعلام والخاصة بالأكاديمية تثني على القرار، وتمتدح الفكرة، وتؤكد أنها «خطوة نحو التنمية الاقتصادية والسياسية» و «تخلق كوادر جديدة وتتصدى لمحاولات الاستقطاب» و «مدرسة للسياسة وحقوق الإنسان» و «بيت خبرة يصنع كفاءات» و «جاءت لخلق جيل جديد قادر على دخول المعترك السياسي» و «دعوة للعالم للاحتذاء بفكر الرئيس والأكاديمية» وقوائم طويلة من الإشادات المنزوعة المحتوى.

محتوى الأكاديمية وما سيجري تدريسه والتدريب عليه ما زال غير معروف. تقول علياء حفظي (24 سنة) إن فكرة الأكاديمية جيدة جداً، لكنها تتعجب من أولئك الذين إما سارعوا للسخرية منها والتشكيك فيها على مواقع التواصل الاجتماعي، أو أولئك الذين ركضوا لملء وسائل الإعلام إشادات وتأكيدات على أن الأكاديمية هي أفضل قرار في العالم. تقول: «سأنتظر الإعلان عن قواعد الالتحاق، ونوعية النشاط والتدريب، وسير العمل في الأكاديمية لشهور قبل أن أحكم على صدقيتها وأهميتها».

الطريف أن كتيبة كاملة من الشخصيات العامة والخبراء تلتزم الصمت التعليقي هذه الأيام. وتعتري أعضاؤها آمال وأحلام وطموحات بأن تتم الاستعانة بهم في التدريس والتدريب في الأكاديمية، وهو ما دفعهم إلى التزام الصمت تجاه التعليق والإمساك بعصا التحليل من المنتصف. فإن تمت الاستعانة بهم، فإن الرئيس هو خير من أنجبت الأرض والأكاديمية أفضل ما حدث لشباب مصر العديم الخبرة الذي يفتي في ما يفهم وما لا يفهم، غير القادر على القيادة لولا حكمة النظام وسعة صدره. وإن تمت الاستعانة بغيرهم، فإن الرئيس عليه التنحي، والأكاديمية مجرد غطاء لفشل النظام والنصب والاحتيال على الشباب الواعي المدرك القادر على القيادة لولا النظام الغاشم. فقد حدث ذلك من قبل، وسيحدث مجدداً.

يذكر أن الأكاديمية تم تصميمها على غرار «المدرسة الوطنية للإدارة الفرنسي»، وهي المدرسة التي تأسست في باريس عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية. والغرض منها تدريب المهنيين على تقلد المناصب الإدارية، إضافة إلى توظيف الكوادر الصالحة لشغل مناصب الدولة والسلك الديبلوماسي. هذه المدرسة معروفة بكونها مدرسة نخبوية تخرج أفضل الكوادر السياسية والإدارية والديبلوماسية. وهي معروفة بكونها مدرسة تخريج زعماء وأعلام فرنسا منذ تأسيسها. وقد انتقلت إلى مدينة ستراسبورغ (شرق فرنسا) تقريباً بالكامل قبل سنوات.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.