تلحين الأفلام والأساطير والحياة

دمشق - بندر عبد الحميد | 07/09/2017 03:00:55 م



في عام 1995 وصل الموسيقي اليوناني الفذ ميكيس ثيودوراكيس إلى ميونيخ لحضور احتفال بتقديم مختارات من أعماله الموسيقية، وكانت الموسيقى تصدح في البهو ترحيباً بقدومه، وفجأة قفز صديقه أنتوني كوين من بين مستقبليه، واحتضنه في عناق حميم، وعزفت الفرقة السيمفونية موسيقى فيلم «زوربا اليوناني»، بينما اشتبكت ذراعا الصديقين وانطلقا برشاقة في أداء رقصة زوربا على أصولها، بين ذهول الجمهور وتصفيقه المدوي. كان كوين في عامه الثمانين وميكيس في عامه السبعين.

يحمل ميكيس ثيودوراكيس روحاً عبقرية إغريقية مشبعة بالأساطير المتجددة التي تلقي بظلالها على شخصيته وإبداعاته المتعددة، ونشاطاته في الدفاع عن الحريات والوقوف بصلابة ضد الحروب والانقلابات العسكرية والاحتلال.

وهو الملحن والمغني والكاتب والسياسي الأكثر شعبية في اليونان، وله شهرة عالمية في نشاطاته الفنية والسلمية، وانتخب عضواً في البرلمان في منتصف الستينات الماضية مدة سبعة عشر عاماً، وكلف بوزارة الثقافة وملفات تحسين العلاقة مع تركيا، وملف وحدة شطري جزيرة قبرص.

لكنه رفض اقتراح الكتل النيابية الوطنية ترشيحه لمنصب الرئاسة، بيد انه انتخب رئيساً للبرلمان في دورتين وكان من ألمع قادة اليسار اليوناني حتى نهاية الثمانينات عندما تحول إلى تيار «الديموقراطية الجديدة».

 

الموسيقى الأطول

في عام 2007 أنجز ثيودوراكيس أكبر وأطول عمل في تاريخ الموسيقى على الإطلاق، تمثل في تنويعات ملحمية أوبرالية من الألحان والغناء لنصوص مختارة بعنوان «الأوديسا» للشاعر اليوناني المعاصر كوستاس كارتيلياس.

ولكن في السينما بخاصة، قدم ثيودوراكيس منذ عام 1960 حتى عام 2013 الموسيقى التصويرية لإثنين وعشرين فيلماً يونانياً وأجنبياً بارزاً، ومنها:

- خمسة افلام للمخرج اليوناني مايكل كاكويانس هي: «إلكترا»، «زوربا»، «يوم طفا السمك ميتاً»، «نساء طروادة»، و «يفيغينيا».

- فيلمان للمخرج اليوناني الفرنسي كوستا-غافراس هما: «زد»، و «حالة حصار».

- فيلمان للمخرج البريطاني مايكل باول هما: «خيانة في ضوء القمر»، و «شهر العسل».

- فيلمان للمخرج الفرنسي جول داسان هما: «فيدرا»، و «البروفة».

- «وجوه في الظلام»، للمخرج البريطاني ديفيد ايدي.

- «ظل القطة»، للمخرج البريطاني جون غيلينغ.

- «عشاق التيرول»، للمخرج الفرنسي ريمون رولو.

- «خمسة أميال إلى منتصف الليل»، للمخرج الأميركي اناتولي ليتفاك.

- «أحداث ماروسا»، للمخرج الفلسطيني الأصل ميغيل ليتين من تشيلي.

- «سيربيكو»، للمخرج الأميركي سيدني لوميت.

- و «الرجل ذو القرنفلة»، للمخرج اليوناني ميكوس تزيماس.

 

أيام زوربا

ولكن الأكثر شهرة بين هذه الأفلام هو «زوربا اليوناني» 1964، وجاءت شهرته من موسيقاه ومن اللقاء بين عدد من كبار الفنانين في أهم روايات الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس. وكتب السيناريو وأخرجه مايكل كاكويانيس، الذي اشترك في إنتاجه مع أنطوني كوين، وحصل الفيلم على ثلاث جوائز أوسكار.

ويعتبر دور أنطوني كوين في هذا الفيلم من أهم أدواره المعروفة، إلى جانب الممثلة اليونانية إيرين باباس، التي شاركت في غناء بعض أعمال ثيودوراكيس، بينما كان صوت الممثلة والمغنية ميلينا ميركوري حاضراً في أعمال أخرى.

وانفردت الموسيقى التصويرية التي وضعها ثيودوراكيس بشهرة خاصة، طغت على شهرة الفيلم الذي أدى فيه أنطوني كوين رقصته المشهورة، بلحنها الذي ألهب مقاصف الشباب في العالم، منذ منتصف الستينات حتى اليوم.

وتحولت موسيقى فيلم «زوربا» إلى رمز للثقافة اليونانية، لما تحمله من عناصر فولكلورية، كما شكلت الأساس لفيلم سكوتلندي بعنوان «بيلي وزوربا» عن رجل يعتقد أنه هو زوربا اليوناني، وتسيطر هذه الفكرة على حياته الشخصية وعلاقاته بالآخرين. وفي مسارح برودواي في نيويورك تحولت موسيقى الفيلم الى مسرحية غنائية.

وقام ثيودراكيس بتحويل هذه الموسيقى إلى «باليه» عرض في مدينة فيرونا الإيطالية عام 1988، وهي الباليه الثامنة من أعمال المؤلف التي ضمت: «الكرنفال الإغريقي»، «فورة التراب»، «عشاق التيرول»، «أنتيغون»، «أنتيغون في السجن»، «إلكترا»، و «سبع رقصات يونانية».

 

شغف منذ الطفولة

بدأ شغف ثيودوراكيس بالموسيقى منذ الطفولة، وكتب أغانيه الأولى باكرا حين كانت عائلته تعيش متنقلة بين الجزر قبل أن تصل إلى أثينا عام 1943. وفي زمن الحرب الأهلية اليونانية اعتقل ميكيس ونفي إلى جزيرة نائية، وتعرض للتعذيب ودفن في التراب حياً مرتين. وبعد الإفراج عنه أكمل دراسة الموسيقى في اثينا، ثم انتقل إلى جزيرة كريت، وأنجز المرحلة الأولى من مؤلفاته الموسيقية. ثم سافر مع زوجته مايرتو إلى باريس لدراسة الموسيقى والتحليل الموسيقي، وكتب أول أعماله السيمفونية التي أخذت تشق طريقها الى العواصم العالمية، واقتبست فرقة البيتلز الشهيرة موسيقى فيلم «شهر العسل»،

وكان اسم ثيودوراكيس حاضراً في أهم المهرجانات الموسيقية العالمية، وحصل على عدد كبير من الجوائز. وفي ربيع عام 1967 حدث انقلاب الجنرالات في اليونان فاختفى ثيودوراكيس، وقاد جبهة الخلاص المعارضة، لكنه اعتقل وأرسل الى معسكر الاعتقال، وتشكلت لجنة عالمية من كبار الشخصيات العالمية للدفاع عنه، وكان من بينهم آرثر ميلر وفيلي براندت وأولاف بالمه وشيستاكوفيش.

وتم الإفراج عنه شرط أن يعيش في الخارج، فسافر الى باريس، ليعيش أربع سنوات مليئة بالنشاطات الإبداعية. لكنه بعد سقوط نظام الجنرالات عام 1974عاد إلى وطنه وكثف نشاطاته الفنية في الداخل والخارج، إلى جانب حراكه الاجتماعي والإنساني والسياسي، حيث عمل وزيراً للثقافة مدة عامين، منذ عام 1990، وانصب اهتمامه على ترسيخ الوعي بحقوق الإنسان، والبيئة، والسلام، وتحالف مع الكاتب والموسيقي والمخرج التركي رولفو ليفانيلي في تشكيل جمعية الصداقة اليونانية التركية.

تواصلت الأعمال الفنية المنوعة من إبداعات ثيودوراكيس، في حقول الموسيقى والكتابة، فأنجز إحدى عشرة سيمفونية بتنويعات مبتكرة، ونشر مذكراته الخصبة في خمسة مجلدات بعنوان» دروب كبير الملائكة».

ومنذ عام 1943 حتى اليوم أنجز ثمانية عشر عملاً من نوع موسيقى الحجرة، مع توظيف بارع لأهم أنواع الآلات الموسيقية: البيانو والتشيلو والكمان والناي والبوزوكي وآلات الإيقاع المختلفة، إلى جانب سبعة أعمال من الأناشيد الفردية والجماعية يتناوب فيها العزف المنفرد والأوركسترا.

ومن مؤلفاته الأخرى ثماني ترنيمات في مناسبات شبه سياسية، منها ترنيمة جمال عبد الناصر يوم وفاته عام 1970 وأخرى لمنظمة التحرير الفلسطينية أيام حصار بيروت 1982.

وفي فن الباليه أنجز تيودوراكيس ثمانية أعمال منوعة، بعضها مستوحى من المسرح الإغريقي القديم، كما هي الحال في أعماله الأوبرالية الخمسة، وفي الألحان التي أنجزها للعروض المسرحية الكلاسيكية من أعمال يوربيدس، وسوفكليس، وأريستوفان، وأسخيليوس.

وتجاوزت ألحان ثيودوراكيس الموضوعات الإغريقية إلى المسرح العالمي، في نصوصه القديمة والجديدة، حيث قدم نحو عشرين لحناً لمسرحيات منوعة، منها مسرحيتان لشيكسبير( «بيركليس» و «ماكبث») وأخريان لكازانتزاكيس، ومسرحية ألبير كامو «كاليغولا»، ومسرحية ماكس فريش «سور الصين»، إضافة إلى مسرحية غنائية من تأليف ثيودوراكيس نفسه. وتواصلت النشاطات الإنسانية والسياسية لثيودوراكيس في الداخل والخارج، فكانت مواقفه عنيفة ضد الانقلابات العسكرية الفاشية في اليونان وتركيا، والتي تشبه الانقلابات العسكرية العربية المدمرة، وضد حرب فيتنام والحرب على العراق والحروب الإسرائيلية والاحتلال، ووقف ضد رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو الذي بنى علاقة تقارب مع نتانياهو «الذي ارتكب جرائم حرب في غزة ولبنان»، بينما قال في سياق تصريحاته النارية ضد الولايات المتحدة :» إن اليهود الأميركيين مسؤولون عن الأزمات الاقتصادية في العالم، والتي أصابت اليونان أيضاً».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.