الاختيارات الشخصية وسؤال الهوية

الدار البيضاء – مبارك حسني | 07/09/2017 03:02:09 م



إذا أردنا أن نتحدث عن البعد الإفريقي في السينما المغربية، قد يكون علينا البحث عن آثار حضور له، ملموس ومتعدد، في كَمٍّ سابق عليه، كما حال كلّ بعد مماثل. في السينما، وعلى مستوى الشكل، يجب التنقيب عن حضوره في القطاعات الثلاثة المعروفة: الإنتاج، الإخراج والتوزيع (الاستهلاك). وعلى مستوى الموضوع يجب تعقبه في الثيمات والإشارات أو العلامات التي قد تكون موجودة في عمل فيلمي ما لمخرج معيّن.

 

هذا البعد النادر

ويمكن القول بداية إن الحضور الإفريقي في سينما المغرب، يتطلب إيجاده فعلاً، لأنه نادر ويتخذ صيغاً لا رابط بينها حين يوجد. فهو خاضع لوجود رغبة، وليس مؤسساً على سياسة إنتاج سينمائية، تضعه كبُعد قار في الفن السابع المغربي. وهذا راجع لسبب بسيط وواضح. فالسينما المغربية سينما مخرجين في الأصل، وليست سينما دولة أو هيئة. فالكم الفيلمي المغربي المنتج لحد الآن يقارب الـ 350 شريطًا مطولاً، وهو عدد ليس كبيراً إلا قياساً على الإنتاج السينمائي الإفريقي جنوب الصحراء الضئيل أصلاً. وهو كمٌّ غير مرتبط بصناعة سينمائية تتحكم فيها دواليب إنتاجية لها تصور خاص لنوعية الأفلام المرجوة. وبالتالي فأي موضوع لفيلم تتحكم فيه نزوة فردية، أو وجود منتج له فكرة أصيلة تَمُتّ بصلة بما هو إفريقي.

هذا من جهة. من جهة ثانية، حين نتحدث عن إفريقيا، فحديثنا يتعلق بإفريقيا السمراء، أي تلك التي تقع جنوب الصحراء الكبرى. لأن إفريقيا الشمالية لها سينما خاصة بها مُلحقة بالسينما العربية في المقام الأول. وإذن لابد من استحضار رافدين اثنين يميزان أية علاقة سينمائية ممكنة بين شمال القارة وجنوبها. الأول تظهره الأفلام الإفريقية المعروفة، وهي في مُجملها أفلام القرية أو المجال البدوي الأصيل، حيث تمتزج الأسطورة بالواقع الحي المعيش. الثاني وهو الأقل في أفلام متفرقة، تمثله سينما حضرية تُظهر أكثر الصراع لإثبات الذات الإفريقية ضد مخلفات الاستعمار الذي كان وراء تأسيس جل مدن القارة، ووراء المشاكل السياسية الكبرى التي عنوانها الانقلابات وما تجره من كوارث. لكن هناك رافداً ثالثاً، وهو الأهم، ويتعلق بالروابط التاريخية والثقافية والسياسية التي تربط المغرب بأفريقيا جنوب الصحراء، بخاصة غربها، والذي يعد أحد روافد هويته وثقافته. أليس العنصر الزنجي القادم من إفريقيا، بخاصة بعد حكم دولة السعديين وفي ما بعد، أحد عناصر التركيبة البشرية المغربية؟

بعد هذا التذكير للروافد التي يجب استحضارها عند كل حديث عن سينما مغربية فيها حضور إفريقي، ننطلق للبحث عن آثار حضورها.

 

الحضور الشكلي

يوجد فعلاً تعاون وثيق بين المؤسسة الوصية على السينما المغربية، التي هي المركز السينمائي المغربي، وبعض السينماتوغرافيات الإفريقية، بخاصة السنغال وساحل العاج، والتي أفرزت إنتاجا مشتركاً أو مساهمة تقنية بالنسبة إلى العديد من الأفلام، وهو عمل لا تستطيع القيام به كل الدول. فهناك من يقول إن السينما ليست المجال الأكثر إلحاحاً للتعاون إفريقياً، وهم في الغالب من بقايا الحالمين بالوصاية على القارة السمراء كما لو كانت قارة قاصر!

إذن في هذا المجال التعاوني هناك حضور إفريقي للمغرب السينمائي. لكن حبذا لو تم توظيف انخراط كهذا في توطيد العلاقات وخلق أسس توقع سياسي متميز، فمن يساهم في توسيع دائرة الإبداع الإفريقي هو أولاً وأخيراً، الاعتراف بالجميل. أتحدث هنا عن الديبلوماسية الثقافية وعلاقتها بالإبداع التخييلي الجماهيري أساساً، الذي هو الفن السابع وأثره في تشكيل الأذواق ومن ثم المواقف.

في المظهر التعاوني الوثيق ذاته، لا يمكن نسيان مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية، أقدم مهرجان سينمائي بالمغرب، والذي يحتفل في دورته العشرين الحالية بسنته الأربعين. وهو يشكل دليلاً على اهتمامٍ بالقارة السمراء أرسته السينما منذ البداية، وليس السياسة أو الاقتصاد أو التجاور الجغرافي. الفن السابع قادر على خلق بعض مظاهر حضور لم تقدر عليه مظاهر حضور دولتي يتوسل بالقوة والمال.

 

الحضور في الفيلم

لكن يظل الأهم هو حضور إفريقيا كموضوع في فيلم، رئيسي أو ثانوي أو عابر. فليس غير الإبداع بحق وحقيق لتحقيق الأثر العاطفي المثير. وهنا نتساءل هل مظاهر الروافد الثقافية الثلاثة المذكورة آنفا موجودة في فيلم مغربي ما، الفيلم الطويل أقصد؟. عموماً لا، إذا ما قمنا بجرد اهتمامات الأفلام المغربية منذ البداية. الشيء الذي يطرح سؤال الحضور الهوياتي المتعدد في المجتمع المغربي، لأن الزنوجة حاضرة في الواقع.

مع ذلك هناك فيلم واحد يلخص وحده قوة الحضور الإفريقي. فيلم يعرفه الجميع، وهو «أموك» لسهيل بنبركة. هذا المخرج الذي تولى إدارة المركز السينمائي المغربي سنوات طويلة إلى حدود بداية الألفية الثالثة، والذي يتوافر على جذور مغربية ومالية مشتركة. و «أموك» تجربة سينمائية فريدة أقدم عليها بنبركة سنة 1982. لأنها أكبر إنتاج ضخم عرفته السينما المغربية، وعرف نجاحاً باهراً على المستوى الفني والتقني والموضاعاتي والجماهيري عالمياً. وهو فيلم مأخوذ عن رواية شهيرة للكاتب الجنوب إفريقي ألان باطون صدرت في نهاية الخمسينات من القرن الماضي. وموضوعها هو نظام الأبارتيد أو التمييز العنصري في دولة جنوب أفريقيا. شريط ينتمي إلى فصيلة الأشرطة الملحمية ذات البعد الإنساني. أي أنه ينقل بصدق معاناة الإنسان في عمق مأساة جماعية تنفي عنه إنسانيته لمجرد أنه زنجي.

في هذا الفيلم، يُظهر سهيل بنبركة قدرات إخراجية غير مسبوقة وهو يحرك الحشود في لقطات جماعية أو وهو يركز على الوجوه المكلومة في لقطات مكبرة، وكل ذلك في تناغم صُوَري مثير وأخّاذ. هي سينما القرب الصادق الصريح تلك التي تهدم الحواجز بين المشاهد والموضوع طيلة مدة العرض. النتيجة: الانخراط يكون كاملاً، وبالتالي الانخراط مع القضية المطروحة يتم بسلاسة. هي قدرة الفن السابع على استثارة المشاعر وشحذ التأييد. «أموك» أبلغ شريط أظهر إفريقيا السمراء بشهادة نقاد ومهتمين أفارقة وعالميين، وشكّل هدية كبرى للقضية وللسينما الإفريقية، وكان منطلقه ومبدعه من المغرب.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.