هتك أسرار الدعاية الناجحة للفن الحديث

استوكهولم – فجر يعقوب | 07/09/2017 03:01:39 م



لا شك في أن الفيلم السويدي «المربع» للمخرج روبن أوستلوند الحائز سعفة كان الذهبية 2017 (بدأ عرضه حالياً في الصالات السويدية مع انتهاء عطلة الصيف) يضع المشاهد الذكي على درجة عالية من الاستغراب حين يكتشف أن الخطوط الرئيسة له تكاد تفلت من يد صنّاعه في بعض اللحظات، الا أن هذا الشعور العرضي سرعان مايتبدد مع تطور الأحداث في نوع من التشويق النادر في الفن السابع عموماً، وهو نوع ينافس بجدارة على التأسيس لاتجاه يجمع بين السوريالية الاجتماعية والكوميديا التي تعمل على فضح ماهو مستور في المجتمعات الحديثة قبل أن تنقسم وتتشظى على وقع الأمراض المستعصية التي جلبتها معها الحضارة الحالية.

ليس «المربع» فيلماً ناقداً من هذه النوعية التي يجري ترسيمها وفق الذائقات التقليدية، وإن كان كذلك فإننا نحسب إنه كان سيلقى سقوطاً مدوياً من اللقطات الأولى، وكل ماتردد عن «تطلب» المخرج السويدي روبن أوستلوند في إعادة تصوير بعض المشاهد أكثر من مئة مرة قد لايعود مهماً، وإن بدا هذا الأمر مكلفاً ومستفزاً للأخلاق والأعصاب، الا أن النتيجة جاءت لحساب الفيلم الذي انتزع – بجدارة – سعفة كان الذهبية.

 

الفن الحديث ومتحفه

يروي الفيلم قصة كريستيان (لعب دوره الممثل الدنماركي كليز بانغ) مدير متحف الفن الحديث في ستوكهولم الذي يخطط لإطلاق معرض «المربع» الذي يجب أن يذكّر الناس بالاضطلاع بمسؤولياتهم الاجتماعية في ظل عالم شديد القلق والتوتر، بحيث يمكن أن يتحول حادث تافه مثل سرقة هاتف كريستيان المحمول في وضح النهار الى قضية شديدة التعقيد. وهذه القضية يمكن أن تقود الفيلم في اتجاهات في غاية الغرابة وتشي بانفراط عقده الدرامي ان جاز التعبير. وقد تضعه على حافة الخطر ان لم يتمكن مخرجه من الإمساك بكل الخيوط التي تتنافر في هذه اللحظات السوريالية بمبدأ النفخ الدرامي. اذ يبدو لنا أن المدير الوسيم الذي يعيش حياة عائلية مضطربة لايمكنه أن يغش هنا في امتحان العلاقات العامة التي يجب أن يجيدها لمواصلة الدعاية الناجحة لمتحف الفن الحديث الذي يرعاه بذكاء العلاقات الاجتماعية والإعلانية بغض النظر عن محتواه الذي يصبح هنا محط سخرية ونقد لاذعين في أوساط الصحافة. وهو أمر لا يمكن التقليل من شأنه حين نعرف أن سرقة الهاتف النقال تضع مستقبل كريستيان على فوهة الجحيم الاجتماعي الذي لن ينجو منه أحد.

مع سعي المدير إلى معرفة السارق ومع تعقّد الخطوط الرئيسة يصبح على الناقد أو المشاهد، أو حتى كليهما معاً، الكشف عن البوصلة الأخلاقية التي تقود وتحرك هذا الشخص الناجح وهو يعتمد كلية على تنشيط وكالة الدعاية المستأجرة لتحقيق أهداف لايمكن الوصول اليها الا عن طريقها، وإلا فإن الفن الحديث الذي يرعاه متحف كلي القدرة مهدد بالخطر. بعبارة أخرى هي أزمة الإنسان المعاصر، وأزمة الفنون الحديثة نفسها المعرضة للانهيار وهي القائمة أساساً على نوع من التدليس البصري المستبد.

 

فرصة النجاة الذكورية

قد يلحظ روبن أوستلوند في نظريته عن فيلمه هو بالتحديد أن الرجال في المجتمعات البطريركية هم من يحظون بالاستقلالية وفرص النجاة في حوادث غرق السفن بعكس النساء والأطفال، وإلا مامعنى وجود مشهد الرجل القرد، وهو مشهد قوي ومؤثر، في حفل العشاء الذي يفترض أن يسبق افتتاح معرض «المربع» ويتحول إلى حفل عنف لايمكن حله إلا عن طريق تدخل مجموعة من الرجال ذوي العضلات لتخليص المرأة من براثن هذا «القرد» – لعب دوره تيري نوتاري – للتعبير عن رغبات بشرية دفينة في التخلص من آثار هذا العنف غير المسبوق الذي يعيشونه في لحظات التمركز حول الذات تهرباً من مسؤوليات اجتماعية بضرورة تحقيق الأمن الجماعي المهدد على كل المستويات، مع ملاحظة أن وجود القرد الحقيقي في بيت الصحفية الشابة (إليزابيث موس) التي تقيم علاقة مع كريستيان على هامش انتظار حفل افتتاح «المربع» غير مبرر درامياً وجمالياً على الأقل، وهو لم يضع الفيلم كما يبدو على سكة المقارنة، أو هو لم يفد في بنيته، وإن غدا خيطاً سوريالياً آخر يبني أوستلوند فيلمه عليه.

عموماً يبدو حضور الرجل القرد في هذا المشهد المستقل – ربما – عن الفيلم، ويكاد يبدو منتزعاً من سياق فيلم آخر بمثابة جرس إنذار على كل مشاهد أن يعلقه في رقبته أثناء المشاهدة، ومن قبل الخروج الحر الى الميدان، حيث يكون بانتظار الجميع تهديد متاح على كل الصعد، قد تبدأ من سرقة هاتف نقال، مع شيوع الاتكالية الاجتماعية التي تخلص الناس من مسؤولية التدخل في اللحظة المناسبة لإنقاذ حياة إنسان يتعرض للتهديد أو للسرقة أو للابتزاز، ولا تنتهي باعتلاء الرجل القرد طاولات المحتفلين والمحتفلات لاكتشاف الحلقة الأضعف في صيرورة التطور الإنساني نفسه. وإن كان الفيلم يغرق في الكثير من التفاصيل شديدة الخصوصية التي جعلت من نفسها تهديدًا مباشرًا، لـ «أمنه»، قبل أن يتمكن المخرج المتمكن من اضاءة بلاده الليلية من تجميعها في خيط درامي شديد التماسك، وشديد التأثير.

هنا يصبح كل شيء وفق أوستلوند متاحًا: فكيف يمكن في ظل هذه «الغيبوبة» الاجتماعية الكارثية لكريستيان أن ينقذ نفسه أثناء غرق السفينة ويترك عائلته مهددة بالانهيار من أجل هذا الاحتفال الذي يقضي معظم وقته في الفيلم بالاستعداد للإعلان عنه وتقديمه لجمهور يفقد بالتدريج القدرة على مد يد العون لمن يعيش تحت حال التهديد والخطر.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.