الدين والدولة بين فتاوى السياسة وسياسة الفتوى

صلاح سالم | 08/09/2017 02:19:42 م



لعل أسخف ما قيل، ويمكن أن يُقال، في السجال الدائر حول المقترحات الأخيرة للرئيس التونسي الخاصة بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وزواج التونسية بالأجنبى غير المسلم، إنما هو التساؤل عن شأن الأزهر هنا بما يحصل هناك في الزيتونة، كأن مردده يسأل: ما شأن الأزهر بالإسلام، أو شأن مصر بتونس، أو شأن كليهما بالعروبة والإسلام، فكراً وثقافة؟ غير أن الأسخف منه هو أن يطلب أحد من الأزهر تكفير الرئيس التونسي كما فعل المدعو وجدي غنيم في تركيا، أو يطالب مصر بموقف عدائي من تونس كما فعل بعض الأصوات الناعقة كالبوم، فليس من حق الأزهر إلا الإعلان عن رأيه في كل ما يخص الإسلام، ولا يمكن أن يلومه أحد على ذلك، بل إنه يكون مقصراً في واجبه كمؤسسة، وفي حق الإسلام نفسه إن لم يعلن موقفه، بل أظن أن من يهاجمونه اليوم على إعلانه هذا الموقف كانوا سيهاجمونه إن لم يعلنه، متهمين إياه بالتفريط في دوره ومكانته.

من حق الأزهر أن يعلن موقفه الرافض تلك المقترحات، وهو الموقف الذي يشاركه فيه جامع الزيتونة، المعادل التونسي له في حفظ وتعليم التراث الإسلامي، وليس ديوان الإفتاء الذي أسرع من دون تمحيص واجب إلى قبول مقترحات السبسي. لكنه، في المقابل، لا يملك أكثر من ذلك، كي يبقى مؤسسة تعليم وفقه، ولا يتحول مؤسسة كهنوتية تمارس السياسة باسم الدين. فللأزهر الحق في أن يعلن ما يراه الأقرب إلى صحيح الإسلام، وللبرلمانات حق إصدار القوانين التي تراها الأكثر تعبيراً عن مصالح الناس. يخاطب الأزهر بآرائه المتدينين، وتخاطب البرلمانات عموم المواطنين، يسعى الأزهر إلى التشريع في إطار المجال الروحي الخاص للفرد، فيما يسعى البرلمان إلى التشريع في المجال العام للمجتمع.

لم يتحول مقترحا السبسي قانونين بعد، فلا تزال هناك مناقشات داخل البرلمان التونسي ذاته ستكشف أوزان القوة السياسية بين حزب الرئيس العلماني «نداء تونس» وبين حزب النهضة الإسلامي، أي أن الأمر لا يزال في عهدة الثقافة والمجتمع التونسيين، وقد ينتهي الأمر بإقرار المقترحين وقد ينتهي إلى تجاهلهما، ولكن يبقى الأمر تمريناً نموذجياً في تصور الحدود الممكنة للعلمنة، وفي ممارسة أشكال الديموقراطية، سواء داخل تونس أو خارجها، حيث يتمدد الفضاء الثقافي العربي من المغرب إلى المشرق، مروراً بالقلب في مصر، حيث يتعين على الجميع ليس فقط المساهمة في السجال الدائر بل ترشيده، وتحويله جدالاً ثقافياً يخدم مشروع تجديد الفكر الديني.

وما نود التوقف عنده قبل الدخول في مناقشة المقترحين الإشكاليين، هو كيفية تحقيق التوازن بين أمرين: الأول هو مواجهة سلطة التقليد التي تنزع عن النص كل حمولته التاريخية، وتسعى إلى أقنمته، ظاهراً وباطناً، ليصبح كله معطى نهائياً وجامداً. كما توسع كثيراً في حدوده، عندما تخلط بينه وبين التراث، فتحيل الأخير نصاً وبالأحرى ديناً، على ما فيه من نزعات خرافية تصادر العقل، أو جبرية تصادر الحرية، وتجعل واقعنا أسيراً لها وللقائمين عليها. والثاني هو ترسيم معالم سلطة التجديد، وتبين الحدود المفترض أن تتوقف عندها، اعترافاً منها بأن ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النص، تتسم بالإطلاقية والتجاوز، تبقي له حجيته، حتى لا تتحول تاريخية النص مطلقاً يلتهمه، فلا يبقى منه شيء يتجاوز مزاج قرائه في كل عصر، وعبر أي سياق ثقافي أو مجتمعي. ذلك أن إطلاق النزعة التاريخية إنما يحيل النص الديني القدسي مجرد نص عادي، أدبي، مثلاً، ينتمى إلى قارئه وفق رولان بارت، أكثر مما ينتمى إلى كاتبه، وهنا يصبح القارئ حراً في إعادة اختراع النص والخروج منه بما يشاء من معان لها كل ممكنات التجاوز ولو كان النص محدثاً أو حتى معاصراً، فما بالنا بالنص الديني، القديم بطبعه، وما الذي يمكن أن يبقى منه قادراً على الصمود وتكريس استمرارية الدين، أي دين؟

هنا يثور خطر تحول النص القرآني من خطاب إلهي إلى الإنسان إلى خطاب إنساني صرف، يصير بمرور الزمن أكثر انفصالاً عن أصله الإلهي البعيد الذي يمثل (مُحكمه) الحد الأدنى من الإطلاقية والقدسية والاستمرار، لمصلحة نوع من النسبية والعادية والتغير، وهنا نكون بصدد التحول عن مقولة (تاريخية النص) القادرة على تمديد فاعليته، عبر تحقيق التوازن بين عناصر الثبات الصانعة للرؤية الوجودية، وعناصر التغير المصاحبة للتحولات المعرفية، إلى مقولة (عدمية النص)، المفضية إلى إهداره في التاريخ. ولكن كيف نسقط هذا الفهم على قضية الميراث مثلاً؟

وفق الإمام السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن» يتوزع النص القرآني، طبقاً لدرجات الوضوح الدلالي، على أربع درجات: الأولى تتعلق بالواضح الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، وهو النص. والثانية التي تحتمل معنيين أحدهما راجح (الأقوى) والآخر مرجوح (محتمل)، وهذا هو الظاهر. والثالثة هي التي تحتمل معنيين كلاهما يساوي الآخر في درجة الاحتمال، وهو المجمل. أما الرابعة فهي التي تحتمل معنيين غير متساويين في درجة الاحتمال، لكن المعنى الراجح (الأقوى) ليس هو بالمعنى القريب (الظاهر) كما في الثاني، بل الراجح هو المعنى البعيد، وهذا النوع هو المؤول.

تندرج قضية الميراث بالطبع في سياق الدرجة الأولى من الوضوح الدلالي، كنص قطعي الثبوت والدلالة، ارتسمت معالمه في سورة من كبريات سور القرآن المديني، ومن ثم فإن مقترح الرئيس التونسي الذي وافق عليه ديوان الإفتاء يمثل اجتراء على النص لا يجدي معه أي تأويل. وهنا أعلن انحيازي بوضوح إلى موقف الأزهر والزيتونة، اللذين رفضا المقترح، لأنه يعدم النص بذريعة النسبية والتاريخية، في قضية هي من صميم رؤية الوجود التي تعنى بها الأديان، ولو نزعنا قضايا كالزواج والطلاق والميراث لما بقي من منظومة الأخلاق الإسلامية شيء. صحيح أن هذه القضايا الثلاث بالذات تتجاوز المجال الخاص الروحي للفرد بالمعنى الضيق، إلا أنها أيضاً لا تقع ضمن المجال العام السياسي الذي تملأه الدولة بحضورها، وتقوم على تنظيمه باعتباره مجتمع المواطنين لا المتدينين، إنها تقع بالأحرى ضمن مجال عام أخلاقي تنظمه الأديان، لا يحق للدولة التدخل فيه وإلا نالت من حرية الضمير لدى مواطنيها. والحق أن تمييز الرجل على المرأة في الميراث قضية يمكن تعقلها والدفاع عنها من دون هروب حاوله البعض بذكر الحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل أو التي ترث فيها أكثر من الرجل، بفعل تباين المراكز القانونية، فحتى في الحالات الثلاث الواضحة في التمييز لمصلحة الرجل، يمكننا الاحتجاج بذرائع عدة أساسية:

الأولى هي أن أحداً لا يستطيع أن يمنع الأب من أن يكتب نصف ثروته لابنته، أو حتى كل ثروته ويحرم منها ابنه، فله الحق كشخص حر في أن يخالف الشرع وفق مستوى التزامه الديني، مثلما يملك الحق في أداء العبادات أو تجاهلها، بل الحق في أن يؤمن أو يلحد، فالحق في الاختيار يقع في صميم مفهوم العلمانية. أما الدولة فلا تملك الحق في أن تفرض عليه مخالفة الشرع في قضية الميراث، وإلا كان ذلك تدخلاً منها في المجال الخاص للفرد، أي أصولية علمانية تتحرش بالدين. ومثلما كان تحرش الدين بالدولة في مرحلة ما قبل الدولة القومية، دليل على خواء الدين وعلامة على سيطرة الكهنوت الديني على ضمير المؤمن، فإن تحرش الدولة بالدين إنما يعكس خواء الدولة ويمثل دليلاً على إفلاسها السياسي، ورغبتها في السيطرة على جسد المواطن.

والثانية هي أن النص القرآني يشرع للعلاقة بين الرجل والمرأة في ضوء «منظور تراحمي» يقوم على نمط من المساواة العادلة، وليس في ضوء مفهوم «الحق الفردي» القائم على المساواة المطلقة، كما هو الأمر في الفكر الغربي الحديث الذي يسعى البعض إلى تقليده أو نفاقه، وهو موقف تغريبي لا يعكس تمسكاً جوهرياً بالحداثة، مقدار ما يعكس خواء نفسياً وشعوراً بعدم الجدارة الثقافية. ذلك أن الإسلام لا يتصور العلاقة بين الرجل والمرأة إلا في سياق أسرة «وحدة إنسانية» وليس في سياق علاقة صراعية حول الحق الفردي، فالمجتمع التراحمي إذاً وليس الفردية المطلقة هو غاية التشريع الإسلامي الذي يصوغ حقوق الطرفين باعتبارهما «زوجين» يتكاملان في نواة مجتمعية وليس طرفين في عقد تجاري. في هذا الإطار ترث المرأة نصف الرجل، لأن الأخير ملزم بتوفير بيت للزوجية، والإنفاق على زوجته التي هي أخت رجل آخر ورث ضعفها لأنه سينفق على زوجته التي قد تكون أختاً للزوج الأول نفسه أو لا تكون، وهكذا تأخذ المرأة من الحقوق كفاء ما فُرض عليها من واجبات: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف». بل إن الشاب الذي يرث من أبيه اليوم ثلثي مليون جنيه لن يستطع توفير شقة من غرفتين في حي عادي، فيما تستطيع أخته أن تجهز نفسها بالثلث.

والثالثة هي أن النص القرآني، حتى الآن، لا يزال أكثر تطوراً من جل المجتمعات الإسلامية التي غالباً ما تعجز حتى عن تطبيق المبدأ العام، فعائلات كثيرة فى البيئات المحافظة إنما تحرم الأنثى أصلاً من الميراث، أو تبخسها حقها بدفع قيمة مالية متدنية لنصيبها من الأرض أو العقار، خشية أن تنتقل أملاكها إلى من يعتبرونه غريباً وهو زوج الأخت أو الابنة، وهو خلل نفسي وثقافي يُهدر حكمة النص، لن يجدى تعديل القانون في علاجه، لأن المجتمعات المحافظة التي ترفض توريث النساء للثلث ستتكون أكثر رفضاً لتوريثها النصف، فالأمر هنا أصعب طالما لم يتهذب الضمير أو يرتقي العقل، لذا فالأولى الآن هو الاجتهاد الفعال في كيفية الارتقاء بالمجتمع إلى مستوى النص، بدلاً من إهدار حكمته من دون جدوى.

والرابعة: هى أن تقنين مثل هذا الاقتراح لن يحقق تطوراً جوهريا في حياة المرأة، بل الأغلب أن يفضى إلى توترات مجتمعية عدة، إذ يزكى حنق المتدينين، ويدفعهم إلى تشكيل تيار مضاد للحداثة والعلمنة، وهو ما نظن أنه حدث سلفاً في تونس في أعقاب تنفيذ مدونة القوانين التي تم إقرارها عام 1956، إذ تم تحريم تعدد الزوجات، وجعل الطلاق أمام القاضي وليس في يد الرجل، وأيضاً المساواة في الإرث الذي تم التراجع عنه عام 1973، وجميعها أمور أثارت استياء ذوي الحساسية الدينية، ودفعت بهم إلى قبضة التيارات المتأسلمة التي كادت ولا تزال تحاول أن تختطف الربيع التونسي، إلى كهف الخريف الإسلامي، وهنا يبدو واضحاً كيف أننا نهدر حكمة تاريخنا عندما نتناسى ذلك الدرس البسيط، وهو أن الإفراط في العلمنة سرعان ما يستدعي عنف الأسلمة، ولنا أن نتصور مثلاً، لو أن بورقيبة تحمس لتكريس التعددية السياسية بدلاً من التشدد في تكريس حقوق المرأة، وكيف كان يمكن أن تصبح تونس الآن؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.