هل تعرف مواد الـ «بوبس» ؟ إنّها سموم تهدد حياتك يوميّاً

القاهرة - مي الشافعي | 12/09/2017 02:22:55 م



إذا كان صحيحاً أنّ أصلب الحجارة يبلى من استمرار تساقط نقاط الماء فوقه، فالأرجح أن أمراً مماثلاً يحدث للانسان مع استمرار «هطول» مواد كيماويّة عليه «بنقاط» صغيرة لكنها سامة. هل تسير في شوارع مدينة مزدحمة؟ فكّر في الروائح المنفّرة التي تتسرب إليك من عوادم السيارات والمصانع والنفايات المتراكمة، إضافة إلى ما ينجم من حرق البلاستيك والفحم والخشب والأثواب القطنية وغيرها. لا يقتصر الأمر على مجرد رائحة ينفر منها الأنف وحاسة الشم، الأمر ربما كان أعمق من ذلك. هناك أنواع من مواد كيماويّة تحملها تلك النواتج تتسرّب إلى دواخل الجسم بكميات صغيرة تماماً، لكن استمرار تسرّبها يؤدي إلى أذى كبير. ويزيد في جسامة الأمر أنه يستحيل أحياناً تفادي التعرّض لتلك المواد لأن معظمها يأتي من مصادر عامة. ويفاقم خطورة تلك الأنواع أنها مركبّة من مواد عضويّة التي هي أساس تركيب الكائنات الحيّة، ما يسهل دخولها الأجسام، بل ذوبانها فيها. ولكنها لا تخرج من الجسم وتستقر فيه، على عكس سهولة دخولها إليه. ويسميها العلماء «ملوّثات عضويّة ثابتة» Permanent Organic Pollutants (اختصاراً POPs «بوبس») للتعبير عن خصائصها الآنفة الذكر.

وفي ستينات القرن العشرين، أطلقت خبيرة البيئة راشيل كاريسون صفارة إنذار عبر كتابها «الربيع الصامت» Silent Spring (1962). ولفتت إلى قضية الاستخدام العشوائي والمفرط للكيماويات والمبيدات الحشريّة، خصوصاً مادة «دي دي تي» وما يشبهها. وأوضحت كاريسون أنّ الكيماويات التي ترش بها المحاصيل الزراعيّة والغابات والحدائق تبقى طويلاً في التربة، فتتمازج مع الكائنات الحيّة وتمر من أحدها إلى الآخر، في سلسلة من التسمّم الذي ربما يفضي إلى الموت».

وبصورة تدريجيّة، أثبت العلماء صدق توقّعات كاريسون عن التأثير البعيد المدى للمبيدات الحشريّة في البيئة وكائناتها الحيّة. والأخطر أن تلك المجموعة من المبيدات لها تركيب كيماوي ثابت، ولا تتحلل في البيئة ولو بعد عقود، إضافة لقدرتها على الاستقرار في خلايا الإنسان والكائنات الحية. وركّزت كاريسون على مادة «دي دي تي» الشهيرة التي استخدمت على نطاق واسع بعد الحرب العالمية الثانية بهدف القضاء على الحشرات المسبّبة للملاريا والتيفوس. وبلغ انتشارها أنها دخلت القطبين المتجمدين للأرض اللذين كانا خاليين قبلها من الملوّثات العضويّة الثابتة.

تضم قائمة مواد الـ «بوبس» قائمة طويلة من المبيدات والمواد الكيماوية. وبعد قرابة أربعة عقود على صدور كتاب «الربيع الصامت»، توصّل نشطاء البيئة في العالم إلى فرض اتفاق دولي في شأنها. وتولّى «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» صوغ «اتفاق استوكهولم للملوّثات العضويّة الثابتة- 2001»، وهو يشرف أيضاً على تنفيذها ويلاحظ مدى التزام الدول بها.

وفي الأسابيع الماضية، توصّلت مصر إلى التخلّص في شكل آمن مِن شحنة مِن مبيد الـ «لينداين» Lindane الشديد الخطورة، وهو من المواد المشمولة بالحظر بموجب «اتفاق استوكهولم». كانت مخزنة في ميناء الأدبية في السويس، وأرسلتها إلى فرنسا؛ لتحرق في أفران خاصة.

وتعود القصة إلى عام 1998 حين وصلت إلى ميناء الأدبية شحنة «مجهولة» كانت في طريقها إلى إحدى الدول الأفريقية. وظلت قابعة في الميناء، مع اختفاء جهة التصدير. ثم انكشف بعد ذلك أنّها تحتوي 220 طناً من مبيد الـ «لينداين» الشديد السُميّة. وتسلمت نيابة السويس حاويات الشحنة وبحثت طويلاً عن جهة التصدير، ولكن من دون جدوى. وتعاقبت الدراسات واللجان العلمية للبحث في كيفية التعامل مع الشحنة. واتضح أن الأمر يحتاج إلى إمكانات علميّة وتكنولوجية ضخمة. ثم اتخذ القرار بنقلها خارج مصر كي تحرق في أفران خاصة بترميد المواد والنفايات الخطرة.

وأتيحت لمصر فرصة الحصول على تمويل من مرفق البيئة العالمي لتنفيذ مشروع تحت مسمى «الإدارة المستدامة للملوّثات العضويّة الثابتة» تنفذه وزارة البيئة المصرية تحت إشراف «البنك الدولي». وكان أحد المكوّنات الرئيسة للمشروع هو التخلص من ألف طن من المبيدات الراكدة والمهجورة والمنتهية الصلاحية المخزنة في بعض المواقع ومنها شحنة الـ «لينداين».

وأدرجت تلك المادة في القائمة التي أصدرها «اتّفاق استوكهولم للملوّثات العضويّة الثابتة» التي بدأ تنفيذها في 2004 مع السعي إلى حظر إنتاج مواد الـ «بوبس» وتصديرها. وكانت مصر من أولى الدول التي وقعت على ذلك الاتفاق، بل أصدرت خطة وطنية للتعامل مع ملوّثات الـ «بوبس».

وإذ بدا محتّماً التخلص من شحنة الـ «لينداين» بطريقة علمية وآمنة تنطبق عليها المعايير والمواصفات القياسية العالميّة التي وضعها «اتفاق استوكهولم» و «معاهدة بازل» التي تتناول التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود. ولذا، أعلنت وزارة البيئة المصرية عن مناقصة عالمية طبقاً لإجراءات «البنك الدولي». وفازت بها إحدى الشركات اليونانية ذات الخبرة العالمية في ذلك المجال. وتسلّمت الشحنة في ميناء الأدبية. ثم جهّزت المكان ووفّرت المعدات اللازمة لسلامة العاملين به، وكذلك أعطتهم تدريباً معمقاً في ذلك المجال. بعدها، بدأت عملية إعادة التعبئة والتغليف لمكونات الشحنة في أكياس خاصة ممهورة بختم الأمم المتحدة. ثم وُضِعَت الأكياس في حاويات مؤهلة خصيصاً لذلك العمل، استعداداً للسفر والحرق في أفران خاصة في فرنسا. وكذلك جرى تطهير الحاويات القديمة التي نامت الشحنة في دواخلها طويلاً، ثم نقلت إلى خارج مصر.

وبالتعاون مع وزارة الزراعة جرى حصر كمية أخرى تصل إلى عشرة أطنان من مبيدات تندرج ضمن قائمة الملوّثات العضويّة الثابتة، كي ترحّل أيضاً مع شحنة الـ «لينداين». وتحت حراسة مشددة نقلت الشحنة براً من ميناء الأدبية في السويس إلى ميناء الدخيلة في الإسكندرية، فكان بانتظارها المجموعة التي تعمل في مجال نقل المواد الخطرة. وبعد دراسة علمية شاملة لتقييم الأثر البيئي لعملية النقل، جرى الحصول على موافقات دول مسار الشحنة. وغادرت شحنة الـ «لينداين» المريبة أرض الكنانة، في رحلة بلا عودة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.