طفلة تثير أزمة في بريطانيا ... بسبب الأسرة التي ترعاها

لندن – رانيا كرم | 13/09/2017 02:15:09 م



الطفلة ليست فقط مسيحية، بل هي بيضاء أيضاً. والأسرة التي ترعاها ليست فقط مسلمة، بل ترتدي نساؤها البرقع، ولا تتحدّث الإنكليزية، وتمنع الطفلة وضع علامات تدل على دينها، وتحرمها من طعام تحبه لكنه محرّم في الإسلام. كان هذا محور القصة التي تصدّرت عناوين صحف رصينة في بريطانيا، وكادت أن تفجّر أزمة جديدة بين مكوّنات المجتمع البريطاني الذي لم يتعافَ أصلاً من سلسلة اعتداءات إرهابية نفّذها متشددون إسلاميون، باسم «داعش» أو إخوته، وأخرى طاولت الجالية المسلمة من عنصريين بيض، رداً، كما يبدو، على هجمات الطرف الأول.

هل كانت القصة صحيحة، وهل استحقت إيلاءها الاهتمام الذي نالته؟

كان ذلك محور جدل واسع في بريطانيا أخيراً، وتجلّى في بعض مناحيه في انتقادات وجهتها وسائل إعلام يسارية لصحف اليمين التي رفعت لواء الدفاع عن «الطفلة المسكينة»، وهي انتقادات رفضها مروّجو القصة الذين ردوا بإبراز دوافعهم لطرح القضية البالغة الحساسية، خصوصاً أنها تتعلّق بطفلة لا تزال في الخامسة من عمرها.

كانت صحيفة «التايمز» أول من طرح موضوع الطفلة، في شكل بارز وعلى صدر صفحتها الأولى، قبل أن تتبعها صحف أخرى تنتمي في غالبيتها إلى اليمين البريطاني المحافظ، مثل «الميل». «التايمز» التي قالت إنها تعتمد على تقارير سرية لبلدية تاور هاملتس، إحدى الضواحي الشرقية للعاصمة لندن، كشفت أن الطفلة أبلغت سلطات الرعاية الاجتماعية التي وضعتها لدى عائلتين مسلمتين للإهتمام بها، إنها تشـــعر بـ «استياء كبير» لأن الأسرة الأخيرة التي «أُرغمت» على الإقامة عندها، نزعت سلـــسلة من عنقها كانت تعلّق عليها إشارة تدل على «دينها المسيحي»، ومنعتها أيضاً من تناول «وجبتها المفضّلة» من المعكرونة لأنها تحوي لحوماً محرّمة في الإسلام.

لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، إذ لجأت صحف اليمين إلى تسليط الضوء على مخاوف في شأن سلامة الطفلة نفسياً، بناء على ما تضمّنته تقارير جهاز الرعاية الاجتماعية للبلدية من مزاعم تقول إن الأم المسلمة التي تهتم بالصغيرة ترتدي برقعاً لا يُظهر وجهها، وانها طلبت من الصغيرة أن «تتعلّم العربية». وقال أحد المشرفين على الرعاية الاجتماعية في البلدية لـ «التايمز» إنه وجد الطفلة تبكي بكاء شديداً وترجوهم ألا يعيدوها للعيش مع العائلة المسلمة «التي لا تتحدّث الإنكليزية».

لم يكن غريباً أن تثير هذه القضية ضجة في المجتمع البريطاني، وتطرح تساؤلات حول مدى صواب قرار بلدية تاور هاملتس وضع «طفلة بيضاء تتحدّث الإنكليزية»، كما أبرزت التقارير الصحافية، في رعاية عائلة مسلمة ترتدي النقاب وتتحدّث بالعربية.

بعد أيام من الجدل، بدأت القصة تتكشّف. مأساة الطفلة بدأت في آذار (مارس) الماضي، عندما لجأت الشرطة إلى فصلها عن أمها، لأسباب لم تُحدد ولكنها غالباً ما تكون مرتبطة بتقويم من سلطات الرعاية الاجتماعية يعتبر أن الأم تشكّل خطراً على طفلتها. ومن بين الأسباب التي ترد لتبرير مثل هذا الإجراء النادر، أن الأم قد تكون تتعاطى المخدرات أو تمارس الدعارة أو متورّطة في جرائم سرقة، أو أنها تعاني مشكلات نفسية يمكن أن تشكّل تهديداً لمن هم من حولها. ولا يعني هذا أن قرار نزع طفلة الأعوام الخمسة من أمها يرتبط بأي من هذه الأسباب.

ووفق قرار قضائي صدر في شكل عاجل عقب تفجّير الصحف قضية الطفلة، فقد كانت الأخيرة موضوعة في البداية في رعاية عائلة مسلمة قبل نقلها لتعيش مع عائلة مسلمة أخرى. وأشار القرار إلى أن وصياً معيّناً بأمر من المحكمة ويعمل «من أجل خير الطفلة»، هو من قرر نقلها لتعيش في رعاية العائلة المسلمة الثانية وإنه قال إن ليس هناك من «سبب للقلق» على سلامتها. ولفت القرار القضائي إلى أن سلطات البلدية يُفترض فيها بالفعل، بموجب قانون حماية الطفل للعام 1989، أن تأخذ في الإعتبار دين الطفل، وأصوله العرقية، وخلفيته الثقافية واللغوية، عندما تقرر وضعه في رعاية جهة ما، إلا أنه في حالة الطفلة المعنية «لم تتوافر عائلة للرعاية بها تنطبق عليها المعايير الثقافية ذاتها (مثل الطفلة)».

لكن الأمر لم يتوقّف عند هذا الحد، إذ كشف القرار القضائي الصادر عن القاضي خاتون سابنارا أن أم «الطفلة المسيحية» محور الجدل تنتمي في الواقع «إلى عائلة مسلمة» لكنها لا تتبع تعاليم الدين الإسلامي، مشيراً إلى أن الأم تصر على «أنهم ينتمون إلى أصول مسيحية»، في تناقض قد يكون مرتبطاً بخلافات أسرية ضمن عائلة غيّرت دينها، أو على الأقل بعض أفرادها. لكن أمر القاضي أنهى الجدل القانوني بإرسال الطفلة كي تعيش «موقتاً» مع جدتها، لكنه لم يضع جداً نهائياً لقضيتها، إذ تبيّن أن الجدة «غير الملتزمة بالدين الإسلامي» تريد أن ترحل من بريطانيا وتعود إلى بلدها الأصلي (فهي ليست بريطانية). وسيبت في هذه القضية في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، عندما تكون الطفلة قد بلغت السادسة من عمرها.

وبعد صدور حكم المحكمة، قالت ديبي جونز مديرة قسم الرعاية بالأطفال في بلدية تاور هاملتس: «كان علينا، عندما صدر قرار وضع الطفلة في الرعاية موقتاً، أن نجد أفضل المتاح في ذلك الوقت»، أي فور صدور أمر فصلها عن أمها. وأضافت: «في حين أن الخلفية الثقافية تؤخذ دائماً في الاعتبار في شكل كبير عندما نأخذ قراراتنا، إلا أن هناك عوامل أخرى يتم الأخذ بها أيضاً بما في ذلك البقاء في ضمن حدود البلدية كي نشجع بقاء التواصل مع عائلة الطفل وتمكنه من الاستمرار في المدرسة ذاتها لإعطائه أكبر قدر ممكن من الاستقرار».

وجادلت بلدية تاور هاملتس، في دفاعاها عن قرار، بأن تقارير الصحف اليمينية تضمنت «أخطاء»، وأكدت أن العائلة المسلمة التي كانت ترعى الطفلة تتحدّث بالإنكليزية، بعكس ما كُتب، لكنها تتألف من زوجين من أصول عرقية مختلفة. لكن البلدية تذرّعت بخصوصيات الطفلة وضرورة حماية هويتها لعدم تقديم مزيد من المعلومات حولها.

وفي واقع الأمر، لم يتوقّف أمر الطفلة عند صفحات الجرائد وقاعات المحاكم العائلية، بل ترك تأثيراً كاد أن يهدد العلاقة بين مكوّنات المجتمع البريطاني. إذ هبّت تيارات اليمين المتشدد أو العنصري للدفاع عن «الطفلة المسيحية البيضاء» التي حمل لواء الدفاع عنها تومي روبنسون، الزعيم السابق لجماعة «رابطة الدفاع الإنكليزية» (العنصرية)، وجماعتا «بريطانيا أولاً» و «إي دي أل» اللتان تمثلان أقصى اليمين المتطرّف المعادي للمهاجرين. بول غولدينغ، زعيم «بريطانيا أولاً»، غرّد قائلاً إن قضية الطفلة «تثير الإشمئزاز»، معتبراً أن هذا ما سيكون عليه مستقبل بريطانيا إذا استمرت الأمور على هذا المنوال.

في المقابل، هبت جماعات إسلامية لشن حملة ضد صحف اليمين التي أبرزت قضية الطفلة بالشكل الذي تم. فغرّد مقداد فارسي، المسؤول في المجلس الإسلامي البريطاني، قائلاً إن تغطية صحيفة «التايمز» «تشيّطن الأجانب (لا سيما المسلمين). إنه أمر مثير للإشمئزاز»، وفق ما نقلت «الغارديان» اليسارية. وأشارت هذه الصحيفة إلى أن «الديلي ميل» و «الميل أونلاين» نشرتا، في إطار متابعتهما لموضوع «التايمز» الأصلي، صورة تُظهر زوجين بلباس إسلامي ومعهما طفلة (حمل شرح الصورة عبارة: «سعادة زوجين في حديقة بدبي»). لكن الصورة الأصلية لم تكن كما نشرتها «الميل»، النسخة الورقية والموقع الإلكتروني، اللذان أضافا إليها حجاباً غطّى وجه المرأة. وأكدت وكالة «غيتي»، صاحبة الصورة الأصلية، أنها فعلاً معدّلة، لكن ذلك ليس ممنوعاً لأن العقد يتيح ذلك في إطار الجهد «الإبداعي».

ولم يتوقّف الجدل عن حدود الصحف اليمينية واليسارية، بل انسحب على السياسيين في أحزاب أساسية في البلد. فقال النائب عن حزب المحافظين الحاكم، روبرت هالفون، إن قضية الطفلة «مثيرة للقلق»، مشيراً إلى أن الأمر ذاته ينطبق لو أن طفلة مسلمة لا تتكلم الإنكليزية نُزعت من عائلتها ووضعت في رعاية عائلة مسيحية لا تتكلّم لغتها. كذلك كتبت كايتي هوبكينز، المعلّقة اليمينية في صحيفة «الميل»: «من هو الشخص في (بلدية) تاور هاملتس المسؤول عن سوء استغلال هذه الفتاة الصغيرة؟». أما الصحافي أندرو نورفولك، الذي كشف قصة الطفلة في «التايمز»، فقد دافع بدوره عن قصته في وجه الانتقادات التي تعرّض لها، خصوصاً قضية التشكيك في صحة بعض معلوماته (دين أسرة الطفلة، واللغة المستخدمة في منزل الأسرة المسلمة). وقال: «قلنا في قصتنا ما كتب الموظف في السلطة المحلية (بلدية تاور هاملتس)، وما اكتشفناه في تحقيقاتنا الإضافية. هذه قضايا صعبة وحساسة. عملي كصحافي أن أحقق في القضايا التي تثير قلقاً كبيراً ويتم لفت نظرنا إليها. (في قضية الطفلة) أعتقد أننا قمنا بعلمنا كصحيفة».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.