«الأم» مركل وحياتها «اللامتوقعة»

قيس قاسم | 14/09/2017 02:17:10 م



مع اقتراب موعد الانتخابات الألمانية، تزداد حرارة الأسئلة حول المرشحين الأقوى حظاً في التنافس على نيل لقب «المستشار»، بينهم طبعاً «الأم» أنغيلا مركل، وفق ما سماها الصحافيون خلال موجة الهجرة الأخيرة وموقفها الإنساني منها. ومن ثم تسبّب لها هذا الموضوع في الكثير من الانتقادات وعرضت نفسها لهجمات من معارضيها. من تلك الزاوية، ينطلق الوثائقي الألماني «اللامتوقع» مقترحاً البحث عن أجوبة عن أسئلة تتعلق بطبيعة الشخصية وسبب مجازفتها بمستقبلها السياسي من أجل منح الأمان لمحتاجيه من البشر؟

أما الأجوبة فتتبلور عبر وثائقي عنها (عرضه التلفزيون السويدي)، وهو بمثابة سيرة تلفزيونية موجزة تغطي أهم مراحل حياتها، وتحاول معرفة أبرز خصالها الشخصية التي أوصلتها إلى أرفع المناصب السياسية في بلادها ووضعتها أيضاً بين الشخصيات الأكثر تأثيراً في المشهد السياسي العالمي. أولى خصال المستشارة الألمانية أنغيلا مركل؛ قدرتها على التحليل والتوقيت، ويعود ذلك - وفق مراجعة المشاركين في الوثائقي وتحليلهم - إلى منهج تفكيرها ودراستها علمَ الفيزياء. كل خطوة خطتها منذ ريعان شبابها وخلال نشاطها السياسي المبكر دُرست بعناية، ولكن ما يميزها عن أمثالها من المتمتعين بالصفة ذاتها هو اختيارها التوقيت المناسب!

ولعلّ واحدة من دلالات ذلك تريثها في الانتقال إلى بون للعمل في صفوف الحزب الديموقراطي المسيحي عند توحيد الألمانيتين. فقد أصرت على البقاء في البداية في الجانب الشرقي، وحين اشتدّ عودها وكوّنت انطباعاً جيداً عند قادتها قبلت بالانتقال وبسرعة أخذت مكاناً، غير متوقع لشابة جاءت من الجانب «اللاديموقراطي» من البلاد. وبسرعة أكبر أُعطيت وزارةَ الشباب والنساء المستحدثة وفيها اتخذت قرارات مهمة أبرزتها كسياسية تقبل بالتحديات وتقدر على لعب دور سياسي أكبر بكثير من «سنها».

عملت الوزيرة الشابة على غير المتوقع دوراً في نشر الوعي بأخطار الاحتباس الحراري على كوكبنا وقدمت مقترحات لتقليل سرعة السيارات على الطرقات الخارجية وتحجيم مبيعاتها، ما عرضها لهجمات شركات إنتاجها العملاقة، بل لانتقاد من زعيم الحزب هلموت كول الذي رعاها وقدمها وكان بمثابة عرّابها.

«اللامتوقع» سيبرز بدخولها من شباك النشاط البيئي إلى المشهد السياسي ثانية وتقديم نفسها كداعية لحماية البشرية من الكوارث البيئية. في موقف لاحق وغير متوقع وفي توقيت مذهل، تتجاوز «عرابها» وتستغل فضيحته المالية بإعلانها مشروع الإصلاح الحزبي وتقوم بنشره على غير ما هو معتاد باسمها في إحدى الصحف الألمانية.

يمهد ذلك المقال لوصولها إلى قيادة الحزب وإزاحة رئيسه لتكون أول امرأة تقوده ومن ثم ترشح نفسها لمنصب «المستشار» وتحصل عليه عام 2005. خلال تلك الفترة بانت ملامح تأثير الميكافيللية عليها. بهدوء وبوضع المصالح في المقدم، تقدمت السيدة المتماسكة نحو قيادة بلاد تعد من بين أغنى دول أوروبا وأكثرها تأثيراً في الاقتصاد العالمي.

في عام 2008، عام الأزمة المالية وضعت الزعيمة مركل مصلحة ألمانيا وبنوكها في المقدم ولم تعِر جيرانها الجنوبيين اهتماماً. أظهرت الأزمة المالية جانباً براغماتياً قوياً عندها ومرونة في التعامل مع البنوك وأصحابها لضمان زيادة ثقة الشعب الألماني فيها. «ربانة السفينة الألمانية الناجية من الأعاصير المالية»، هكذا بدت «الشرقية» في عيون الألمان، ولكن في نظر منتقديها من يساريين ودول متضررة من بنوك دولتها العملاقة بدت «أنانية» لا تراعي مصالح غيرها من البشر!

لكنّ الهجرة كانت فرصة غير متوقعة لتعديل تلك الصورة الخارجية عنها، فجاء إعلانها عن استقبال قرابة مليون مهاجر، في توقيت مناسب لكنه لا يخلو من شجاعة ومن تأثيرات عاطفية يعود إليها الوثائقي عبر شهادات شخصيات رافقت مسيرتها وحياتها، ومنها تجربتها الشخصية والعائلية. عانت مركل، كابنة راهب في دولة اشتراكية، من رقابة ومضايقات، وساهم الجدار العازل في تشتيت أفراد عائلتها فتحولت محطات القطارات مكاناً أثيراً، عاطفياً لها، بحيث كانت تتم فيها لقاءات سريعة مؤثرة للأهل والأصدقاء، ومشهد تدفق المهاجرين إلى محطات «بودابست» المغلقة في وجوههم أثر فيها وسرع في قرار أعلنت أنها درسته بعناية وأمنت تداعياته المستقبلية.

لا تمر وعودها هذه المرة بسهولة لأن موضوع الهجرة يمكن المعارضة اليمينية بسهولة النفاذ منه إلى عامة الناس والتأثير سلباً فيهم، وهذا ما توقف عنده الوثائقي وعرض الموانع المحتملة لفوزها مجدداً وإبعادها من مركز أطالت المكوث فيه. هل سيشكل الزمن عنصراً ضدها وسيزيد التشبث بالسلطة من أخطائها ويؤدي إلى ملل الناس من صورتها المتغيرة اليوم من «ملاك» إلى براغماتية متجاوبة مع مصالح رأس المال في بلادها والمتعجلة بسبب نشأتها الشرقية وعقدة الجدار في فتح أبواب بلدها للغرباء و «الإرهابيين»؟! ربما الزمن والهجرة سيخذلانها، لكن السؤال الرئيسي يكمن في احتمالات غير متوقعة. فالمستشارة، وطيلة حياتها الشخصية والسياسية، اعتادت إعلان «اللامتوقع»!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.