موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 02:38 GMT - 2008/07/04


حال الطقس في 101 مدينة


«حماس» والقنبلة الموقوتة

عبدالله اسكندر     الحياة     - 29/01/06//

بدا الانتصار الانتخابي الذي حققته حركة «حماس» في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بمثابة هزة ارتدادية أكثر من كونه زلزالاً. الزلزال حصل عندما وضعت السياسة الاسرائيلية، مدعومة من الولايات المتحدة، حداً لكل الاتفاقات الدولية والثنائية مع السلطة الفلسطينية، وما استتبع ذلك من اجتياحات وعنف تقويضاً لهذه السلطة. والزلزال حصل عندما تحولت حركة «فتح» حارساً لعملية التقويض، باسم الحل التفاوضي، ومجبرة على ادارة وضع متفجر غير قادرة على التحكم في عناصره الداخلية والخارجية على السواء.

وبات واضحاً منذ الخلافات الداخلية داخل حركة التحرر الوطني الفلسطيني الاساسية على اللوائح والاسماء والترشيحات ان «فتح» فقدت دورها كإطار يجمع كل اطياف المجتمع الفلسطيني. ولم ينجح أمين سرها في الضفة الغربية الأسير مروان البرغوثي في إعادة احياء هذا التراث عبر طلته التلفزيونية عشية الاقتراع، وإن كان واضحاً جهده من اجل تظهير هذه الصورة لتنظيمه. فبدا قياديوها المرشحون، في نظر جمهور الناخبين، كساعين الى امتيازات شخصية اكثر من كونهم حملة المشروع الوطني الذي تحدث عنه البرغوثي.

كما بات واضحاً منذ الانتخابات البلدية ان «حماس» التي شاركت للمرة الأولى، في منافسة انتخابية على المستوى الشعبي، بدأت تتقن كيفية التحدث الى جمهور الناخبين واجتذابهم. وأكدت هذه القدرة في الانتخابات التشريعية بانتزاعها اصواتاً من المفترض ان تكون في النواة الصلبة لـ «فتح»، وعندما استطاعت تركيب تحالفات مع فصائل يقضي المنطق الايديولوجي والسياسي ان تكون حليفة لـ «فتح».

حصل الزلزال عندما بدا ان حركة تولت، بفعل قيادتها لمنظمة التحرير، إدارة شؤون مناطق الحكم الذاتي والتفاوض مع اسرائيل، لم تحقق أي إنجاز في الشأنين. وبات الجمهور ينظر الى هذا العجز، بغض النظر عن اسبابه المباشرة وغير المباشرة، بمثابة فشل استراتيجي. فاندفع الى «حماس» التي تعده باستعادة هذا الهدف، وهو لم يختبرها سوى في الجانب العسكري الذي يعتبر الحس العام انه وحده القادر على هذه الاستعادة.

ثمة إجماع على ان «حماس» لم تسع الى هذا الانتصار الكبير الذي يضعها مباشرة امام اعباء إدارة حكومة السلطة الفلسطينية. فكانت تفضل ان تشكل معارضة قوية داخل المجلس التشريعي، تاركة «القنبلة الموقوتة» في يدي «فتح». لكن الناخبين نقلوا هذه القنبلة الى يدي الحركة الاسلامية التي بدا، في اليومين الماضيين، انها لا تعرف تماماً ماذا ستفعل بها والى أين ستقذفها. في حين ان «فتح»، او غالبية قياداتها على الاقل، ستحاول ان تفرض على «حماس» الاحتفاظ بها لتنفجر بين يديها.

ولذلك سيكون على «حماس» تفكيك هذه القنبلة او منع انفجارها على الاقل. وتبدأ عملية التفكيك منذ انعقاد الدورة الاولى للمجلس الجديد الذي عليه احترام القرارات التي اتخذها سلفه، وفي مقدمها الاعتراف باسرائيل واعتماد المفاوضات معها من اجل التوصل الى حل سلمي. ومع العلم المسبق ان الدولة العبرية لن تسهل على «حماس» مثل هذه الخطوة، فان الحركة الاسلامية ستكون مجبرة، في حال نقضها لقرار الاعتراف الى إجراء تصويت جديد، بغالبية الثلثين، داخل المجلس. وهذا لا يبدو متوافراً في ظل التركيبة الجديدة.

تستطيع «حماس» ان تشكل حكومة بمفردها، او بالتحالف مع مستقلين وتكنوقراط، لكن هذه الحكومة التي تستمد شرعيتها من الحركة الاسلامية ستكون مجبرة على التعامل مع اسرائيل في كل الأمور الاساسية المتعلقة بادارة شؤون الحكم. ولن يكون هذا التعامل ممكناً من دون الاتصال المباشر مع اسرائيليين. الا اذا اعتبرت الحركة ان اعضاءها القياديين سيتركون هذه «المهمة القذرة» الى آخرين من خارج صفوفها، لتحافظ على نقاء رفضها الاعتراف باسرائيل. وتفرز، تالياً، مسؤولين من خارجها للقيام بهذه المهمة.

وحتى لو تمكنت «حماس» من اجتياز هذين اللغمين، لغم المجلس التشريعي ولغم الحكومة، ستصطدم بثالث هو المرجعية الفلسطينية التي تمثلها حتى الآن منظمة التحرير التي تشكل «فتح» غالبية لجنتها التنفيذية. واذا ارادت «حماس» ان تعكس ثقلها الانتخابي داخل اراضي الحكم الذاتي داخل المنظمة في اي اعادة نظر بتركيبة المنظمة غير الممثلة فيها، فعليها ان تأخذ في الاعتبار حجم الشتات الفلسطيني الذي لا يتطابق بالضرورة مع نوعية الاقتراع الاخير والايديولوجيا التي تمثلها «حماس».

في محاولة تفكيك هذه «القنبلة الموقوتة»، ثمة خيارات قليلة امام «حماس». ان تعيد هذه الحركة النظر في استراتيجيتها واعتماد براغماتية تتيح لها الاستفادة من ما تحقق منذ اوسلو، واعتبار ان ما فعلته «فتح» في هذا الشأن يمكن البناء عليه لإقامة الدولة الفلسطينية. والانخراط، تالياً، في العملية السلمية وموجباتها... او ان ترفض نتائج الانتخابات، وتعتبر انها غير ملزمة بنتائجها لجهة تسلم ادارة الحكومة وما يترتب على ذلك من اعباء... او ان تنفجر القنبلة بين يديها، فتستعيد اسرائيل حرية الحركة في رسم صورة الحل الذي يناسبها، وهي ستفعل كل ما في مقدورها وصولاً الى هذا الوضع.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group