رسالة جزائرية
محمد الأشهب الحياة - 29/01/06//
محاولة نزوح رعايا جزائريين إلى المغرب عبر الشريط الحدودي بين البلدين يعكس تذمراً اجتماعياً من استمرار اغلاق الحدود. ومهما كانت دوافع الاحتجاج، فإن وقوعها في منطقة حدودية يشير الى درجة الاحباط التي تعتري السكان الذين تعودوا على إلغاء الحواجز وحرية التنقل وتبادل المصالح والعلاقات الاجتماعية التي تكون طبيعية بمنظور دعم اقتصادات الحدود، وتصبح سلبية حين يفرض عليهم التعايش مع نقيض حسن الجوار.
محاولة النزوح عملية جزائرية صرفة يمكن أن تحدث في أي منطقة لها حساسيات الحدود والجوار. وكثير من سياسات الدول العربية خصوصاً اهتمت بالمركز وتناست الهامش، إما بسبب البعد الجغرافي أو نتيجة تداخل التركيبات الاجتماعية، أو على خلفية وجود مخططات اقليمية ودولية تنزع الى ضرب الاستقرار بهدف تمرير مؤامرات التقسيم. غير أن مسؤولية أهل القرار تكمن في ربط الأنظمة والخيارات بالواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي، لذلك فقد اهتمت كثير من الدول الغربية، كما اسبانيا وفرنسا وايطاليا والمانيا، بإقامة أنظمة جهوية تمنح الأقاليم صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها المحلية، وحافظت من خلال ذلك على أنواع من الخصوصيات التي تبعد المحيط عن المركز في ترسيم السياسات المحلية وتنفيذها، وفي الوقت ذاته تجذبه أكثر الى التوازنات ذات الأبعاد الاستراتيجية.
وبسبب هذا المعطى الحيوي الذي يتم إقراره ديموقراطياً، خفت اصوات النزعات الانفصالية حتى في الدول التي تبدو مهيأة لذلك دينياً أو عرقياً أو ثقافياً، لذلك لم تثر أي مخاوف أو هواجس حيال وحدة الدول وسلامة أراضيها، كونها جعلت مفهوم التعددية الثقافية والاجتماعية واقتصادات الأقطاب حسب الموارد البشرية والثروات الطبيعية في خدمة الوحدة.
في مجتمعات على طريق تبلور الأسس العصرية يصعب اعتبار الحدود الإدارية فاصلة أمام التحركات المرتبطة بالتجارة أو تقاليد الرحل أو الاذعان لسلطة المركز والتمركز، طالما أن الشخصية الذاتية والمعنوية للأقاليم حقيقة قائمة في الهوية والعادات والثقافات. وحين ينزع رعايا جزائريون الى محاولة النزوح الى المغرب، فإنهم إنما يعيدون عقارب الساعة الى خلفيات تاريخية لم تكن فيها الحدود المسطرة تحول دون حرية التنقل في منطقة شمال افريقيا برمتها. والأساس في العملية أنها تعكس مدى تغلغل الوعي المغاربي في النفوس والعقول حتى وان كانت تجربة الاتحاد متعثرة، ما يعني ان لا حدود بين مفهوم البناء المغاربي الذي تقره وتنفذه الدول أو صيغة بناء الشعوب المغاربية الذي تنصهر ضمنه ادارة السكان والفاعليات السياسية والاقتصادية والثقافية. وخلاصة ذلك ان العقبة الأقرب الى التمثل في فشل البناء المغاربي تعود الى سياسات العواصم وليس إرادة الشعوب. ولعل في ذلك رسالة من نوع آخر، حتى ولو كانت أكثر قسوة على حساب أي نظرة شوفينية مفادها ان التقارب بين المغرب والجزائر مفروض بقوة الجوار الذي لا يمكن ان يغيره أو يتخلص منه أي طرف. إلا انه بدل استخدام الحدود المشتركة من وجدة الى تخوم الصحراء فضاء للتعاون كان اللجوء الى المواجهة، فقد يسود الاطمئنان الى ان سريان مفعول اغلاق الحدود يحقق قدراً من الرقابة في مواجهة تنامي الهجرة غير الشرعية والتهريب وأي آفة أخرى، لكنه لن يحقق الاقتناع بجدوى تغيير الواقع الاجتماعي.
في مثل هذا الوقت تقريباً منذ ثلاثين سنة كان الجزائريون يتفرجون على نزوح رعايا متحدرين من أصول صحراوية الى تندوف كي لا نقول انهم كانوا معنيين بذلك. ويحدث اليوم انه يوجد على أراض واقعة تحت نفوذ الجزائر عشرات الآلاف من الرعايا الصحراويين. وسنقول في الاستخدام الديبلوماسي انهم نزحوا في افواج. لذلك يتعين النظر الى دلالات محاولة نزوح رعايا جزائريين في اتجاه المغرب، بصرف النظر عن اختلاف الظروف والخلفيات، عسى ان يتعزز الاقتناع بأن حل المشاكل الاقليمية والمحلية من خلال البدء في اقرار تنظيمات اللامركزية واللاتمركز هو الأفضل، وسواء اقتصر الموضوع في مرحلة أولى على اقليم الصحراء بسبب طول أمد النزاع أو تعداه في وقت لاحق ليصبح منهجية عصرية في إدارة الشؤون المحلية في أرجاء المنطقة المغاربية كافة، فإن التجارب الانسانية التي نمت في هذا الاتجاه أبانت الفرق بين انتكاس بناء الدولة المركزية الذي يزيد في الاعباء كما في تجارب الدول الجنوبية لحوض البحر المتوسط، وبين التطورات التي عرفها الاتحاد الأوروبي في ضوء الحفاظ على خصوصية مكوناته وتنوعها. واللافت ان حلم البناء المغاربي تزامن في بداياته الأولى مع التوجهات الأوروبية والنتيجة ما نراه على أرض الواقع.
|