في ذكرى 33 سنة على الحرب الأهلية في لبنان ... تجدّد المنازلة بين دولة المقاومة ومقاومة الدّولة
عادل مالك الحياة - 11/05/08//
منذ شهر كانت ذكرى مرور ثلاثة وثلاثين عاماً على اندلاع الحروب الأهلية في لبنان في الثالث عشر من نيسان (ابريل) 1975. وشاءت جمعية «فرح العطاء» مع العديد من هيئات المجتمع المدني ألا تكون ذكرى عابرة فكان ما جرى في ساحة الشهداء من إزالة الأسلاك الشائكة وخطوط التماس ولو بصورة موقتة، والتقى على المنبر الذي شيد نصفه في منطقة الخيم التي أقامها «حزب الله»، والنصف الآخر في الجانب الآخر من بيروت في إشارة رمزية إلى وحدة العاصمة اللبنانية ووحدة اللبنانيين. وشارك في هذا اللقاء مجموعة من الزملاء الإعلاميين والإعلاميات يمثلون مختلف أجهزة التلفزة في لبنان حيث روى كل منهم الذكريات المؤلمة من الأيام السوداء التي مرت بالوطن، وكانت العبرة في رمزية هذا اللقاء التشديد والتوكيد على عبارة واحدة تختصر الأزمة، ألا وهي... «تنذكر وما تنعاد». وعندما غادرنا بيروت قبل أيام أدركنا أن هذه الصرخة على أهميتها كانت كمن يحرث في البحر، إذ ما لبثت أعمال العنف أن اندلعت من جديد وسط حالة من الاحتقان المخيف في طول لبنان وعرضه مع تركيز خاص على العاصمة بيروت. وإذا بالمؤامرة المتنقلة المدججة بمختلف أنواع الأسلحة تطغى على أصوات العقل والحكمة، وبالتطرف يعطل الاعتدال، واللغة الغرائزية تطغى على لغة التوحّد والتقارب التي كانت سائدة بين اللبنانين على اختلاف ألوانهم وأطيافهم، لكن حالة الورم الوطني والسياسي والتأجيج من كل لون ونوع أطلقت الأمور من عقالها وخرجت الأمور عن السيطرة.
وبإمكان الذين توقعوا صيفاً ساخناً أو حاراً في لبنان أن يهنئوا أنفسهم! فقد صحت معلوماتهم وتوقعاتهم ومنهم مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ولش والعديد من الأطراف المحليين الذين أصروا على الحديث عن اغتيالات آتية في صفوف السياسيين أو الإعلاميين.
وتدفّق سيل الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات محددة ومنها: أي «طرف خارجي» أعطى إشارة الانطلاق لتفجّر الساحة اللبنانية؟ ولماذا هذا التوقيت بالذات؟
في محاولة الإجابة يعرف القاصي والداني مدى «التداخل العضوي» القائم بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية ووقوع لبنان في مجموعة جزر وأرخبيل التأثير الإيراني - السوري من جهة، والنفوذ الأميركي - الغربي من جهة ثانية. وتتحكم في مسار الأحداث مصالح المحاور الإقليمية والدولية، فإذا كانت هذه المصالح مؤمنة شهد لبنان بعض فترات الهدوء والهدنة، وعندما تتعارض هذه المصالح ينتشر اللهب من جديد في الوطن الصغير، وهذا ما يحدث الآن.
في جانب آخر عادت بعض الشعارات القديمة - الجديدة لتطرح بإلحاح وفق مقتضيات مسار أزمة المنطقة بكل تعقيداتها، ومن ذلك العودة إلى كيفية التوفيق بين منطق الدولة ومنطق الثورة أو بين دولة المقاومة ومقاومة الدولة.
والذين تابعوا عن قرب المواجهات منذ اندلاعها في أحياء عدة من منطقة بيروت الغربية فوجئوا بنوعية وكمية الأسلحة المتوافرة في أيدي المسلحين الأمر الذي يناقض كلياً المعلومات السابقة التي كانت تتحدث عن وجود أسلحة خفيفة فقط على أساس أن من عادة كل لبناني الاحتفاظ بقطعة سلاح للدفاع عن النفس لكن الكميات والنوعيات التي ظهرت تؤكد بما لا يقبل الشك هذه الكثافة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة ومنها قذائف صاروخية تحمل على الكتف. وكالعادة دفع المواطنون اللبنانيون العاديون ثمن الاحتراب بين المتقاتلين.
وحتى كتابة هذه السطور كانت الفتنة تخطت البند الأول لها وهو الكلام لتنتقل إلى المراحل الأخرى لاكتمال نصاب التفجير والفتن من كل لون ومذهب.
وفي كل مرة كانت تتوافر معلومات عن تفجير يجري التحضير له في لبنان والاستنتاج أن الآتي أعظم، كان التساؤل: وهل هناك ما هو أعظم مما حدث؟ وإذا بالوقائع تؤكد انتقال الوطن من حالة مأسوية «عظيمة» إلى حالات أخرى هي «أعظم»!
وتعليقاً على أحداث الأيام القليلة الماضية، ليس باستطاعة أي من الأفرقاء المعنيين أن يقول إنه فوجئ بما حدث سوى اللبنانيين العاديين المسحوقين بشتى الهموم والضغوط والهواجس والكوابيس باعتبار أن التلويح بالتصعيد واللجوء إلى العنف كانا «يشنفان» آذان المتابعين للإذاعات المحلية وللفضائيات والتي يعتبر بعضها عاملاً أساسياً في حملة التصعيد والتعبئة النفسية العامة.
ووسط الجدال حول قبول دعوة الرئيس نبيه بري إلى التئام حلقات الحوار من جديد انقطع الحوار المقطوع أصلاً واستعيض عنه بوسائل التحاور المتاحة من الأسلحة.
ومن الأسئلة المتداولة: أن القرارات التي أقدمت عليها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بشأن شبكات الاتصال الهاتفية التي يعتمدها «حزب الله» ليست بالموضوع الجديد أو المستجد وأن الحكومة - على ما يبدو - كانت على بيّنة من هذا الأمر، وروى أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله بعض التفاصيل التي أعطت الانطباع وكأن الموضوع تمت تسويته، ثم يأخذ مجلس الوزراء في جلسة ماراثونية قرارات تطلب تقديم المسؤولين عن ذلك إلى المحاكمة، مع نقل العميد وفيق شقير من رئاسة أمن المطار إلى قيادة الجيش. والسؤال تحديداً: لماذا جرى تحريك هذا الموضوع الآن أو في هذا التوقيت بالذات؟
الأمر يفترض من حيث المبدأ أن اتخاذ قرار بهذه الأهمية والخطورة يستوجب دراسة متأنية لكيفية تطبيقه، وحماية التداعيات التي يمكن أن تنشأ عن ذلك.
لكل طرف في لبنان قصته وروايته الخاصة للأحداث حيث يصعب العثور على الحقائق المجردة.
ويبقى لبنان هو الساحة المباحة والمستباحة لكل صاحب طموح أو قضية في المنطقة. وبناءً على هذه المعطيات يجب التوقف عند النقاط الرئيسية التالية:
* كان الانطباع السائد قبل فترة قصيرة أن الوضع العام في المنطقة سيكون في حالة جمود أو تجميد إلى ما بعد انتهاء زيارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى المنطقة للاحتفال بمرور 60عاماً على قيام إسرائيل وزيارة عدد من الدول. لكن أحداث لبنان فاجأت كثيرين بتوقيت اندلاعها قبل حضوره. والآن يجري العمل على سيناريو معكوس يشير إلى أن أحد أهداف جولة الرئيس الأميركي في المنطقة التعاطي مباشرة مع تفجر الأزمة اللبنانية، ليس من زاوية الحرص على الاستقرار الداخلي، بقدر ما هو الحرص على تأمين المصالح الأميركية في المنطقة وبخاصة المعاناة الحاصلة في العراق وفي أفغانستان، وفي الوضع الفلسطيني. وفي هذا السياق يشار إلى أن الرئيس بوش سيلتقي الرئيس السنيورة في شرم الشيخ، ربما يوم السابع عشر من أيار (مايو) الحالي، للبحث في تعقيدات الملف اللبناني.
* إن مسارعة المملكة العربية السعودية إلى التحذير من مغبة استمرار الأزمة المسلحة في لبنان تنطوي على استشعار بخطورة تواصل الحريق اللبناني واحتمال انتقاله إلى المنطقة. ومن هذا المنطلق كانت دعوة الرياض الفرقاء كافة لإعادة النظر في كل الحسابات قبل فوات الأوان.
* تحدث هذه التطورات وإسرائيل تحتفل بذكرى مرور 60 عاماً على قيامها... وهي في حالة مزرية من المعنويات التي خلفتها إخفاقات حرب تموز (يوليو) 2006. وليل الخميس - الجمعة ظهر رئيس الوزراء ايهود أولمرت «صاغراً» أمام رجال الإعلام ليدافع عن نفسه بوجه تهم الرشاوى الموجّهة إليه، وأعرب عن استعداده للاستقالة من منصبه إذا وجه إليه النائب العام تهماً محددة. والمفارقة أن اولمرت لم يسقط في تقرير «فينوغراد» وأصيب مباشرة في أدائه الفاشل! وربما تم سقوطه بعد اكتشاف فضيحة حصوله على الرشاوى بشكل غير شرعي، والعجيب أيضاً في هذه المفارقة أنه بدلاً من أن تكون نتائج حرب تموز كسباً كبيراً للبنان الدولة والمقاومة، فإذا بها كالوبال على الطرفين بسبب تواصل الاختلاف على التسمية التي انتهت إليها حرب تموز: هل هي انتصار للمقاومة؟ أم للبنان؟ أو هي هزيمة لإسرائيل؟ في حين أن فريقاً يُصر على توصيفٍ آخر لنتائج هذه الحرب.
* ان «فخامة الفراغ» هو الصامد في لبنان أكثر من غيره من الحلول المتداولة والمطروحة في المزاد. والكلام عن أن انتهاء أزمة الفراغ الدستوري بات وشيكاً ليس كلاماً دقيقاً. وهناك معلومات تفيد بأن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد تصعيداً كبيراً على أرض الميدان بغية ممارسة المزيد من الضغوط على أطراف المعارضة اللبنانية للتعجيل في انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. ومقابل ذلك تؤكد معلومات أن تطورات الأيام الأخيرة ربما تؤثر بشكل من الأشكال على «الصفة التوافقية» للعماد سليمان. لكن وبقطع النظر عن حل عقدة الفراغ الرئاسي فإن العماد سليمان يقوم عبر قيادته للمؤسسة العسكرية بدور كبير للحفاظ على الوطن. وفي هذه الحال إذا لم تؤد التطورات إلى انتخابه رئيساً للجمهورية فهو يقوم بدور أكبر وأخطر وأهم ألا وهو: حارس الجمهورية.
* ومرة بعد مرة تتأكد المعادلة اللبنانية أن ما من طرف باستطاعته الاستئثار بحكم لبنان، وأن لبنان لن يكون الوطن الذي عرفته الأجيال إذا ما انقلبت معادلات العيش والتعايش رأساً على عقب. فهل يحترق لبنان مرة أخرى من أجل الآخرين، ويكون هو الطرف الوحيد الدافع لكل الاستحقاقات المتأخرة حيث يقبض غيره «أثمان الانتصار» وتبقى للشعب اللبناني ويلات الحروب التي عرفها أكثر من غيره وقد فرضت عليه سياسات المحاور الإقليمية والدولية أن «يستضيف» حروب الغير كافة على أراضيه. وهو الوطن الذي أدمن استعارة الحروب الأهلية لكل عشر سنوات تقريباً (أقل أو أكثر)؟
وسؤال آخر ولن يكون الأخير لكثرتها: متى يعرف لبنان - كل لبنان - أن يخوض حرباً لنفسه ولشعبه ولمختلف «فصائله»، وأن يتمتع بوطن نهائي محض بوحدة اللبنانيين وبتواصلهم وبعيش مشترك وليس فقط بتعايش مظهري؟
ألا يكفي هواة الحروب رغم كل ما حدث؟ أصوات تبدو وكأنها من وحي الخيال... ومن أحلام وكوابيس شهر آب (أغسطس) وبعده أيلول... وما بعد بعد أيلول.
* صحافي وإعلامي لبناني
|