مطلوب خطة عاجلة للأمن الغذائي!
عرفان نظام الدين الحياة - 12/05/08//
تُرى لو عادت ماري انطوانيت، التي أُعدمت على المقصلة إبان الثورة الفرنسية الكبرى، ملكة على فرنسا لتشهد أزمة الغذاء الكبرى في العالم، هل كانت لتردد الرد الساخر ذاته الذي نُسب إليها عندما قيل لها ان الناس جياع لا يملكون ثمن شراء رغيف خبز: ليأكلوا بسكويت... أو في قول آخر ليأكلوا غاتوه؟! بعيداً من السخرية والمزاح لا بد من دق ناقوس الخطر للتحذير من مفاعيل أزمة الغذاء التي تكتسح العالم، والعرب في المقدمة هذه المرة وليس في المؤخرة كما جرت العادة عند وقوع الأحداث الكبرى.
نعم الأزمة جدية وخانقة ومفاعيلها المدمرة لم تظهر بعد، لأن ما نشهده هذه الأيام ما هو إلا بدايات ومؤشرات ونذر شر ونماذج صغيرة عما يمكن ان تؤول إليه الأحوال في حال عدم المسارعة الى اجتراح الحلول ووضع خطة طوارئ عاجلة للمعالجة الجذرية، داخلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً وفق استراتيجية شاملة تطبق على مراحل، فورية ومتوسطة المدى وطويلة المدى. الأسعار نار، والإنتاج يتضاءل، والطلب يزداد، والجمر يطاول المنتجات الزراعية الأساسية التي تتغذى منها الشعوب في حدودها الدنيا، وأسعار النفط ومشتقاته تقفز بسرعة جنونية غير مسبوقة، والفقر يتحول الى قاعدة، الشواذ فيها أثرياء يمثلون أقلية بعضها أثرى على حساب لقمة عيش الفقراء، فيما يتوقع الخبراء ان يطاول الجوع اكثر من 850 مليون إنسان في العالم، بينهم أكثر من مئة مليون عربي.
إنها صورة بانورامية واقعية وليست مجرد تحليل إخباري أو توقع خيالي أو خبر تهويلي... فالأزمة تخطت حدود المعقول وتكاد تخرج عن إمكانات السيطرة عليها على المدى المنظور في حال لم يسارع أصحاب الحل والربط الى الإمساك بزمام الأمور ووضع الخطة المطلوبة قيد التنفيذ وفق جدول زمني محدد وإجراءات عملية سريعة وحاسمة وقرارات تستخدم العصا لزجر الجشعين والمستغلين والمتقاعسين، والجزرة لتشجيع الإنتاج الزراعي ومضاعفة الجهود المبذولة لإنجاز الحلول الناجعة والتخفيف عن المنكوبين والفقراء والمحتاجين. خطة الطوارئ المطلوبة تحتاج الى تعاون وتنسيق وتفاهم من جميع المعنيين: الدول المنتجة والدول الغنية، والمنظمات الدولية والدول المستهلكة، يضاف إليها تعاون عربي وتكافل وتضامن على صعيد الحكومات ورجال الأعمال والمال والشركات والمواطنين من اجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه وإيصال السفينة الى بر الأمان ومنع المتطرفين والمصطادين في الماء العكر من استغلال هذه المحنة لإثارة المزيد من الفتن وإشعال نار الحروب وتدمير ما تبقى من أخضر ويابس في ديارنا العربية المنكوبة.
وعلى رغم حال التشاؤم السائدة في العالم، وفي العالم العربي بالذات نتيجة انعكاسات الأزمة الراهنة على الحاضر والمستقبل، فإن مؤشرات إيجابية بدأت تلوح في الأفق وتتمثل في أن القناعة السائدة تجتمع حول التحذير من خطورة الأوضاع والدعوة الى استيعاب الموقف من طريق اتخاذ خطوات عملية وسريعة على المديين المتوسط والطويل الأجل، والأمل كبير بأن تتحول الأقوال إلى أعمال وتخرج الاقتراحات من طور النظرية الى حيز التطبيق وفق خطة طوارئ تتبناها القيادات العربية بالتعاون مع دول العالم لتحقيق الأمن الغذائي العربي ووقف مسلسل الانحدار نحو الفتن والاضطرابات والعنف.
هذه الخطة المتشعبة تتطلب خطوات وطنية داخل كل الدول العربية وعلى المستويين العربي والإقليمي ثم على الصعيد العالمي الأرحب.
1- على الصعيد الداخلي:
- لا بد من قرارات جذرية حاسمة وفق استراتيجية يشارك في وضعها الخبراء وتحدد مسؤوليات كل ركن من أركان الدولة، إضافة الى أدوار الشركات والمصارف ورجال الأعمال والمواطنين أصحاب العلاقة المباشرة وفق الخطوات الآتية:
- تشجيع القطاع الزراعي ودعمه بكل الوسائل وتقديم الإمكانات المالية والتقنية لتوسيع القدرة الإنتاجية وصولاً الى مرحلة الاكتفاء الذاتي.
- التركيز على تجميع الطاقات بالسماح للملكيات الكبيرة للأراضي الزراعية بلعب دورها الوطني المنشود بعد فشل عملية تفتيت الملكية عبر قوانين الإصلاح الزراعي وغيرها، وتشجيع الشركات والتعاونيات على الاستثمار في القطاع الزراعي وإدخال التقنيات الحديثة في الزراعة من أجل مضاعفة الإنتاج.
- مراقبة الأسعار ومنع الاستغلال وخفض الرسوم والضرائب على المشاريع الزراعية وتقليص كلفة الإنتاج وفوائد القروض الزراعية وأسعار الأسمدة والأعلاف والخدمات اللازمة للزراعة وتحقيق التكامل في الإنتاج، لا سيما بالنسبة الى القمح والذرة والأرز.
- إقامة مصانع خاصة للمنتجات الزراعية من اجل تجميدها وتعليبها لتكون متاحة بأسعار مناسبة في كل الفصول والمواسم وخفض فاتورة الاستهلاك.
- فرض رقابة مشددة على أسعار الأغذية الرئيسية الضرورية لغذاء المواطن ومنع الاحتكار ووضع قوانين صارمة لمكافحة التلاعب بالأسعار واستغلال المواطن.
- مشاركة رجال الأعمال والشركات في صندوق وطني تقيمه الدولة وتشارك في رأس ماله لتشجيع الإنتاج الزراعي ودعم الأسعار وفق مبدأ التضامن الوطني والاقتناع بأن الخطر الداهم، في حال تفاقم الوضع، سيصيب الجميع بلا استثناء.
- مشاركة المواطن في تحمل مسؤولياته وتغيير عاداته الاستهلاكية وشد الأحزمة على البطون خلال المرحلة الحرجة، ولا سيما بالنسبة الى بعض الطبقات التي تسرف في الإنفاق وتسهم في الطلب على حساب العرض والأسعار.
- تقنين استخدام الطاقة حفاظاً على البيئة وخفضاً للفاتورة التي ترهق المواطن في حياته اليومية، ووقف النزيف الحاصل في الثروة الحرجية والزراعية والذي يسهم في زيادة ظاهرة التصحر وتفاقم آثار الاحتباس الحراري.
2- على الصعيد العربي:
- العمل على تحقيق التكامل الزراعي والاقتصادي وتبادل الخبرات وتشجيع الشركات ورجال الأعمال على الاستثمار في مشاريع زراعية عربية مشتركة.
- تخصيص صندوق عربي خاص لتمويل الزراعة في الدول الفقيرة التي تمتلك أراضي شاسعة صالحة لهذا الغرض مثل السودان، الذي يوصف بسلة الغذاء العربي، إضافة الى المغرب والعراق وسورية ولبنان واليمن.
- تخصيص صندوق خاص لدعم أسعار النفط ومشتقاته وتقديم الدول المنتجة «كوتا» محددة للدول المحتاجة بأسعار تشجيعية.
والإيجابي في هذا المجال أن الدول المعنية متحمسة للتعبير عن مثل هذا التضامن، وتجلى ذلك في قرارات اتخذتها السعودية اخيراً لمواجهة الأزمة داخلياً وعربياً لتوفير المواد الأساسية وتنويع مصادرها، إضافة الى إعلان أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عن مبادرة لإنشاء صندوق لدعم الدول الإسلامية التي تعاني من ارتفاع اسعار المواد الغذائية وتقديم 100 مليون دولار لهذه الغاية النبيلة لحل الأزمة الإنسانية من خلال «صندوق الحياة الكريمة»، مع العمل على زيادة الاستثمارات وإزاحة الحواجز الجمركية وتحسين البيئة بعد إهمال خطير أثّر في كل مناحي الحياة وأهمها الزراعة. وتتجه الأنظار الآن الى القمة العربية الاقتصادية التي ستُعقد في الكويت مطلع العام المقبل لعلها تشكل نقلة نوعية في التعاون العربي وتتخذ القرارات العملية السريعة التي تترجم معاني التضامن والتكافل والتراحم.
- تكوين مخزون استراتيجي عربي من الحبوب ومشتقاتها تحسباً للمتغيرات والتطورات المرتقبة.
3- على الصعيد الدولي:
- تحمل الدول الغنية مسؤولياتها التاريخية والإنسانية في دعم الدول المحتاجة وإقامة صندوق دولي لهذا الغرض.
- ضبط الأسعار ومنع الاستغلال الحاصل ووقف سياسة الاحتكار والتخلي عن منع إنتاج بعض المنتجات الزراعية مثل القمح والأرز والذرة وفتح الأسواق في شكل كامل.
- وقف الهدر في استخدام الطاقة وتخريب البيئة والخطوات الأخرى التي غيّرت المناخ العالمي وبالتالي ضرب الإنتاج الزراعي وتفاقم مشكلة التصحر العالمي.
- منع أو خفض إنتاج ما يسمى بالوقود الحيوي عبر إنتاج الطاقة باستخدام المنتجات الزراعية مما تسبب في الأزمة الراهنة وتوقع زيادة الأسعار بنسب تتراوح بين 20 و50 في المئة بحلول عام 2016.
- تفعيل دور منظمات الأمم المتحدة المتخصصة في تحقيق العدالة ودعم الدول الفقيرة وضبط الأسعار.
- تمويل إقامة السدود والبحيرات وتوفير المياه على الصعد الوطنية والعربية والدولية ووقف الهدر وتأمين موارد جديدة باعتبار ان هذه الإجراءات تؤمّن الحاجة الزراعية وتحد من خطورة الأزمات المرتقبة لما يسمى بحروب المياه المقبلة. وتوفير المعدّات والتقنيات الحديثة للدول المحتاجة لمضاعفة إنتاجها الزراعي وتأمين الاكتفاء الذاتي والاستثمار في منشآت التخزين والطرق الموصلة الى الأسواق.
- توجيه الاستثمارات الدولية الى القطاع الزراعي بشتى فروعه.
- الحد من ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته والتخفيف من آثاره المدمرة على الزراعة والإنتاج.
- تشجيع استخدام بدائل للمكونات الأساسية اليومية مثل إقدام إحدى الدول على تحويل البطاطا الى رغيف خبز وإعلان اليابان عن دعم إنتاج دقيق الأرز للمساعدة في استخدامه كبديل لدقيق القمح المرتفع الثمن.
وبالطبع، فإن لدى الخبراء والمختصين وسائل كثيرة ومتعددة للتخفيف من حدة الأزمة الراهنة. والمطلوب عربياً استيعاب المخاطر والمسارعة الى وضع خطة طوارئ فاعلة وعاجلة لتحقيق الأمن الغذائي العربي على المديين المتوسط والطويل الأجل ومعالجة المشاكل والمعوقات التي حدد بعض أشكالها تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية وهي: المتغيرات المناخية غير الملائمة ومحدودية الأراضي الزراعية وموارد المياه وملوحة الأراضي الزراعية وتدني مستويات الإنتاجية في الأراضي البعلية وضعف التكامل النباتي والحيواني ونقص الأعلاف الحيوانية وصعوبات التمويل والتسويق للمزارعين الصغار، إضافة الى مواصلة العمل بالطرق البدائية وعدم استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة.
إنها معضلة تحتاج الى حل، والمسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً في المجالين الوطني والعربي ثم في المجال الدولي وعلى مستويات القمة والقيادة، مهما كانت نسب الفقر والغنى والحاجة والاكتفاء. ورفع الأجور هو خطوة في الطريق الصحيح لكنه قد يزيد من تفاقم الأزمة في حال استمرار مسيرة ارتفاع الأسعار. فالكل في مركب واحد شعاره: «اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم».
كاتب عربي
|